رومولوس

ملخص

رُومُولُوس مؤسّس مدينة روما وأوّل ملوكها في روايات الرومان، وهو ابن مارس وتوأم ريموس. يروي لِيفِيُوس أنّ أَمُولْيُوس انتزع ملك أَلْبا من أخيه الأكبر نُومِيتُور، وقتل أبناءه الذكور، وجعل ابنته رِيا سِلْفِيا كاهنةً لـفيستا ليحرمها الولد. فولدت توأمين وقالت إنّ أباهما مارس، فسُجنت، وأُمر بالطفلين أن يُلقيا في نهر التِّيبِر. وكان النهر قد فاض عن مجراه، فترك الخدم السلّة في الماء الراكد عند شجرة تين سُمّيت بعدُ «الرُّومِينالِيّة»، وكانت تُسمّى قبل ذلك «الرُّومُولِيّة». فلمّا انحسر الماء نزلت ذئبة من التلال لتشرب، فسمعت بكاء الطفلين فأرضعتهما، ووجدها فاوْسْتُولُوس، راعي قطعان الملك، تلحسهما بلسانها، فحملهما إلى كوخه وأعطاهما امرأته لارِنْتِيا تربّيهما. ويزيد أُوفِيد أنّ نقّار الخشب، طائر مارس، كان يحمل إليهما الطعام. وشبّ الأخوان بين الرعاة يصيدان ويغيران على اللصوص ويقسمان الغنيمة، حتى عرفا نسبهما، فقتل رومولوس أموليوس وردّ الملك إلى جدّه.

ثم أراد الأخوان أن يبنيا مدينة في الموضع الذي أُلقيا فيه. ولأنّهما توأمان لم يكن لأحدهما فضل السنّ على الآخر، فاحتكما إلى الطير: وقف رومولوس على تلّ البالاتين، ووقف ريموس على الأفنتين، فرأى ريموس ستّة نسور أوّلاً، ثم رأى رومولوس اثني عشر، فحيّا كلّ فريق صاحبه ملكاً، فتشاجروا وقُتل ريموس. والرواية الأشهر عند ليفيوس أنّ ريموس قفز فوق السور الجديد يسخر من أخيه، فقتله رومولوس وقال: هكذا يهلك كلّ من يقفز فوق أسواري. ويروي أوفيد يوم التأسيس في عيد بالِس ربّة الرعاة، الحادي والعشرين من أبريل: حُفر خندق إلى الصخر، وأُلقيت فيه ثمار الأرض وتراب جيء به من الأرض المجاورة، ثم رُدم وأُقيم فوقه مذبح، وشقّ رومولوس بالمحراث خطّ السور، تجرّه بقرة بيضاء وثور أبيض. وأمر رجلاً اسمه كِيلِير أن يقتل من يعبر السور أو الخندق، فقفز ريموس، فضربه كيلير بالمجرفة فسقط مضرّجاً بدمه. فحبس رومولوس دمعه أمام الناس، ثم قبّل أخاه على النعش وقال: وداعاً يا أخي.

وكانت المدينة الجديدة قليلة الناس، ففتح رومولوس بين بستانين على التلّ ملجأً يأوي إليه كلّ هارب من الشعوب المجاورة، عبداً كان أو حرّاً، واختار مئة شيخ سمّاهم «الآباء». ثم لم يكن للمدينة نساء، وأبى الجيران أن يزوّجوا أهلها، فأقام رومولوس ألعاباً دعاهم إليها، ثم اختطف شبّانه بنات السابِينِيِّين. فقامت الحرب، حتى اندفعت النساء بين الصفّين وقلن لآبائهنّ وأزواجهنّ إنّ الموت خير لهنّ من أن يعشن أرامل أو يتيمات. فاصطلح الفريقان وجعلا الشعبين شعباً واحداً، يحكمه رومولوس وتِيتُوس تاتِيُوس ملك السابينيين معاً، وسُمّي أهله «الكْوِيرِيتِس» نسبةً إلى مدينة كُورِيس السابينيّة.

