ملخص
العصر الذهبي قصّة الزمن الأوّل الذي كان فيه الناس يعيشون في خير وعدل، ثم ساءت الأحوال جيلاً بعد جيل حتى بلغت الزمن الذي يعيش فيه الراوي. وأقدم رواية تامّة لها في اليونانية قصيدة هِسْيُود «الأعمال والأيام»، نحو سنة 700 ق.م. يقول هسيود إنّ الآلهة صنعوا أوّلاً جيلاً ذهبيّاً من البشر عاشوا في عهد كرونوس حين كان ملكاً في السماء: عاشوا كالآلهة بلا همّ ولا تعب، ولا تأتيهم الشيخوخة، يأكلون ويشربون ويفرحون، وتعطيهم الأرض ثمرها كثيراً من غير أن يُكرهوها، ويموتون كمن يغلبه النوم. ثم صنعوا جيلاً من فضّة، يبقى الطفل منه مئة سنة عند أمّه يلعب، فإذا كبر عاش قليلاً في البؤس لأنّه لا يكفّ عن ظلم غيره ولا يعبد الآلهة، فأخفاه زيوس. ثم جيلاً من برونز، من شجر الدردار، يحبّ الحرب، سلاحه وبيوته من البرونز، فهلك بأيدي أهله. ثم جيل الأبطال الذين حاربوا عند طيبة وطروادة، وبعضهم يسكن جزر السعداء عند أطراف الأرض. ثم الجيل الحديدي، جيل هسيود، الذي لا يستريح من التعب نهاراً ولا من الهلاك ليلاً.
ويقول هسيود عن آخر هذا الجيل: سيولد الأطفال وفي أصداغهم الشيب، ولا يوافق الأب أبناءه، ولا الضيف مضيفه، ويهين الناس آباءهم إذا شاخوا، ويصير الحقّ في القوّة، وحينئذ يترك الحياء ونيميسيس الأرض الواسعة، ملتفّين بثياب بيض، ويلحقان بالخالدين، فلا يبقى للبشر عون على الشرّ. ثم جاء الشاعر أَرَاتُوس فجعل العدالة نفسها عذراء كانت تجلس بين الناس في الزمن الذهبي، فلمّا صنعوا السيف صعدت إلى السماء وصارت برج العذراء، وسمّاها أوفيد أسترايا. هسيود، «الأعمال والأيام» 180–201، أراتوس، «الظواهر» 96–136.
وتتكرّر القصّة في ميثولوجيات أخرى بأسماء أخرى. يجعل الرومان الزمن الذهبي ملك ساتورن في لاتيوم، ويجعله الفرس ملك ييما الذي لم يكن فيه برد ولا حرّ ولا هرم ولا موت، وتجعله الهند «كْرِتا يوغا»، العصر الأوّل الذي كان الحقّ فيه تامّاً على أربع أرجل، ويصفه السومريون في أرض دلمون التي لا يفترس فيها الأسد ولا يقول فيها أحد «أنا شيخ».
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الخير في أوّل الزمن لا في آخره، وأنّه يُفقد بالتدريج لا دفعة واحدة. وكلّ رواية تجعل للفقد علامة يراها الناس: العدالة تترك الأرض فتصير نجماً، والمجد الملكي يطير عن ييما في صورة طائر حين يكذب، والحقّ في الهند يفقد رجلاً في كلّ عصر. وأكثر هذه الروايات تجعل للقصّة طرفاً آخر: الزمن الأوّل يمكن أن يعود، فيقول فرجيل إنّ العذراء ترجع ويرجع ملك ساتورن، وتقول الهند إنّ كْرِتا يوغا تبدأ من جديد بعد آخر العصور.
أمّا الكلمات فنقرؤها في اللسان العربي هكذا. كلمة الذهب اليونانية χρυσός «خْرُوسُوس» أخذها اليونان من الساميّين، كما يقول المعجم اليوناني نفسه، وهي في الأكدية hurāṣu «خُورَاصُو»، الذهب، وفي العبرية «حَارُوص»، وتحفظها العربية في «الخُرْص»، الحلقة من الذهب أو الفضّة، والخاء والراء والصاد فيها على ترتيبها. فالجيل الذهبي عند هسيود يحمل اسماً ساميّاً. وكرونوس، ملك هذا الجيل، يقرؤه المقال الإغريقي في هذا المشروع «قَرْن»، والقرن الجيل من الناس، فهو ملك القرون، وقصّة الأجيال الخمسة قصّة قرون. وساتورن يقرؤه المقال الروماني من «سَتَرَ»، ويجعله «إله العصر الذهبي الغابر، الماضي المستور».
