أفراسياب

ملخص

أَفْراسِياب ملك توران وعدوّ إيران الأكبر في أساطير الفرس، وتملأ حروبه أكثر من نصف «الشاهنامه». هو في الأفستا Fraŋrasyan «فْرَنْگْرَسْيَن» التوراني الماكر، يسكن قصراً من حديد تحت الأرض اسمه هَنْكَنا، ويقرّب فيه لأناهيتا مئة حصان وألف بقرة وعشرة آلاف حمل، ويسألها أن يأخذ «الفَرّ»، المجد الإلهي الذي يطفو في بحر ووروكشا ويملكه الآريون، فلا تعطيه. وتروي «يشت» 19 أنّه نزع ثيابه ونزل في البحر ثلاث مرّات ليمسك الفرّ، فكان الفرّ يفرّ منه في كلّ مرّة، ويخرج من البحر بحيرة جديدة، فيخرج أفراسياب ويقول: إن لم أقدر على المجد فسأُفسد الحبوب والأشربة كلّها. ثم يطلب الهوم أن يقيّده ويسوقه إلى الملك هئوسروه، كيخسرو، فيقتله عند بحيرة چيچست المالحة العميقة، ثأراً لأبيه سياوش. يشت 5.41–43، يشت 19.56–64 و19.77، يشت 9.17–22.

وفي «البندهشن» هو من نسل تور بن فريدون، وأخو گرسيوز وأغريرث، وجدّ كيخسرو لأمّه. حاصر منوچهر والإيرانيين في جبال پدشخوار ونشر فيهم الخراب والجوع، فشفع لهم أخوه أغريرث فأنجاهم، فقتله أفراسياب. واتّخذ جبل بَكْيِر حصناً سكن في جوفه، وحوّل ألف عين إلى بحر كيانسيه، وأخذ نهر نَهْوتك فلا يعود يجري حتى يأتي المنقذ أوشيدر. وتقول الموسوعة الإيرانية إنّ أشهر أعماله منع المياه وتجفيف الأنهار وإحداث القحط، وإنّ البندهشن يقول صراحة إنّه منع المطر عن إيران حتى ردّه الملك زَوْ.

وفي الشاهنامه يغزو إيران فيأسر الملك نوذر ويضرب عنقه، ويشطر أخاه أغريرث نصفين لأنّه أطلق الأسرى، ويرفعه رستم عن سرجه فيفرّ. ويرسل الجيوش مع سهراب، ثم يلجأ إليه سياوش فيزوّجه ابنته فرنگيس، ثم يقتله بوشاية أخيه. فلمّا ملك كيخسرو قاده إلى الحرب الكبرى حتى فرّ أفراسياب عبر البحر، ثم اختبأ في كهف على جبل قرب بَرْدَع، يبكي ملكه الضائع. فسمعه ناسك اسمه هوم، من نسل فريدون، فدخل عليه الكهف وقيّده بحزامه، فشكا إليه ضيق الوثاق فأرخاه، فأفلت ورمى نفسه في بحيرة خَنْجَسْت وغاب. فأمر كيخسرو بأخيه گرسيوز فخُيّط في جلد ثور حتى صاح، فلمّا سمع أفراسياب صوت أخيه طلع من الماء، فرمى هوم وهقه فأخذه من عنقه وأخرجه، فضرب كيخسرو عنقه بالسيف الهندي، وقال له: قتلتَ أبي وأنا لم أولد بعد.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ أفراسياب يطلب ما ليس له فيأخذ مكانه ما يُفسد. يريد المجد الذي للآريين فلا يقدر عليه، فيتوعّد بإفساد الحبوب والأشربة، ويحبس الأنهار والمطر، ويقتل الأخ الذي أنقذ الأسرى والصهر الذي وثق به. والماء الذي ظنّه ملجأ لا يخبّئه: البحر يُخرج بحيرات ولا يعطيه المجد، والبحيرة التي غاص فيها تُسلمه حين يسمع صوت أخيه. ويقتله في آخر القصّة حفيدُه، ابن ابنته وابن الرجل الذي قتله.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فلا تقرأ المقالة الفارسية اسمه. يذكر مقال الموسوعة الإيرانية أنّ بنفنست أرجع Fraŋrasyan «فْرَنْگْرَسْيَن» إلى فعل معناه أذهب الشيء وأسقطه وأهلكه، وأنّ الصيغة الفارسية Frāsiyāb «فْراسِياب» تنتهي بـ āb «آب»، الماء. وفي العربية «فَرَسَ»: فرس الأسدُ فريسته إذا دقّ عنقها، ثم صار لكلّ قتل، وفرس الذابحُ الذبيحة إذا كسر عظم عنقها أو قطعه. وهذا ما تجعله القصّة: ثلاث ضربات في الأعناق، عنق نوذر، وأغريرث المشطور، ورأس سياوش الذي قُطع كما يُقطع رأس الشاة. وآخر الاسم «عُباب» العربية، والعباب معظم السيل وكثرته وموجه، وعَبَّ الماء شربه بلا نفَس. وهذا ما تجعله القصّة أيضاً: الملك الذي يغوص في البحر ثلاثاً، ويحوّل ألف عين، ويشرب الأنهار حتى تجفّ.