وحكم رومولوس سبعاً وثلاثين سنة، ثم كان يستعرض الجيش في ساحة مارس عند مستنقع العنزة، فهبّت عاصفة برعد شديد، ولفّته سحابة كثيفة حتى غاب عن العيون، ولم يُرَ على الأرض بعد ذلك. قال الشيوخ الذين كانوا إلى جانبه إنّ الريح رفعته إلى السماء، وهمس آخرون بأنّهم مزّقوه بأيديهم. ثم أقسم بْرُوكُولُوس يُولْيُوس أنّ رومولوس نزل إليه من السماء في الفجر، وأمره أن يبلّغ الرومان أنّ مدينته ستكون رأس الأرض، فسكن حزن الناس، وصار رومولوس يُعبد باسم كويرينوس. ليفيوس 1.15–16 و1.21، أوفيد، الأعياد 2.475–512.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ رومولوس يصنع شعباً ممّن لا شعب لهم: طفلان ألقاهما أهلهما فربّتهما ذئبة ورعاة، وهاربون من كلّ مدينة، ونساء أُخذن بالقوّة، ثم شعبان متحاربان يجمعهما الصلح. وكلّ ذلك يقوم على خطّ يُشقّ في الأرض: داخل السور مدينة لها قانون، ومن عبره بغير إذن قُتل ولو كان الأخ. ثم يُرفع الرجل الذي جمع هؤلاء من بينهم، فلا يبقى له جسد ولا ثوب، ويرجع إليهم معبوداً يحمل اسم شعبهم المجتمع.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع النهاية اللاتينية -us «ـُس» من Rōmulus «رُومُولُس» فيبقى «رُومُل»، وصوامته الراء والميم واللام، وهي حروف «رَمْل» على ترتيبها. وبها تقرؤه المقالة الرومانية في هذا المشروع، وتجعل رومولوس «ابن الأرض»، والرمل في معجم لين «ضرب من التراب معروف». وتضع المقالة إلى جانبه «رَمَسَ»، وهو في المعجم دفنُ الميت، وإهالةُ التراب على الشيء حتى يستوي بالأرض، يقال: رمسناه بالتُّرب، أي ملأناه تراباً. والقراءتان تلتقيان في ما يفعله رومولوس يوم التأسيس: يحفر الحفرة، ويلقي فيها كلّ رجل من أصحابه حفنة من تراب أرضه، ثم تُردم، ثم يشقّ بالمحراث الأرض التي يقوم عليها السور، ثم يدفن أخاه الذي قُتل عند ذلك السور. وليفيوس نفسه يقول إنّ مؤسّسي المدن كانوا يجمعون الغرباء والضعفاء ثم يزعمون أنّ الأرض أنبتتهم لهم أبناءً.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Rōmulus رُومُولُس الاسم في الرفع، بضمّة طويلة بعد الراء
Ῥωμύλος / Rhōmýlos رُومُولُوس الاسم عند المؤرّخين الإغريق
Rōma رُوما اسم المدينة
Ῥῶμος / Rhōmos رُومُوس اسم ريموس عند بلوتارخ، «رُوموس أو ريموس»
ficus Rūminālis / Rōmulāris فِيكُس رُومِينالِس / رُومُولارِس شجرة التين التي أرضعتهما الذئبة تحتها
ruma رُوما الثدي في لغة الرومان القدماء كما يقول بلوتارخ

يقول ليفيوس إنّ المدينة سُمّيت باسم مؤسّسها، ويقول بلوتارخ إنّ الأخوين سُمّيا رومولوس ورُوموس من ruma «رُوما»، أي الثدي، لأنّهما رُئيا يرضعان الذئبة، وإنّ شجرة التين سُمّيت «الرومينالية» من الكلمة نفسها أو من اسم رومولوس. وفي اللاتينية لاحقة -ulus «ـولُس» للتصغير، فإن كانت اللام منها بقي من الاسم «رُوم»، وكان رومولوس «صاحب روما» أو «الروميّ الصغير»، وكانت اللام حرف صيغة لا حرف جذر. وهذا الحدّ الوحيد لقراءة «رَمْل».