الجذر اللغوي
الذهب: خْرُوسُوس والخُرْص
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| ku-ru-so | كُو-رُو-سُو | اليونانية الميكينية، في ألواح الخطّ «ب» |
| χρυσός | خْرُوسُوس | الذهب عند هوميروس وهسيود |
| χρύσεος | خْرُوسِيُوس | ذهبيّ، صفة الجيل الأوّل |
| hurāṣu | خُورَاصُو | الذهب في الأكدية |
| חָרוּץ | حَارُوص | الذهب في العبرية، في الشعر |
| خُرْص | خُرْص | الحلقة من الذهب أو الفضّة |
يختم المعجم اليوناني مادّة الذهب بقوله إنّها مأخوذة من الساميّة، ويذكر العبرية «حَارُوص» والأكدية «خُورَاصُو». والمعجم الأكدي يعطي الكلمة معنى الذهب، ومنها «نافخ الذهب»، أي الصائغ. وفي معجم لين «الخُرْص» و«الخِرْص» الحلقة، أو الحلقة من الذهب والفضّة، أو القُرط بحبّة واحدة، ومنه يقال «ما تملك فلانة خُرصاً»، أي لا تملك شيئاً. والحروف تتقابل بانتظام: الخاء العربية خاء أكدية، وتكتبها اليونانية χ «خِي»، والصاد تكتبها اليونانية سيناً، كما يبيّن جدول جذور اليونانية. فهذه شواهد مكتوبة لا قراءة مقترحة. وتبقى الملاحظة أنّ العربية لم تحفظ الكلمة اسماً للمعدن، وإنّما للحلية المصنوعة منه، واسم المعدن فيها «الذَّهَب».
وفي العربية نفسها يجمع معجم لين في مادّة واحدة «الذَّهَب» المعدن، و«ذَهَبَ» أي مضى وانقضى، ولا يشتقّ أحدهما من الآخر. فاسم المعدن في العربية من حروف المضيّ، والزمن الذهبي في القصص كلّها زمن مضى.
أَوْرُم والضوء
هذه «قراءة مقترحة على المنهج». يسمّي أوفيد الزمن الأوّل aurea aetas «أَوْرِيَا أَيْتاس»، والصفة من aurum «أَوْرُم»، الذهب. ويقول دي ڤان إنّ أصلها في الإيطالية القديمة بالسين، وإنّ الصيغة القديمة ausom «أَوْسُم» ينسبها النحاة إلى أهل سابينا، ثم صارت السين بين الحركتين راءً كما تصير في اللاتينية بانتظام، وإنّ لها أخوات في البلطيقية بمعنى الذهب. ويربطها كثيرون بكلمة الفجر اللاتينية aurōra «أَوْرُورا»، وهي من أصل كلمة الفجر اليونانية التي قرأتها صفحة إيوس من «وَضُؤَ» و«ضوء»، والسين اليونانية فيها مكان الضاد. فإن صحّ الربط كان الذهب «الوَضِيء»، المعدن الذي يلمع. وفي هذه القراءة ضعفان: أنّ جدول جذور اللاتينية يجعل الضاد العربية دالاً لا سيناً، فالقراءة لا تقوم إلّا على مستوى الأصل المشترك بين الكلمتين، وأنّ ربط الذهب بالفجر نفسه غير مقطوع به.
ملوك الزمن الأوّل
كرونوس عند المقال الإغريقي «قَرْن»: الحقبة من الزمن، والجيل من الناس، كما في «أهلك من القرون». وكلمة هسيود لكلّ جيل من أجياله γένος «غِينُوس»، أي النسل والجيل، فالأجيال الخمسة على هذه القراءة خمسة قرون، أوّلها في عهد صاحب القرون. وتشرح صفحة كرونوس انتقال القاف إلى الكاف.
وساتورن عند المقال الروماني «سَتَرَ»، أي أخفى وغطّى، والمقال يجعله «إله العصر الذهبي الغابر، الماضي المستور». وهذا يوافق قصّة فرجيل: ملك خُلع فاختبأ في لاتيوم، وكان زمنه الزمن الذهبي. وتفصّل صفحة ساتورن النون الرابعة التي لا تفسّرها «ستر».
