اللاريس

ملخص

اللارِيس معبودات صغيرة عند الرومان، يحرس كلّ واحد منها موضعاً بعينه: لار البيت يحرس الدار وأهلها، ولارات المفارق تحرس ملتقى الطرق في الأحياء، ولارات الطريق يُقرَّب لها على جانبه، ولارات المدينة الحارسة تقف على أسوارها. وكانت صور لار البيت تُوضع عند الموقد في محراب صغير يُسمّى «اللارارِيُوم».

ويروي أُوفِيد مولد لارات المفارق. كانت حورية من حوريات النهر اسمها لارا كثيرة الكلام، وكان أبوها النهر ألمو يقول لها كثيراً: أمسكي لسانك، فلا تمسكه. وكان جوبيتر يطلب الحورية يُوتُورْنا، فجمع الحوريات وطلب أن يمنعنها من الهرب إلى الماء، فذهبت لارا فأخبرت يوتورنا، ثم ذهبت إلى جونو فأخبرتها أنّ زوجها يحبّ يوتورنا. فغضب جوبيتر وانتزع لسانها، وأمر مركوري أن يقودها إلى عالم الموتى، لأنّه مكان الصامتين. وفي الطريق مرّا ببستان، فأحبّها مركوري وأخذها، وهي تحاول أن تتكلّم بشفتين لا صوت لهما. فحملت وولدت توأمين، هما اللاريس اللذان يحرسان المفارق ويسهران على المدينة.

ويتكلّم لار البيت بنفسه في أوّل مسرحية «القِدر» للشاعر بْلاوْتُوس، فيقول: أنا لار هذه الأسرة، أسكن هذا البيت منذ سنين كثيرة، وأحرسه لأبي صاحبه الحاليّ ولجدّه. دفن الجدّ عندي كنزاً من الذهب في وسط الموقد، ورجاني أن أحفظه له، ومات ولم يدلّ ابنه عليه بخلاً، فرحت أنظر هل يكرمني الابن أكثر ممّا أكرمني أبوه، فكان يقلّ في إكرامي سنة بعد سنة، فعاملته بالمثل، ومات هو أيضاً. ولصاحب البيت اليوم ابنة تصلّي لي كلّ يوم بالبخور أو بالخمر، وتهدي إليّ الأكاليل، فمن أجلها جعلت أباها يجد الكنز، ليزوّجها به.

ومن لار البيت جاء ملك من ملوك روما. يروي بلِينِيُوس أنّه في عهد الملك تاركوينيوس بريسكوس ظهرت في رماد موقد القصر صورة عضو ذكر، وكانت الأسيرة أُوكْرِيسْيا جالسة عنده، فقامت حاملاً، وولدت سِرْفِيُوس تُولْيُوس الذي صار ملكاً. ورأى الناس لهباً يلعب حول رأس الطفل وهو نائم، فقالوا إنّ أباه لار البيت، ولهذا، كما يقول، أُقيمت للّاريس ألعاب عيد المفارق. ويرويها أُوفِيد فيجعل الأب فولكان. ويقول دِيُونِيسِيُوس الهاليكارناسي إنّ سرفيوس تُولْيُوس أمر أهل كلّ حيّ أن يبنوا محاريب في طرقهم، وأن تقدّم كلّ أسرة كعكة عسل في عيدها كلّ سنة، وأن يخدم القربانَ العبيدُ لا الأحرار، فكان الرومان في زمانه يحتفلون بهذا العيد، الكُومْپِيتالِيا، بعد الساتُورْنالِيا بأيّام، ويرفعون فيه عن العبيد علامات العبودية.

وكان صاحب المزرعة إذا وصل إلى بيته في الريف حيّا لار البيت أوّلاً، ثم طاف بأرضه، كما يكتب كاتُو. وكانت مدبّرة البيت تنظّف الموقد كلّ يوم، وتضع عليه إكليلاً في الكالِنْدات والنُّوناي والإيدوس من كلّ شهر وفي أيّام الأعياد، وتصلّي للار البيت بقدر ما تملك. ولم يكن للمشرف على المزرعة أن يقيم شعيرة إلّا في عيد المفارق عند ملتقى الطرق أو عند الموقد.

