ترمينوس

ملخص

تِرْمِينُوس معبود الحدود عند الرومان، وهو الحجر أو جذع الشجرة الذي يُغرس في الحقل حيث تلتقي أرض رجل بأرض جاره، كما يخاطبه أُوفِيد: سواء كنت حجراً أو جذعاً مدفوناً في الحقل، فقد عُبدت منذ زمن بعيد.

وأشهر قصّته قصّة الكابيتول. أراد الملك تارْكْوِينْيُوس أن يخلي التلّ لمعبد جوبيتر الكبير، وكانت عليه معابد صغيرة نذرها الملك السابيني تيتوس تاتيوس في حربه مع رومولوس، فاستأذن الطير في نقلها. فأذنت الطير في نقل المعابد كلّها إلّا معبد ترمينوس، ففسّر العرّافون ذلك بأنّ ملك روما ثابت لا يتزحزح. ويزيد ليفيوس في موضع آخر أنّ يُوفِنْتاس، ربّة الشباب، أبت هي أيضاً أن تُنقل. ويقول أوفيد إنّ الآلهة كلّها تنحّت لجوبيتر وتركت له المكان، إلّا ترمينوس، فبقي في موضعه وصار يشارك جوبيتر معبده، وتُرك له في السقف ثقب صغير حتى لا يرى فوقه إلّا النجوم. ثم يخاطبه الشاعر: ابق حيث وُضعت، ولا تتنازل لجارك عن شبر ولو سألك، كي لا يُقال إنّك قدّمت إنساناً على جوبيتر، وإن ضربوك بالمحاريث والمجارف فقل: هذه أرضك، وتلك أرضه.

ويُنسب نظام الحدود إلى نُوما، الملك الذي خلف رومولوس. يقول دِيُونِيسِيُوس الهاليكارناسي إنّ نوما أمر كلّ رجل أن يخطّ حول أرضه خطّاً ويضع على حدودها حجارة، وجعل الحجارة لجوبيتر حامي الحدود، وأمر أن يجتمع الناس عندها كلّ سنة ويقرّبوا لها، وجعل من هدم حجراً منها أو نقله منذوراً للمعبود يقتله من شاء بلا إثم. وكانت قرابينها كعكاً من الحبوب وأوائل الثمار، لا دم فيها. ويقول بلوتارخ إنّ نوما أوّل من بنى معبداً لترمينوس، وإنّه جعل قرابينه بلا دم لأنّ معبود الحدود حارس السلم وشاهد العدل، وإنّ رومولوس لم يرسم لأرض روما حدّاً لأنّه لم يرد أن يعترف بمقدار ما أخذ من غيره، فالحدّ إن حُفظ قيّد القوّة، وإن لم يُحفظ شهد على الظلم.

وعيده الترمينالِيا في الثالث والعشرين من فبراير. يجتمع عند الحجر صاحبا الأرضين من جهتيه، ويضع كلّ واحد منهما عليه إكليلاً وكعكة. ثم يُبنى مذبح، فتأتي امرأة الفلّاح بنار من موقد بيتها على كسرة فخّار، ويقطع الشيخ الحطب، ويرمي الصبيّ الحبّ في النار ثلاث مرّات، وتقدّم البنت أقراص العسل، ويُصبّ الخمر، ويقف الحاضرون في ثياب بيض صامتين. ثم يُرشّ الحجر بدم حمل، ويُقدَّم له خنّوص، ويأكل الجيران معاً ويغنّون: أنت تضع الحدود للشعوب والمدن والممالك، ولولاك لكان كلّ حقل موضع نزاع. ويُقدَّم له قربان آخر عند الحجر السادس على الطريق إلى لاوْرِنْتُوم. ويقول فارُّون إنّ يوم الترمينالِيا كان آخر أيّام السنة، لأنّ فبراير كان الشهر الثاني عشر.

