ملخص
آشور اسم واحد لثلاثة أشياء: مدينة على صخرة عالية فوق دجلة في شمال العراق، والمعبود الذي يسكن معبدها، والبلاد التي حكمها ملوكها. ولا يفرّق بين الثلاثة في الكتابة المسمارية إلا علامة صغيرة تسبق الاسم: علامة البلاد، أو علامة المدينة، أو علامة المعبود.
وليست لآشور أسطورة تحكي مولده أو حربه، فقصّته قصّة المدينة وملوكها. قام معبده إِيشَرّا، أي «بيت الكون»، على أعلى موضع من الصخرة، وكان حكّام المدينة منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد يسمّون أنفسهم «نائب آشور». فالملك يحكم باسمه، ويخرج إلى الحرب بأمره، ثم يرفع إليه تقريراً بما صنع، كما كتب سرجون الثاني إلى آشور رسالته الطويلة عن حملته الثامنة على أورارطو. ولمّا أراد العلماء أن يجعلوا له مكاناً بين المعبودات الكبرى أعطوه أسرة غيره: ساواه شَمْشِي أَدَد الأوّل بـإنليل، فصارت زوجته مُولِّيسُو، وهي نِنْلِيل، وصار نينورتا ابنه، وسُمّي معبده إِيكُور على اسم معبد إنليل في نيبور.
ثم هدم سَنْحارِيب بابل سنة 689 قبل الميلاد، وأراد أن يأخذ آشور مكان مردوخ في الأسطورة وفي العبادة. فكتب علماؤه نسخة جديدة من «إِينُوما إِيلِيش» وضعوا فيها اسم آشور، مكتوباً AN.ŠÁR «أَنْشار»، حيث كان اسم مردوخ، فصار آشور هو الذي يقاتل تيامات ويصنع العالم من جسدها، ووضعوا بَالْتِيل، وهو اسم من أسماء مدينة آشور، حيث كانت بابل. وبنى سنحاريب للعيد بيتاً خارج المدينة سمّاه «البيت الذي تُقتل فيه تيامات»، وصنع له باباً من البرونز صُوّر عليه آشور في عربته وفي يده القوس، خارجاً إلى قتال تيامات، والمعبودات تسير أمامه وخلفه، ونينورتا معهم. ثم أعاد ابنه أَسَرْحَدّون مردوخ إلى مكانه، فرجع آشور إلى صورة إنليل.
والفكرة التي تدور عليها أخبار آشور أنّ المعبود هنا هو الموضع نفسه. يرى لامبرت أنّ الصخرة كانت موضعاً مقدّساً قبل أن تُبنى، ثم صارت مدينة، ثم صار معبود الموضع شخصاً له اسم وعرش. ولأنّه لم تكن له صفات أصلية أخذ الصفة التي احتاجها أهله: صار معبود حرب حين صاروا أهل حرب، وأخذ أسرة إنليل حين احتاجوا إلى نسب، وأخذ معركة مردوخ حين أرادوا أن يكون خالق العالم. وبقي بعد سقوط المملكة: هُدمت مدينته سنة 614 قبل الميلاد، فحمل كهنته عبادته إلى أُورُوك، وظلّ أهل آشور يتسمّون باسمه في نقوش آرامية حتى القرن الثالث بعد الميلاد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Aššur «أَشّور» حروفه الهمزة والشين المشدّدة والراء. ويكتبه السريان «آثور» بالتاء، ويكتبه الفرس Athurā «أَثُورا». والتاء الآرامية تقابل الثاء العربية، كما تقابلها الشين في العبرية والأكدية، فـ«ثلاثة» هي «تلاتا» بالآرامية و«شالوش» بالعبرية. فالشين في آشور ثاء قديمة، والاسم هو «أثر» العربية، وهي أولى قراءات المقالة البابلية. والأثر في لسان العرب بقيّة الشيء، كبقيّة الدار، وأثر القدم موضعها على الأرض، والآثار ما بقي من الماضي. وفي العبرية كلمة بالحروف نفسها والشين المشدّدة نفسها، أَشُّور، معناها الخطوة. فآشور على هذه القراءة هو الأثر الثابت: الموضع الذي ثبتت عليه القدم فصار مدينة، وهو ما يقوله لامبرت عن الصخرة المقدّسة، وهو أيضاً ما أراده الملوك من اسمه، أن يبقى لهم أثر مكتوب على الحجر.