والفكرة التي تدور عليها أخبارهم أنّ اللار يتبع المكان لا الإنسان. لار البيت يبقى في الدار وإن مات أهلها وجاء أبناؤهم، ويعطي من يكرمه ويمنع من يهمله، ولارات المفارق تجمع بيوت الحيّ عند ملتقى طرقها، فيقرّب لها الجار والجار، ويخدم قربانها العبيد. وهم في رواية أوفيد أبناء مركوري الذي يقود الأرواح ويعبر الطرق.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Lar «لار»، وجمعه Lares «لارِيس». تقرؤه المقالة الرومانية في هذا المشروع «البيت»، واللاتينية نفسها تستعمل lar «لار» بمعنى البيت والمسكن، فيقال: رجع إلى لاره، أي إلى داره. ويقول فارُّون إنّ الاسم كان قديماً Lases «لاسِيس» بالسين، ثم صارت السين بين حركتين راءً، فالأصل «لاس». ونقترح على المنهج أن يكون «لاث»: يقول لين: لاث الدارَ، أي لزم البيت، ولاث به، أي لجأ إليه واحتمى به واستتر، وهو «لاذ» نفسه، والثاء فيه بدل من الذال. والمَلاث الملجأ، يقال: هو نعم الملاث للضيفان، والملاث أيضاً السيّد الشريف الذي يطيف به الناس ويلوذون به. وهذه أعمال اللار كلّها: يلزم البيت ولا يفارقه، ويلوذ به أهله، والإتروسك يسمّون السيّد Lar «لار». ومن «لاذ» قولهم: لاذ الطريقُ بالدار، أي بلغها وأحاط بها، وهناك تقف لارات الطرق والمفارق.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Lar, Lāris لار، لارِس المفرد، ويقال للبيت نفسه
Lares لارِيس الجمع
Lases لاسِيس الصيغة القديمة في نشيد الإخوة الأرفاليين وعند فارّون
lararium لارارِيُوم محراب اللار عند الموقد
Lares Compitales / viales / Praestites لارِيس كُومْپِيتالِيس / وِيالِيس / پْرايْسْتِيتِيس لارات المفارق، ولارات الطريق، واللارات الحارسة
Lar, Lars, Larth لار، لارْس، لارْث لقب إتروسكي معناه السيّد
لاث، لاذ لاث، لاذ لزم المكان، ولجأ إلى الشيء واحتمى به
مَلاث مَلاث الملجأ، والسيّد الذي يلوذ به الناس

يقول فارّون إنّ العادة غيّرت كثيراً من الكلمات القديمة، كما قالوا Lares «لارِيس» بعد أن كانت Lases «لاسِيس». والسين اللاتينية بين حركتين صارت راءً في عصر قديم، وهذا مذكور في قواعد اللاتينية، فالراء في الاسم ليست أصلاً، وأصلها السين. وجدول اللاتينية في قوانين جذور يجعل الثاء العربية تاءً أو سيناً أو فاءً في اللاتينية، فثاء «لاث» تصير سين Lases «لاسِيس». والألف في «لاث» تقابل الألف الطويلة في Lār «لار».

وفي المقالة السامية قراءات أخرى: «لار» بمعنى البيت، وتقول المقالة إنّها من التحويل اللاتيني، و«ليرة» بمعنى المنزل الإلهي، وصيغة عبرية بمعنى الضوء. والقراءة الأولى صحيحة في اللاتينية، فـlar «لار» البيت فعلاً، لكنّها تشرح الكلمة بنفسها. والصيغة العبرية لا نجدها في المعجم، والسراج في العبرية nēr «نِير» بالنون.

البيناتيس

يذكر الرومان البيناتيس مع اللاريس كثيراً، وهم معبودات المخزن وداخل البيت، ويأخذ المعجم اللاتيني اسمهم من penus «پِينُوس»، أي مخزن الطعام، ومن الأسرة نفسها، عن طريق معنى المخزن والحجرة الداخلية، penes «پِينِس» وpenetro «پِينِتْرُو»، أي «عند» و«نفذ إلى الداخل»، وتقول المقالة الرومانية الأخرى بالاشتقاق نفسه. وتقرؤهم المقالة السامية من «بن»، أي الابن، أو من صيغة عبرية «پان» بمعنى الخبز. والذي في المعجم العبري أنّ pen «پِن» معناها «لئلّا»، وأنّ الخبز في العبرية leḥem «لِحِم». فيبقى اسم البيناتيس بلا قراءة عربية تثبت، ويبقى معناه اللاتيني، المخزن والداخل، هو الذي تشهد له النصوص.

السرديات الأسطورية الرئيسة

البيناتيس يخرجون من طروادة

في «الإنيادة» يظهر شبح هكتور لـإينياس ليلة سقوط طروادة ويقول له: تعهد إليك طروادة بمقدّساتها وآلهة بيوتها، فخذها معك وابحث لها عن المدينة العظيمة التي ستبنيها بعد التيه في البحر، ثم يُخرج من المحراب الداخلي العصائب وفيستا والنار التي لا تنطفئ. ثم يطلب إينياس من أبيه أنخيسيس أن يحمل آلهة البيت، لأنّه خرج من القتال ولا يحلّ له أن يمسّها حتى يغتسل في ماء جارٍ. وفي كريت تقف البيناتيس أمام إينياس في نومه تحت ضوء القمر، وتقول له إنّ أبولّو أرسلها إليه، وإنّ أرضه ليست كريت بل الأرض التي يسمّيها الإغريق هِسْپِيرِيا، وهي إيطاليا.