والفكرة التي تدور عليها أخباره أنّ الحدّ لا يتحرّك ولو طلبه أعظم الآلهة. فالحجر الذي أبى أن يتنحّى لجوبيتر هو الحجر الذي يقف بين حقلين، وكلاهما يقول: هذه أرضك وتلك أرضه. وفي القصّة الرومانية حدّان: خطّ المحراث الذي قُتل ريموس حين عبره، وحجارة نوما التي يُقدَّم لها الكعك ويأكل عندها الجيران معاً. الأوّل حدّ يحرسه السيف، والثاني حدّ يحرسه الاتّفاق.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع النهاية اللاتينية -us «ـُس» من Terminus «تِرْمِينُس» فيبقى «تِرْمِين»، وتحفظ اللاتينية للكلمة صيغتين أخريين هما termen «تِرْمِن» وtermo «تِرْمُو»، فالأصل term- «تِرْم» وصوامته التاء والراء والميم. وتقرؤه المقالة الرومانية في هذا المشروع من ت-ر-م بمعنى القطع والحدّ، ومن «حَرَمَ» بمعنى المنع. ولا يعرف معجم لين مادّة ت-ر-م، فإذا قرأنا الحروف نفسها على قوانين جذور صارت التاء اللاتينية طاءً عربية، وصارت الميم فاءً، لأنّ الميم والفاء في مجموعة الشفويّات الواحدة، فخرجت «طَرَف». والطرف عند لين «نهاية كلّ شيء وآخره، وناحيته»، وأطراف الأرض نواحيها، وهذا هو ترمينوس: الحجر الذي يقف عند طرف الأرض حيث تنتهي. وهي قراءة مقترحة على المنهج تحفظ معنى المقالة وصوامتها. أمّا «الحَرَم» فيعطي المعنى الثاني: الحريم في المعجم ما حول الدار والبئر ممّا لا يحلّ لغير صاحبه، والموضع الذي يجب على صاحبه أن يدفع عنه، وهو ما يجعله نوما لحجارة الحدود.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
terminus تِرْمِينُس الحدّ، والحجر الذي يُعلَّم به، ثم المعبود
termen / termo تِرْمِن / تِرْمُو صيغتان أخريان عند فارّون وإنْيُوس
Terminalia تِرْمِينالِيا عيده في الثالث والعشرين من فبراير
termines تِرْمِينِس الحدود، كما ينقلها ديونيسيوس
τέρμα / τέρμων تِيرْما / تِيرْمُون النهاية والغاية، والحدّ، في اليونانية
طَرَف طَرَف نهاية الشيء وناحيته
طُرَّة طُرَّة ناحية النهر والوادي، وحدّ الأرض

يجعل جدول اللاتينية في قوانين جذور الطاء العربية تاءً في اللاتينية، لأنّ اللاتينية لا تعرف الإطباق، ويجعل منهج القراءة الميم والفاء والباء والواو مجموعة واحدة تتبادل حروفها في الانتقال. فالتاء والراء والميم في term- «تِرْم» هي الطاء والراء والفاء في «طَرَف». والطرف عند لين «نهاية كلّ شيء وآخره»، كطرف السيف والرمح والحبل، ثم الناحية والجانب، وجمعه أطراف.

وفي اللاتينية لاحقة -men «ـمِن» تصنع الأسماء، فإن كانت الميم منها بقي من الاسم ter- «تِر»، أي الطاء والراء، وفي مادّة ط-ر-ر عند لين «الطُّرَّة» ناحية النهر والوادي، وحدّ الأرض والبلد، وطرف كلّ شيء، و«أطرار البلاد» أطرافها. فالقراءة قائمة في الحالين على نواة واحدة، الطاء والراء، ومعناها حافة الأرض وحدّها. ويضع المعجم اللاتيني الكلمة إلى جانب اليونانية τέρμα «تِيرْما»، أي النهاية والغاية، ومعناها هو معنى «الطرف».

وتقول المقالة إنّ ترمينوس مأخوذ من كلمة أكدية termu «تِرْمُو» بمعنى الحدّ، وتجعل ذلك قطعيّاً. ومعجم شيكاغو الأكدي لا يعرف هذه الكلمة، فليس بين terkullu «تِرْكُلُّو» وterru «تِرُّو» في مجلّد التاء مدخل بهذا الاسم. وفي المجلّد نفسه كلمة taḫūmu «تَخُومُو»، ومعناها الحدّ والتخم بين البلدين، وتفسّرها القوائم القديمة بـmiṣru «مِصْرُو»، أي الحدّ، وهي أخت «التُّخوم» العربية، ونُقشت على حجارة الحدود الآشورية. وتقابل المقالة الاسم كذلك بالعبرية ḥērem «حِيرِم»، وهي في المعجم العبري «الشيء المنذور» و«التحريم»، وهذا يوافق قانون نوما الذي يجعل ناقل الحجر منذوراً للمعبود، لكنّه معنى يلتقي بالقصّة لا حرف يلتقي بالاسم، لأنّ الحاء لا تصير تاءً.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الحجر الذي ابتلعه ساتورن