الجذر اللغوي
آشور و«الأثر»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Aššur «أَشّور» | أَشّور | الاسم الأكدي للمدينة والمعبود والبلاد، تسبقه علامة تبيّن أيّها المقصود |
AN.ŠÁR «أَنْشار» |
أَنْشار | كتابة لاسم المعبود شاعت منذ سرجون الثاني، وكُتب بها في النسخة الآشورية من «إينوما إيليش» |
| אַשּׁוּר «أَشّور» | أَشّور | العبرية، بالشين |
| آثور | آثُور | السريانية، بالتاء |
| Athurā «أَثُورا» | أَثُورا | الفارسية القديمة |
يقول لامبرت إنّ أحداً لم يقدّم اشتقاقاً جادّاً لاسم آشور، وإنّ صورة الاسم لا تكشف أصله. والذي يفصل بين القراءات هو الكتابات الأخرى للاسم. تجعل قوانين مشروع جذور الثاء العربية شيناً في العبرية وتاءً في الآرامية، وتجعل التاء الآرامية علامة فارقة للثاء خاصّة. واسم آشور شين في العبرية والأكدية، وتاء في السريانية والفارسية. والحرف الذي يكون شيناً في الأولى وتاءً في الثانية هو الثاء. فالجذر أ-ث-ر.
وفي معجم لين: الأثر بقيّة الشيء، كبقيّة الدار، والعلامة الباقية من الشيء في مقابل الشيء نفسه، وأثر القدم موضع وطئها، وجمعه آثار، وهي ما بقي من الأزمنة الماضية؛ و«أثارة من علم» بقيّة من علم الأوّلين تُنقل. والكلمة العبرية أَشُّور، بالحروف نفسها، معناها الخطوة، ويقارنها معجم براون ودرايفر وبريغز بالعربية والحبشية في معنى أثر القدم. فمعنى الجذر في الفرعين واحد: موضع القدم والعلامة الباقية بعد صاحبها.
قراءات أخرى في المقالة
تضع المقالة البابلية بعد «أثر» قراءة «أَشِرَ»، أي فرح حتى بطر، مع العبرية ʾāšēr «آشِير»، السعيد المبارك، ثم «يَشَرَ» مع العبرية yāšār «ياشار»، المستقيم. ويذكر معجم براون ودرايفر وبريغز الصلة بالمعنى العبري للاستقامة والخير. غير أنّ الشين العربية لا تصير تاءً في الآرامية، فلا تفسّر «آثور» السريانية، والثاء تفسّرها. ويبقى معنى الفرح والبركة صفة لما رجاه أهل آشور من معبودهم، لا أصلاً لاسمه.
وتقارن المقالة الهندية آشور بالسنسكريتية asura «أَسُورا»، والمقالة الفارسية بلقب ahura «أَهُورا»، وكلاهما لقب لكائنات السيادة والقوّة. ولهذه المقارنة صفحتها في أهورا، وتحتاج إلى صيغ مؤرّخة تفسّر السين والهاء في مقابل الشين.
السياق التاريخي
أُسّست مدينة آشور في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد على نتوء صخري يحرف مجرى دجلة نحو الشرق، فيرى منه الناظر السهل من حوله ويسهل الدفاع عنه. وإلى غرب المعبد قامت الزقّورة، وتحتهما القصر القديم الذي ظلّت مدافن الملوك تحته حتى نهاية المملكة، وإن انتقلت العاصمة إلى كَلْحُو ثم نينوى. ووُجد في المدينة نحو مئة وأربعين مسلّة لملوك وموظفين، يُرجّح أنّها كُرّست أوّلاً لآشور في معبده، ثم نُقلت قديمتها إلى خارجه لتفسح للجديدة.
وتحمل أسماء الملوك صورة هذا المعبود في كلّ عصر. في العصر الآشوري الوسيط أسماء مثل آشور-دان، «آشور قويّ»، وآشور-نيراري، «آشور نصيري»، وفي الألف الأوّل أسماء تطلب منه حفظ الوارث: آشور-ناصر-أبلي، «آشور حافظ وارثي»، وآشور-أخّي-إدّين، «آشور أعطى إخوة»، وهو أسرحدّون، وآشور-باني-أبلي، «آشور صانع وارثي»، وهو آشوربانيبال. وفي أسماء الأشخاص في العصر الآشوري القديم يُذكر آشور بلفظ «إيلوم»، أي المعبود، ويرى لامبرت في ذلك أثراً من مجمع يتصدّره إيل، كالذي عُرف في الشام.