وجمشيد عند المقال الفارسي «جَمّ» و«شيّد»: الكثير المجتمع، والبناء المرفوع، فهو «الباني العظيم». أمّا الاسم الأقدم ييما فتقرؤه صفحة يما الهندية «اليمّ».
كْرِتا
يقول معجم مونير-ويليامز إنّ kṛta «كْرِتا» اسم مفعول من kṛ «كْرِ»، فعل وصنع، فمعناه «المصنوع، المنجز، التامّ»، وإنّه اسم الوجه من وجوه النرد الذي عليه أربع نقاط، وهو الرمية الرابحة، واسم العصر الأوّل من العصور الأربعة، ويسمّى أيضاً «ساتيا»، أي الحقّ. والعصور الأربعة أسماء رميات النرد: كْرِتا أربع، وتريتا ثلاث، ودواپارا اثنتان، وكَلي واحدة، وكلي الرمية الخاسرة، وليست المعبودة كالي. ويقول هانومان في «المهابهاراتا» إنّ العصر سُمّي كْرِتا لأنّ كلّ شيء فيه كان منجزاً، فلم يكن الناس يحتاجون إلى الطقوس. ولا تقرأ المقالة الهندية هذه الكلمة، ولا نقترح لها قراءة.
الشواهد بحسب الحضارة
اليونان: أجيال هسيود وعدالة أراتوس
يروي هسيود الأجيال الخمسة بعد قصّة بروميثيوس وباندورا مباشرة، فالقصّتان جوابان عن سؤال واحد: لماذا يتعب الإنسان في عيشه. ولكلّ جيل مصير بعد موته: الذهبيّون صاروا أرواحاً طيّبة على الأرض، تحرس البشر وترقب الأحكام والأعمال الظالمة وتعطي الغنى، والفضّيّون أرواح مباركة تحت الأرض، والبرونزيّون ذهبوا إلى بيت هاديس بلا اسم، وبعض الأبطال يسكن جزر السعداء عند أوقيانوس، حيث تحمل الأرض لهم ثمراً حلواً كالعسل ثلاث مرّات في السنة. ويتمنّى هسيود لو مات قبل الجيل الخامس أو وُلد بعده، فهو يرى بعده جيلاً آخر. ثم يروي أراتوس الأجيال الثلاثة الأولى من جهة العدالة: تجلس في الساحات مع الذهبيّين، وتنزل وحدها من الجبال إلى الفضّيّين، وتطير إلى السماء من البرونزيّين، أوّل من صنع السيف وأكل ثور الحرث.
روما: ساتورن في لاتيوم وأزمنة أوفيد
يروي فرجيل على لسان الملك إيفاندر أنّ ساتورن جاء أوّلاً من الأوليمب هارباً من سلاح جوبيتر، منفيّاً قد سُلب ملكه، فجمع قوماً لا يقبلون التعليم، متفرّقين في الجبال العالية، ووضع لهم الشرائع، وسمّى البلاد لاتيوم لأنّه اختبأ فيها آمناً. وكانت في ملكه القرون التي يسمّونها ذهبية، يحكم الناس في سلم هادئ، حتى جاء بالتدريج زمن أسوأ وأبهت لوناً، ومعه جنون الحرب وحبّ التملّك. أمّا أوفيد فزمنه الذهبي بلا قانون ولا عقاب، يحفظ الناس فيه الوفاء والحقّ من أنفسهم، ولم يُقطع الصنوبر بعد ليُبنى منه سفينة، ولم تُحفر خنادق حول المدن، وكانت الأرض تعطي كلّ شيء ولم يمسّها معول ولا محراث، والربيع دائم، وتجري أنهار من لبن وأنهار من رحيق، ويقطر العسل من شجر البلّوط. فلمّا أُلقي ساتورن في تارتاروس وصار العالم في يد جوبيتر جاء الزمن الفضّي، فقسم جوبيتر السنة فصولاً، وسكن الناس البيوت، ودُفن الحبّ أوّل مرّة في الأتلام، وأنّت الثيران تحت النير.