يسخر لاكْتانْتِيُوس، الكاتب المسيحي، من الذين يعبدون حجراً خشناً اسمه ترمينوس، ويقول إنّه الحجر الذي يُقال إنّ ساتورن ابتلعه بدل جوبيتر، فلعلّه لم يتنحّ لجوبيتر على الكابيتول ثقةً بأنّه هو الذي خلّصه من فم أبيه. ويذكر أنّ فِرْجِيل سمّاه «صخرة الكابيتول التي لا تتحرّك»، وأنّ الثقب تُرك في السقف فوقه ليتمتّع بالسماء المكشوفة. وهذه الرواية تصل ترمينوس بحجر أُوپْس الملفوف في خبر مولد جوبيتر.

مذابح تاتيوس

يعدّ فارّون ترمينوس بين المعبودات التي نذر لها الملك السابيني تيتوس تاتيوس مذابح في روما، ومعه كويرينوس واللارِيس، ويقول إنّ في أسمائها رائحة اللغة السابينية. فالمعابد التي أراد تاركوينيوس نقلها عن الكابيتول كانت من هذه النذور.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الرومانية الأخرى في هذا المشروع خطّ المحراث الذي رسمه رومولوس حدّاً مقدّساً، وقتل ريموس قانوناً: من يعبر الحدّ بغير إذن يُقتل، «وهذا قانون لا أسطورة». وتجعل أساطير التأسيس كلّها سوابق قانونية، وترى في الفصل بين حقّ الآلهة وحقّ الناس أعظم ما أنجزته روما. وترمينوس على هذه القراءة حدّ الملكية الخاصّة نفسه وقد صار معبوداً، يجتمع عنده الجاران مرّة في السنة فيتّفقان عليه من جديد.

وتصل المقالة السامية ترمينوس بالحَرَم، أي الموضع الممنوع، وهو ما يقوله ديونيسيوس حين يجعل ناقل الحجر منذوراً للمعبود. ويُظهر عيد الترمينالِيا الوجه الآخر للحدّ: النار التي تحملها المرأة من موقد بيتها إلى الحجر، والكعك والعسل والحبّ، والجيران الذين يأكلون معاً بعد أن يكلّل كلّ منهم الحجر من جهته.

التوازيات عبر الحضارات

في «القوانين» يجعل أفلاطون أوّل قوانين الزراعة قانون زيوس حامي الحدود: لا يحرّك أحد حجارة الحدّ بينه وبين جاره، مواطناً كان أو غريباً. وهذا هو جوبيتر حامي الحدود الذي جعل له نوما الحجارة عند ديونيسيوس. وفي بلاد آشور كانت الحدود بين البلاد تُعلَّم بحجارة نُقش عليها اسم «تاخُومو»، والكلمة أخت «التُّخوم» العربية.

وفي روما نفسها يحرس يانوس الباب، أي الموضع الذي يُعبر منه، ويحرس ترمينوس الحدّ الذي لا يُعبر، وتقارن مقاربة يانوس وحرّاس العتبات الباب الروماني بحرّاس البوّابات في بلاد الرافدين. وعيد الترمينالِيا عيد فلّاحين في آخر السنة القديمة، يجتمع فيه الجاران على حدّ حقليهما، فهو من شواهد السنة الزراعية وحياة الناس.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. أوفيد، الأعياد 2.639–684؛ ليفيوس 1.55 و5.54.

  2. ديونيسيوس، الآثار الرومانية 2.74؛ بلوتارخ، نوما 16؛ فارّون، في اللغة اللاتينية 5 و6؛ لاكتانتيوس، المؤسسات الإلهية 1.20؛ أفلاطون، القوانين 8.842e.

  3. معجم لين، طرف وطرر وحرم وتخم؛ لويس وشورت، ترمينوس؛ معجم شيكاغو الأكدي، مجلّد التاء؛ براون ودرايفر وبريغز، حيرم.