كيومرث

ملخص

كَيُومَرْث الإنسانُ الأوّل في أساطير الفرس، وأوّل ملوك الأرض في «الشاهنامه». يروي «البُنْدَهِشْن»، كتاب الخلق عند الزرادشتيين، أنّ أورمزد خلقه سادسَ مخلوقاته، بعد السماء والماء والأرض والنبات والثور الأوّل، فجعله على الضفّة اليسرى لنهر دائتيا، وجعل الثور على الضفّة الأخرى، وكان مستديراً مضيئاً كالشمس، طوله كعرضه، وجسده من الأرض. ثم أفاق أهريمن من حيرته بعد ثلاثة آلاف سنة، فثقب السماء، ونزل على الماء، وشقّ الأرض، وأيبس النبات، ثم جاء إلى الثور ثم إلى كيومرث ثم إلى النار، ونشر على الأرض الحيّات والعقارب حتى لم يبق منها قدر رأس إبرة خالياً. وقبل أن يصل إليه أرسل أورمزد على كيومرث عرقاً بقدر ما تُتلى صلاة واحدة، فلمّا خرج من العرق رأى الدنيا مظلمة كالليل. وأطلق أهريمن عليه أَسْتْوِيهاد، شيطان الموت، ومعه ألف من الشياطين، فلم يقدر عليه لأنّ أجله لم يحِن: كُتب لكيومرث بعد الهجوم ثلاثون سنة. فقال كيومرث: «وإن جاء المهلك، فالناس كلّهم سيكونون من نسلي، وهذا خير إذا أدّوا الواجب وعملوا الصالحات».

ومات الثور الأوّل فسقط على جنبه الأيمن، ثم مات كيومرث بعد ثلاثين سنة فسقط على جنبه الأيسر. وخرجت منه وهو يموت نطفته، فطهّرها نور الشمس في حركته، وحفظ نِرْيُوسَنْگ جزأين منها، وتلقّت سپندارمذ، روح الأرض وإحدى الأمشاسبندات، جزءاً. فبقيت في الأرض أربعين سنة، ثم نبتت منها نبتة ريباس، وهو الراوند، بساق واحدة، صارت بعد خمس عشرة سنة رجلاً وامرأة ملتصقين، هما مَشْيَه ومَشْيانه، أبوا الناس جميعاً. وتقول الموسوعة الإيرانية نقلاً عن البندهشن الكبير إنّ أورمزد أخذ صورة كيومرث فأودعها مقام الشمس، فهي تضيء فيها، وإنّ أصناف المعادن خرجت من أعضاء جسده. وفي آخر الزمان تقوم عظام كيومرث أوّلاً، ثم عظام مشيه ومشيانه، ثم سائر الناس، ويُعطى نصف نور الشمس لكيومرث.

أمّا الشاهنامه فتجعله أوّل من لبس التاج وجلس على العرش. سكن جبلاً، ولبس هو وقومه جلود الفهود، فالطعام واللباس في أوّلهما، وملك الأرض ثلاثين سنة، فذلّت له البهائم والسباع. وكان له ابن اسمه سِيامَك، فحسده أهريمن، وأرسل ابنه الديو الأسود بجيش، فخرج إليه سيامك عارياً من السلاح فمزّقه الديو. فبكى كيومرث سنة، حتى جاءه سروش وأمره بالثأر، فقاد حفيده هوشنگ جيشاً من الجنّ والسباع، فقتل الديو الأسود وقطع رأسه، ثم مات كيومرث.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الإنسان هو الموضع الذي يدخل منه الموت إلى الخلق، والموضع الذي تبقى منه الحياة. يصل المهلك إلى كيومرث فيموت، لكنّ نطفته التي يطهّرها نور الشمس تُخرج النبتة التي يخرج منها الناس كلّهم، ولذلك يقول وهو يرى الظلام: الناس كلّهم سيكونون من نسلي. وفي الكتب الزرادشتية هو أوّل من سمع كلام أورمزد وقبله، وأوّل من يقوم في فرشو كرتي، فهو أوّل الأحياء وأوّل الأموات وأوّل القائمين.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج. أصل الاسم في الأفستا gaya marətan «گَيَ مَرِتَن»، ومعناه في الأفستية «الحياة الفانية» أو «الحيّ الفاني». فالجزء الأوّل gaya «گَيَ» الحياة، وهو في العربية «الحياة» و«الحيّ» من مادّة «حيي»: حَيِيَ إذا عاش. والحاء تدخل في جدول مشروع جذور مع العين والخاء والغين في مجموعة واحدة تصير في الألسن الأخرى هاءً أو كافاً أو گافاً أو تسقط. والجزء الثاني marətan «مَرِتَن» من فعل mar- «مَر» بمعنى مات، والتاء بعده علامة اسم المفعول، والنون لاحقة، فبقي من الجذر الميم والراء، وهما حرفا «المَرْء» العربي، وهو في معجم لين الرجل والإنسان، ومنه «امرؤ» و«امرأة». وبهذا المعنى صار الفعل نفسه في الفارسية اسماً للإنسان: mard «مَرْد» الرجل، وmardum «مَرْدُم» الناس. فكيومرث على هذه القراءة «الحيّ المرء»: أوّل حيّ صار إنساناً، وأوّل إنسان مات.