الجذر اللغوي

صيغ الاسم

الصيغة اللغة المصدر
فْرَنْگْرَسْيَن الأفستية يشت 5 و9 و19، يسنا 11.7
فْراسِياك، فْراسِياب الفارسية الوسطى البندهشن
فَراسِياب العربية الدينوري والمسعودي والبيروني
أَفْراسِياب الفارسية الحديثة الثعالبي والفردوسي
پَرِيسَگ السريانية ثيودور بار كوناي

يقول بارتولومه إنّ معنى fraŋrasyan «فْرَنْگْرَسْيَن» الأصلي غير معروف، وإنّ ŋr فيه من sr قديمة، ويذكر أنّه يسكن حصناً من حديد في جوف الأرض، ويقيّده الهوم، ويقتله هئوسروه. ويرجّح بنفنست، كما ينقل يارشاطر في الموسوعة الإيرانية، أنّه من *fra-hrasya «فْرَهْرَسْيَ»، أذهب الشيء وأسقطه وأهلكه، من فعل يقابل السنسكريتية sraṃs «سْرَمْس»، سقط، وأنّ الصيغة الفارسية من *Frahrasyāpa «فْرَهْرَسْياپَ» التي آخرها āp «آپ»، الماء، ويرى يارشاطر أنّ هذا يوافق صورته مانعاً للمطر. ولقبه في الأفستا mairya «مَئيرْيَ»، الماكر الشرّير، ويأخذه نيبرگ بمعنى الرجل الشرّير.

فَرَسَ

في معجم لين: فَرَسَه الأسد إذا دقّ عنقه، وهذا أصل المعنى، ثم صار القتل كيف كان، يقال فرسه الأسد أي قتله، وافترسه أخذه وجعله فريسته، وفرس الذابح الذبيحة كسر عظم عنقها قبل أن تبرد، أو قطع نخاعها، أو فصل عنقها، وهو منهيّ عنه. والقراءة تأخذ من الاسم الفاء والراء والسين. وتفترق عن تحليل بنفنست في أنّ الفاء والراء عنده سابقة fra- «فْرَ»، والسين من الفعل، فالعربية تجمع في جذر واحد ما يقسمه الإيراني بين سابقة وفعل، ولا تقرأ النون الأنفية التي في الصيغة الأفستية. ويلتقيان في المعنى: الإسقاط والإهلاك عند بنفنست، والقتل بدقّ العنق في العربية.

العُباب

وفي معجم لين: العُباب معظم السيل وارتفاعه وكثرته، أو موجه، وأوّل الشيء، وعَبَّ الماء شربه بلا نفَس، أو شربه دفعة واحدة. والعين في أوّل الكلمة تسقط في جدول مشروع جذور، فيبقى «آب». وهذه الكلمة في الفارسية الماء نفسه، فالقراءة تلقى الكلمة الفارسية في معناها، وتضيف إليها من العربية كثرة الماء وشربه بلا نفَس.