البيناتيس يرجعون إلى لافينيوم

يروي ديونيسيوس أنّ أسكانيوس لمّا بنى أَلْبا نقل إليها صور الآلهة التي جاء بها أبوه من طروادة ووضعها في معبد داخلي، فرجعت في الليل إلى قواعدها القديمة في لافينيوم والأبواب مغلقة والسقف سليم، ثم نُقلت مرّة ثانية فرجعت كذلك، فتركها الناس حيث هي، وأرسلوا ستّمئة رجل بأهلهم يقيمون في لافينيوم ويخدمونها. ويقول إنّ الرومان يسمّونها البيناتيس، وإنّ الإغريق يترجمون الاسم بآلهة الآباء، أو آلهة المولد، أو آلهة المال، أو آلهة الحجرة الداخلية، أو آلهة الفناء. ويصف معبداً لها في روما على تلّ فيليا فيه شابّان جالسان يحملان الرماح.

لارات الإمبراطور

يقول أوفيد إنّ في المدينة ألف لار، ومعها جِنِّيّ القائد الذي سلّمها للأحياء، فالأحياء تعبد ثلاثة معبودات. ويقول سُوِيتُونْيُوس إنّ أُغُسْطُس أعاد عيد المفارق، وأمر أن تُكلَّل لارات المفارق مرّتين في السنة بأزهار الربيع والصيف. فصار اسم الإمبراطور وجِنِّيّه يُكرَّمان عند ملتقى الطرق مع لارات الحيّ.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الرومانية الأخرى في هذا المشروع اللاريس والبيناتيس نظاماً اقتصادياً للأسرة. فاللاريس «حرّاس المكان»، أرواح الأجداد التي تحمي البيت، وتبجيلهم تأكيد لحقّ الأسرة في ملكها الموروث عبر الأجيال. والبيناتيس «أرواح المخزن»، حرّاس المؤن، وتبجيلهم تأكيد أنّ خزن الطعام أساس بقاء الأسرة. ولكلّ أسرة لاريس وبيناتيس، أي ملكها ومخزونها الخاصّ، وللدولة لاريس وبيناتيس عامّون، أي مخازنها وخزانتها. وقصّة بلاوتوس تشهد لهذه القراءة من داخل النصّ: لار البيت هو الذي يحفظ ذهب الأسرة تحت الموقد، ويقرّر لمن يُعطى.

وتجعل المقالة البنيوية عبادة البيت في روما صورة من عبادة البيت عند الساميّين، وتقابل اللاريس والبيناتيس بالترافيم، أصنام البيت، وتقول إنّ المعبود عندهما ليس بعيداً في السماء، بل «جِنّيّ» البيت الذي يسكن زواياه ويحرس موقده، أي وسط البيت.

التوازيات عبر الحضارات

في سفر التكوين تسرق راحيل ترافيم أبيها لابان حين تخرج مع يعقوب، وتخفيها في رحل الجمل وتجلس عليها حين يفتّش أبوها الخيمة. وهذه هي المقابلة التي تعقدها المقالة البنيوية: آلهة صغيرة تخصّ بيتاً بعينه، تحملها الأسرة حين ترحل، كما حمل أنخيسيس البيناتيس من طروادة.

وأبو اللاريس عند أوفيد هو مركوري، الذي يعرّفه الرومان بـهرمس، دليل المسافرين وقائد الأرواح إلى العالم السفلي، فأبناؤه يحرسون ملتقى الطرق. وتجمع النار التي في وسط البيت اللار وفيستا وهيستيا: صور اللار عند الموقد، والموقد عند فيستا وسط البيت والمدينة. وتقابل مقاربة يانوس وحرّاس العتبات حارس الباب الروماني بحرّاس البوّابات في بلاد الرافدين، واللار حارس الداخل بعد الباب.

ويجعل كاتو لعبيد المزرعة حصّة زائدة من الخمر في عيد المفارق وفي الساتورناليا، فعيد اللاريس من أعياد السنة الريفية، كما في السنة الزراعية وحياة الناس. كاتو 57.

السياق التاريخي

يحفظ متحف المتروبوليتان في نيويورك تماثيل برونزية صغيرة للار من القرنين الأوّل والثاني للميلاد، منها تمثال للار راقص طوله أحد عشر سنتيمتراً من القرن الأوّل، رقمه 96.9.300، وتمثال آخر من أوائل القرن الأوّل رقمه 19.192.50. وهي التماثيل التي كانت توضع في اللاراريوم عند الموقد.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. أوفيد، الأعياد 2.583–638 و5.129–146 و6.625–636؛ بلاوتوس، القدر؛ بلينيوس، التاريخ الطبيعي 36.70.

  2. ديونيسيوس، الآثار الرومانية 1.67–68 و4.14؛ كاتو، في الزراعة 2 و5 و57 و143؛ فارّون، في اللغة اللاتينية 6؛ سويتونيوس، أغسطس 31.

  3. فرجيل، الإنيادة 2 و3؛ التكوين 31.

  4. معجم لين، لوث ولوذ؛ لويس وشورت، لار والبيناتيس والمخزن؛ قواعد بينيت؛ براون ودرايفر وبريغز، نِير وپِن ولِحِم.

  5. متحف المتروبوليتان، 96.9.300 و19.192.50.