الجذر اللغوي

صيغ الاسم

الصيغة اللغة المصدر
گَيَ مَرِتَن الأفستية يشت 13.87، يسنا 26.10
گَيُومَرْت، گَيُومَرْد الفارسية الوسطى البندهشن
گِهْمُرْد الفارسية الوسطى عند المانويين الموسوعة الإيرانية
كَيُومَرْث الفارسية الحديثة الشاهنامه
جَيُومَرْت العربية الطبري وغيره

يذكر بارتولومه في معجمه الإيراني القديم الكلمة gaya «گَيَ» بمعنى الحياة ومدّة العمر وسيرة الحياة، ويذكرها ثانية اسماً للإنسان الأوّل، ويقول إنّها تأتي في الغالب مقرونة بـ marətan «مَرِتَن»، ومعنى الاسم في أصله «الحياة» أو «الحياة الإنسانية». ويجعل marətan «مَرِتَن» صفة بمعنى الفاني، ثم اسماً بمعنى الإنسان، ويردّه إلى اسم مفعول من فعل mar- «مَر»، مات، ويقابله بالفارسية mard «مَرْد». وفي «يشت» 13.87 يُذكر «فروشي» كيومرث الذي سمع أوّلاً فكر أهورا مزدا وتعليمه، والذي خلق منه أهورا قبيلة البلاد الآرية.

الحياة و«الحيّ»

في معجم لين: حَيِيَ وحَيَّ عاش، والحياة ضدّ الموت، والحيّ ضدّ الميّت. والجزء الأفستي gaya «گَيَ» يلقى العربية في المعنى كلّه، وفي الياء بعد الحرف الأوّل. أمّا الحرف الأوّل فحاء في العربية وگاف في الأفستية، والحاء في جدول مشروع جذور من مجموعة الحروف الحلقية الأربعة، العين والحاء والخاء والغين، التي تصير في الألسن الأوروبية هاءً أو تسقط أو تصير گافاً أو كافاً. وقد كتب العرب الاسم نفسه بالجيم، «جيومرت»، فحفظوا الگاف جيماً.

الفاني و«المَرْء»

وفي معجم لين: المَرْء الإنسان، أو الرجل البالغ دون الصبيّ والمرأة، ويقال امرؤ، ومؤنّثه المرأة. فالقراءة تأخذ من marətan «مَرِتَن» الميم والراء، وتترك التاء والنون لأنّهما في الأفستية لاحقتان، وتترك الهمزة في آخر «مرء» لأنّها لا تظهر في الفارسية، كما لم تظهر همزة «ذرأ» في اسم زال. وتلتقي الكلمتان في الشيء الذي تسمّيانه، الإنسان، وتفترقان في سبب التسمية: سمّت الأفستية الإنسان بالموت الذي يصيبه، والمرء في العربية لا يدلّ على الموت، والموت في العربية من مادّة «موت». وفي صفحة الأمشاسبندات قُرئت الحروف نفسها بعد أداة النفي في Amərətāt «أَمِرِتات»، الخلود، من «المَرْت»، الأرض الجرداء، وقراءة كيومرث تأخذ الجذر نفسه من «المرء»، فتجعل الاسم اسماً للإنسان.

قراءات أخرى

ويذكر مقال الموسوعة الإيرانية أنّ هوفمان وبويس قرنا كيومرث بـ Mārtāṇḍa «مارْتانْدَ» في الفيدا، فرأيا فيهما بقية قصّة هندية إيرانية مشتركة في أصل الإنسان. ويذكر أنّ كتاب «الدينكرد» يلقّبه «گِلْشاه»، ملك الطين، وأنّ نصّاً بهلوياً آخر يلقّبه «گَرْشاه»، ملك الجبل، وأنّ المؤرّخين المسلمين أخذوا باللقبين، ورجّح يارشاطر أنّ «گل» تصحيف «گر». وكثير من المؤرّخين المسلمين، ومنهم الطبري، يجعلون كيومرث آدم.