السرديات الأسطورية الرئيسة

القصر تحت الأرض

وتنقل الموسوعة الإيرانية عن البندهشن الكبير وغيره أنّ قصره تحت الأرض من حديد، ارتفاعه ألف قامة، تحمله مئة عمود، وتضيئه نجوم وشمس وقمر صنعها بسحره، وتجري فيه أربعة أنهار: ماء وخمر ولبن ولبن رائب. وتنقل أنّ «مينوي خرد» يجعل أهريمن خلق ضحّاك وأفراسياب والإسكندر خالدين، فغيّر أورمزد أمرهم، وأنّ ثيودور بار كوناي ذكر من عقائد الزرادشتيين أنّ الأرض كانت عذراء مخطوبة لـ«پريسگ»، فعرف فيه بنفنست أفراسياب، وأنّ يارشاطر رأى في الخبر بقية قصّة قديمة تجعل القحط اغتصاباً للأرض. ومن هنا رمية آرش: أمرت سپندارمذ، روح الأرض، الرامي آرش أن يرمي سهماً يكون موضع سقوطه حدّاً بين إيران وتوران.

أفراسياب وأستياغيس

ويذكر وارنر أنّ قصّة كيخسرو قصّة كورش عند هيرودوت: أستياغيس ملك الميديين يرى منامين في ابنته فيخاف أن يأخذ ابنها ملكه، فيأمر بقتل الطفل، فيُخفى عند راعٍ ويكبر، ثم يخلع جدّه. فأفراسياب أستياغيس، وفرنگيس ماندانه، وسياوش قمبيز، وكيخسرو كورش، وپيران هارپاغوس.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية أنجرا ماينيو رمزاً لما يُهلك المزارع المستقرّ: الجفاف والآفات والغزاة البدو من السهوب، وتقرأ حرب إيران وتوران حرباً أهلية بين شعب واحد انقسم. وأفراسياب يجمع القراءتين: هو في الأفستا والبندهشن مانع المطر ومجفّف الأنهار ومُفسد الحبوب، وهو في الشاهنامه حفيد فريدون، ابن عمّ ملوك إيران وجدّ ملكهم كيخسرو. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ أخباره صارت تحمل ذكرى غارات أهل السهوب في آسيا الوسطى على مدن إيران، وإنّ هزيمته على يد زَوْ كانت تُذكر في عيد المياه.

التوازيات عبر الحضارات

ويقول يارشاطر إنّ أفراسياب إمّا معبود معادٍ في الأصل يمنع المطر كما يمنعه ڤريترا الهندي، وإمّا أخذ صفات معبود كهذا. وڤريترا في «ريغفيدا» يحبس المياه حتى يقتله إندرا فتجري، وأفراسياب يحوّل العيون ويأخذ الأنهار حتى يُقتل، فتجري الأنهار في ملك زَوْ وكيخسرو. وفي إيران نفسها يقاتل تشتريا، صاحب المطر، شيطان القحط أپوشا.

وعند النورديين يهرب لوكي بعد قتل بالدر فيختبئ في شلّال في صورة سمكة سلمون، فيصنع الآلهة شبكة ويأخذه ثور، ثم يُقيَّد. وأفراسياب يفلت من هوم ويختبئ في البحيرة، ثم يخرج فيؤخذ بالوهق. فالعدوّ في القصّتين يهرب إلى الماء بعد أن قتل البريء، ويُصاد منه كما تُصاد السمكة.

وفي «إينوما إيليش» يحمل كينغو، قائد جيش تيامت، لوح الأقدار وليس له، فيأخذه مردوخ منه ويقيّده، ثم يُقتل. وأفراسياب يطلب المجد الذي ليس له ثلاث مرّات فلا يقدر عليه، ثم يُقيّد ويُقتل.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. يشت 5.41–43، يشت 9.17–22، يشت 19.56–64 و19.77، ترجمة دارمستتر.

  2. البندهشن، ترجمة وِسْت، الفصول 12 و20 و21 و31.

  3. الشاهنامه، الحرب الكبرى بين كيخسرو وأفراسياب، النصّ الفارسي.

  4. ترجمة أ. ج. وارنر وإ. وارنر للشاهنامه: المجلّد الثاني، ص 190–191، المجلّد الرابع، ص 259–268.

  5. الموسوعة الإيرانية، «أفراسياب»، يارشاطر.

  6. بارتولومه، المعجم الإيراني القديم، 1904، العمودان 986–987.

  7. معجم لين: فرس، عبب.

  8. هيرودوت 1.107–130.

  9. غيلفاغينينغ 50.

  10. إينوما إيليش، ترجمة لامبرت.