الأسرة والصلات
| الاسم | الصلة بآشور | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| مُولِّيسُو، أي نِنْلِيل | زوجته بعد مساواته بإنليل | روبسون |
| نينورتا | ابنه في التقليد نفسه، ويسير خلفه على باب بيت العيد | روبسون؛ نقش سنحاريب 160، 26–31 |
| إنليل | النموذج الذي بُني عليه نسبه ومعبده إيكور | روبسون |
| مردوخ | أخذ آشور مكانه في نسخة سنحاريب من «إينوما إيليش» | فراهم، ص 8–9 |
| آنو | يُكتب اسماهما بالعلامتين نفسيهما AN.ŠÁR «أَنْشار» أحياناً، فانتقلت عبادة آشور إلى أوروك بعد سقوط مدينته |
روبسون |
السرديات الأسطورية الرئيسة
آشور في «إينوما إيليش» الآشورية
يحفظ لوح من آشور نشره إبلنغ، رقمه KAR 173 «كار 173»، مقطعاً من النسخة الآشورية: يرسل أنشار وزيره كَاكّا إلى لَخْمُو ولَخامُو ليدعوا الآباء إلى وليمة، فيقضوا القدر «لأنشار، بطلهم»، وفي النسخة البابلية «لمردوخ». فصار في القصيدة أنشاران: أنشار القديم، ابن لخمو ولخامو، وأنشار البطل الذي قاتل تيامات. ورأى لامبرت في ذلك ضعفاً في صنعة الكتبة الآشوريين، ويرى فراهم أنّهم أرادوا أن يكون لآشور سبق النسب مع أنشار الأوّل، وسلطان البطولة مع أنشار الثاني. وفي نقش لسنحاريب يُوصف آشور، مكتوباً AN.ŠÁR «أَنْشار»، بأنّه «الذي خلق نفسه».
الباب البرونزي
يقول سنحاريب في نقش بيت العيد إنّه صوّر على الباب، بأمر شمش وأدد في الفأل، آشور يخرج إلى تيامات بالقوس، في عربة يقودها أَمُورُّو، ومعه الطوفان الذي شدّه إليها، وتيامات «ومن خُلق في جوفها». ويعدّ المعبودات التي تسير أمام آشور، ومنها نوسكو و«نينورتا السور»، والتي تسير خلفه، ومنها سين وشمش وآنو وأدد وإيا ونينورتا. ويقسم بآشور «المعبود الذي خلقني» إنّه هو الذي أشرف على صبّ البرونز.
محنة مردوخ
وفي شرح آشوري يُعرف اليوم باسم «محنة مردوخ» يُقرأ عيد رأس السنة في بابل أسراً لمردوخ ومحاكمة له. ويرى فراهم أنّ هذا الشرح لا يعرف النسخة الجديدة من «إينوما إيليش»، فليس العملان حملة واحدة منسّقة على مردوخ.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة البابلية آشور «القوي الذي يترك أثره»، أي روح الإمبراطورية المنتصرة. وفي الشواهد يظهر هذا الأثر في الحجر: المسلّات المكرّسة له، ونقوش الحملات المرفوعة إليه، وأسماء الملوك المبنية على اسمه. وتبيّن قصّة سنحاريب حدود هذا الأثر، فالقصيدة التي كُتب فيها آشور مكان مردوخ لم تبقَ بعد موت صاحبها، وبقي الموضع الأوّل، المدينة على الصخرة، يُعبد فيه آشور قروناً بعد سقوط المملكة.
التوازيات عبر الحضارات
تقابل المقالة البنيوية الرومانية آشور بـمارس: كلاهما معبود دولة منظّمة وجيش، والحرب عندهما لفرض نظام. ويختلفان في أنّ مارس أب مؤسّس لروما عبر رومولوس، وآشور هو المدينة نفسها، لا أب لها. وتقابل المقالة البابلية آشور بمردوخ في الوظيفة، والخبر يجمعهما في قصيدة واحدة: أخذ آشور مكان مردوخ في «إينوما إيليش» ثم عاد عنه. أمّا مقارنته بلقب أهورا مزدا فلها صفحتها في أهورا.