السرديات الأسطورية الرئيسة

كيومرث في الكتب الزرادشتية

ويضيف «الدينكرد» أنّ أورمزد جعله أوّل نبيّ يبلّغ كلامه للناس، فلمّا لم يكن له قوم يبلّغهم أُوحي الكلام بعده إلى مشيه، ثم إلى ابنهما سيامك. ويجعل «الدينكرد» و«البندهشن» نسله: مشيه ومشيانه، ثم سيامك، ثم فرواك، ثم هوشنگ. ويحفظ الطبري عنه حكمة: انظروا إلى ما قيل لا إلى من قال.

الحساب

ويجعل الفصل الأخير من البندهشن الزمان اثني عشر ألف سنة: ثلاثة آلاف في الحال الروحانية، وثلاثة آلاف عاشها كيومرث والثور في العالم بلا عدوّ، ثم هجم الخصم فعاش كيومرث ثلاثين سنة في البلاء، ثم نبت مشيه ومشيانه بعد ثلاثين سنة.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية الصراع بين أهورا مزدا وأنجرا ماينيو صراعاً بين المزارع المستقرّ وما يُهلك زرعه وماشيته: الجفاف والحشرات والمرض والغزو. وقصّة كيومرث في البندهشن تقع في وسط هذا الصراع بالترتيب نفسه: يهجم أهريمن على الماء والأرض والنبات والثور ثم الإنسان، وينشر الحشرات ويُيبس النبات. وتقرأ المقالة السامية أهريمن من «الهَرَم»، القوّة التي تُبلي الخلق ببطء. وهذا ما يفعله بكيومرث: لا يقدر على قتله في الحال، بل يُرسل عليه الحاجة والألم والجوع والمرض، فيبقى ثلاثين سنة ثم يموت.

ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ جسد كيومرث خُلق من الأرض، أي من سپندارمذ، وإنّ نطفته خُلقت من نور السماء. والقصّة تعود إلى هذين الأصلين حين يموت: يطهّر نور الشمس نطفته، وتتلقّاها الأرض، فيخرج الناس من اجتماعهما، وتعود صورته إلى الشمس.

التوازيات عبر الحضارات

وأقرب القصص إليه قصّة يمير عند النورديين. يقول «غيلفاغينينغ» «گِيلْڤاگِينِنْگ» إنّ يمير، أوّل الأحياء، عاش مع بقرة أولى هي أَوْذُمْبْلا، تسقيه من أربعة أنهار من لبنها، كما عاش كيومرث مع الثور الأوّل على ضفّتي النهر. ويقول إنّ يمير عرق وهو نائم فنبت تحت ذراعه اليسرى رجل وامرأة، وكيومرث يرسل عليه أورمزد عرقاً قبل الهجوم، ومن نطفته ينبت الرجل والمرأة الأوّلان. ثم يُقتل يمير فتصير أعضاؤه العالم، وتخرج المعادن من أعضاء كيومرث، وهذا ما يجمعه نمط الجسد الكوني. غيلفاغينينغ 5–6.

وفي «ريغفيدا» 10.90 يقدّم المعبودون بوروشا، الإنسان الأوّل، قرباناً، فيخرج من جسده الناس على مراتبهم، كما يخرج من نطفة كيومرث الناس كلّهم ويقول: كلّهم من نسلي. وفي الصين يصير جسد بانغو الجبال والأنهار. والفرق أنّ أعضاء يمير وبوروشا وبانغو تصير العالم، وكيومرث يُخلق بعد العالم، فيخرج من جسده الناس والمعادن لا السماء والأرض.

وأمّا آدم فيجعله الطبري وكثير من المؤرّخين كيومرث نفسه. وكلاهما في قصّته من الأرض: آدم من تراب، وجسد كيومرث من سپندارمذ، روح الأرض. وبعدهما يدخل الموت على النسل: يموت كيومرث بهجوم أهريمن، ويُكتب الموت على آدم وذرّيته بعد الأكل من الشجرة. وقصص أوّل الخلق مجموعة في خلق الإنسان. الموسوعة الإيرانية، «كيومرث»، التكوين 3:19.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. البندهشن، ترجمة وِسْت، الفصول 3 و4 و15 و30 و34.

  2. يشت 13.87، ترجمة دارمستتر.

  3. الشاهنامه، كيومرث، النصّ الفارسي.

  4. ترجمة أ. ج. وارنر وإ. وارنر للشاهنامه، المجلّد الأوّل، 1905، ص 117–121.

  5. الموسوعة الإيرانية، «كيومرث»، منصور شكي.

  6. بارتولومه، المعجم الإيراني القديم، 1904، العمودان 503–504 و1147–1148.

  7. معجم لين: حيي، مرأ.

  8. غيلفاغينينغ 5–6.

  9. ريغفيدا 10.90.

  10. التكوين 3:19.