إيران: ملك ييما
يقول نشيد الهوم إنّ ييما جعل في ملكه الماشية والناس لا يموتون، والنبات والماء لا يجفّان، والطعام لا يفنى، ولم يكن في ملكه ريح باردة ولا حارّة، ولا هرم ولا موت، ولا حسد تصنعه الشياطين، وكان الأب والابن يمشيان وكلّ واحد منهما في صورة ابن خمس عشرة سنة. وفي «ڤنديداد» يأمره أهورا مزدا أن يرعى العالم، فيوسّع الأرض ثلاث مرّات كلّما ضاقت بأهلها، ثم يحذّره من شتاء مهلك فيبني الحظيرة. وفي «زامياد يشت» يبقى المجد الملكي مع ييما ما دام صادقاً، فلمّا أحبّ كلام الكذب والباطل رآه الناس يطير عنه في صورة طائر، فارتجف ييما وسقط على الأرض أمام أعدائه. ويجعل «الشاهنامه» سقوطه حين قال إنّ كلّ ما عند الناس جاء منه، فأخذ ضحاك الملك.
الهند: كْرِتا يوغا
في «المهابهاراتا» يطلب بهيما، أخو أرجونا، من هانومان أن يريه الصورة العظيمة التي عبر بها البحر، فيقول هانومان إنّ تلك الصورة لا تُرى الآن، لأنّ الأرض والأنهار والنبات والآلهة تتبع الزمن، وهذا عصر نقصان. ثم يصف العصور: في كْرِتا كان دين واحد، ولم يكن بيع ولا شراء، ولا عمل باليد، وكانت حاجات العيش تأتي بمجرّد التفكير فيها، ولم يكن مرض ولا ضعف حواس، ولا حقد ولا كبر ولا خوف ولا حسد. وفي تريتا تبدأ القرابين وينقص الحقّ ربعاً، وفي دواپارا نصفاً، وفي كلي لا يبقى منه إلّا ربع، فيأتي المرض والغضب والقحط. ويقول «قانون مانو» إنّ الدارما في عصر كْرِتا تقوم على أربع أرجل، وإنّ الناس فيه لا يمرضون ويعيشون أربعمئة سنة، ثم تفقد الدارما في كلّ عصر رجلاً، وينقص العمر ربعاً. وتقول المقالة الهندية في هذا المشروع إنّ كَلْكي، آخر تجسّدات ڤيشنو، يظهر في آخر كلي يوغا فيُنهي الشرّ ويعيد العصر الذهبي، ساتيا يوغا، «عصر الحقيقة».
سومر: دلمون ورقية نوديمّود
تبدأ قصيدة «إنكي ونينهورساج» بوصف دلمون: لا ينعب فيها الغراب، ولا يفترس الأسد، ولا يخطف الذئب الحمل، ولا يقول مرض العين «أنا مرض العين»، ولا تقول العجوز «أنا عجوز»، ولا الشيخ «أنا شيخ». لكنّ دلمون في القصيدة ليست زمناً مضى، وإنّما أرض بعيدة، وكانت قبل ماء إنكي بلا حرث، ثم يجري فيها ما يجري من أكل إنكي النباتات ولعنة نينهورساج. وفيها أسكن الآلهةُ زيوسودرا بعد الطوفان حيّاً لا يموت. وفي «إنمركار وسيّد أراتا» رقية تُنسب إلى نوديمّود، أي إنكي: في يوم لا تكون فيه حيّة ولا عقرب ولا ضبع ولا أسد ولا كلب ولا ذئب، ولا خوف ولا رعدة، تخاطب البلاد كلّها إنليل بلسان واحد. وتترجمها مدوّنة الأدب السومري دعاءً ليوم آتٍ، ويقرؤها غيرها وصفاً لزمن مضى، فالنصّ يحتمل الوجهين.
الصين: الوحدة الكبرى
في باب «لي يون» من «كتاب الطقوس» يقول كونفوشيوس: حين كانت الطريق الكبرى تُسلك كان ما تحت السماء للجميع، يختار الناس أهل الفضل والكفاءة، ويصدقون في كلامهم، ولا يعدّ الرجل أباه وحده أباً ولا ابنه وحده ابناً، فللشيخ كفايته حتى يموت، وللقويّ عمله، وللصغير ما يكبر به، وللأرملة واليتيم والعاجز من يعولهم، ولا يظهر لصّ ولا خائن، فتبقى الأبواب الخارجية مفتوحة. «وهذا ما نسمّيه الوحدة الكبرى». ثم يقول: أمّا الآن وقد خفيت الطريق الكبرى، فقد صار الملك ميراثاً في أسرة، وكلّ واحد يحبّ أباه وابنه، وتُبنى الأسوار والخنادق، ويسمّي زمن الملوك الصالحين الذين جاؤوا بعد ذلك «الطمأنينة الصغرى».
الشمال: ألواح الذهب
تقول «نبوءة العرّافة» إنّ الآلهة اجتمعوا في أوّل الزمن في سهل إيدافول، فبنوا المذابح والمعابد، وأقاموا الأفران، وصنعوا الكنوز والأدوات، ولعبوا بالألواح في الساحة فرحين، ولم يكن ينقصهم شيء من الذهب، حتى جاءت ثلاث عذارى من العمالقة. وبعد راغناروك تخرج الأرض من البحر خضراء، فيجد الآلهة في العشب قطع اللعب الذهبية التي كانت لهم في الأيّام الأولى.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالات المشروع العصر الذهبي ذاكرةً لتاريخ حقيقي، وتختلف في أيّ تاريخ هو. فالمقالة الإغريقية تقرأ أجيال هسيود تاريخ الصنعة مضغوطاً: الذهبي زمن الصيد والجمع، يعيش فيه الإنسان مع الطبيعة بلا عمل قبل الزراعة، والفضّي بدايات الزراعة، والبرونزي زمن صهر البرونز والسلاح والحروب، والحديدي زمن هسيود نفسه. أمّا المقالة الرومانية فتقرأ عصر ساتورن «ذاكرة الوفرة» و«زمن المساواة الزراعية» قبل الطبقات والعبودية، وتجعل عيد الساتورناليا، حين يأكل العبيد مع السادة، يوماً تعود فيه هذه المساواة. والمقالة الفارسية تقرأ ملك جمشيد ذاكرة للثورة الزراعية الأولى، وما علّمه من نسيج وبناء ومعادن.
وهذا الخلاف في المقالات موجود في النصوص نفسها. فهسيود وأوفيد يجعلان الزمن الذهبي بلا حرث، تعطي فيه الأرض من نفسها، ويجعل أوفيد أوّل الأتلام في الزمن الفضّي. وأراتوس يجعل البقر والمحراث في الزمن الذهبي، وفرجيل يجعل ساتورن معلّم القانون، وجمشيد يعلّم الصنائع. فالعصر الذهبي في بعض الروايات زمن قبل العمل، وفي بعضها زمن العمل العادل. وما تشترك فيه الروايات كلّها أنّ الخسارة أخلاقية قبل أن تكون مادّية: الكذب في قصّة ييما، والسيف في قصّة أسترايا، وحبّ التملّك عند فرجيل وأوفيد، والسرقة والكذب والخداع عند مانو، وصيرورة الملك ميراثاً في «كتاب الطقوس». وتقرأ المقالة السومرية دلمون ذاكرة بيئية لواحة خضراء كثيرة الينابيع العذبة في البحرين، وهي أقرب إلى المكان منها إلى الزمن.
التوازيات عبر الحضارات
العصر الذهبي يشبه طعام الخلود في أنّ الناس فيه لا يشيخون، لكنّه يفترق عنه في أنّ الخلود هناك يُنال ثم يُفقد بفعل واحد، أمّا هنا فالشيخوخة والموت يأتيان على مراحل، جيلاً بعد جيل. وفي هسيود يموت الذهبيّون كمن يغلبه النوم، فهم يموتون بلا مرض، وليسوا خالدين.
وتنتهي بعض الروايات بكارثة تحفظ بعدها بقيّة من الزمن الأوّل: ييما يبني حظيرته قبل الشتاء المهلك، كما في الشتاء العظيم في الشمال، وزيوسودرا يسكن دلمون بعد الطوفان. والزمن الأوّل يعود في الروايات التي تجعل الزمن دائرة: كلكي يعيد ساتيا يوغا في دورة التجسّدات، والعالم يُجدَّد في فرشو كرتي الزرادشتية، والأرض تخرج خضراء بعد راغناروك. ويجعل فرجيل الرجوع قريباً، حين ترجع أسترايا. فرجيل، «الرعويّات» 4.4–10.
وملوك الزمن الأوّل في روما وإيران هم أيضاً أبطال حضارة: ساتورن يعلّم الزرع والقانون، وجمشيد يعلّم الحدادة والنسيج والبناء. فالرواية الرومانية والفارسية تجعل الزمن الذهبي من صنع ملك علّم الناس، والرواية اليونانية تجعله هبة من الآلهة لا يد للإنسان فيها.