وعلى هذا الوجه تبقى قراءة المقالة قائمة في نواة الجذر: الراء والميم مشتركتان بين «رَمْل» و«رَمَسَ»، والمادّتان كلتاهما في التراب. والضمّة الطويلة في Rōm- «رُوم» حركة لا تغيّر الصامتين. ومن مادّة ر-م-ل في معجم لين أيضاً «رمّله بالدم» أي لطّخه به، و«رُمِّل فلان بالدم»، وهي قراءة مقترحة على المنهج تلقى الأخ الذي سقط مضرّجاً بدمه عند السور كما يصفه أوفيد.

وفي المقالة قراءات أخرى. منها «رَمّال»، أي الذي يقرأ في الرمل، وعلم الرمل عند لين من علوم العرافة، ورومولوس نال الملك بقراءة الطير في السماء لا بخطوط الرمل. ومنها «رَمَّ» مع «إيل»، أي الذي يجمع بإذن الإله، والقصّة تجمع الغرباء في الملجأ، لكنّ «رمّ» في المعجم إصلاح البناء بعد أن يفسد بعضه، ولا أثر في الاسم لـ«إيل». وتقرأ المقالة اسم المدينة «رُمّة» أو «الرُّوم»، والروم اسم أطلقته العربية على أهل الإمبراطورية في زمن متأخّر، كما تقول المقالة نفسها.

السرديات الأسطورية الرئيسة

حلم أمّه

يروي أوفيد أنّ رِيا سلفيا خرجت في الصباح تحمل جرّتها لتأتي بالماء الذي تُغسل به المقدّسات، فجلست على ضفّة النهر ونامت، فرآها مارس فأخذها. فلمّا استيقظت حكت أنّها رأت في نومها نخلتين تنبتان من عصابة شعرها التي سقطت أمام الموقد، إحداهما أطول من الأخرى تظلّل الأرض كلّها، فرفع عمّها الفأس عليهما، فدافع عنهما نقّار الخشب والذئبة حتى سلمتا.

موت ريموس عند ديونيسيوس

يروي دِيُونِيسِيُوس الهاليكارناسي أنّ الخلاف على الطير صار معركة قُتل فيها كثيرون، وأنّ فاوستولوس ألقى بنفسه أعزل بين الفريقين ليوقف القتال فقُتل، وقُتل ريموس، فدفنه رومولوس في الموضع الذي أراد ريموس أن يبني فيه مدينته، ثم يئس من الحياة حزناً، حتى واسته لارنتيا التي ربّتهما فقام وبنى المدينة على البالاتين. ويذكر بعد ذلك رواية كيلير الذي ضرب ريموس بالمِعول على رأسه.

لارنتيا والإخوة الأرفاليون

يذكر جِلْيُوس روايتين عن أكّا لارنتيا. في الأولى كانت امرأة جمعت مالاً كثيراً وأوصت به لرومولوس، فصار كاهن كويرينوس يقدّم لها قرباناً عامّاً، وجُعل لها يوم في التقويم. وفي الثانية كانت مرضعة رومولوس، ولها اثنا عشر ابناً مات أحدهم، فجعل رومولوس نفسه ابناً لها مكانه، وسمّى نفسه وإخوته «الإخوة الأرفاليين»، ومنهم جماعة كهنة الحقول الاثني عشر.

الغنائم الأولى وجوبيتر

قتل رومولوس ملك كايِنِينا بيده، وحمل سلاحه إلى الكابيتول، ورسم هناك حدود أوّل معبد في روما، لـجوبيتر فيرِيتْرِيُوس. ثم نذر لجوبيتر معبداً حين انهزم قومه أمام السابينيين، فثبتوا.

موته في رواية أخرى

يقول بلوتارخ إنّ رومولوس غاب في يوم نُوناي يوليو، ولم يبقَ من جسده ولا ثوبه شيء، وإنّ بعضهم ظنّ أنّ الشيوخ قتلوه في معبد فولكان، وقطّعوا جسده، وحمل كلّ واحد منهم قطعة في طيّات ثوبه.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الرومانية الأخرى في هذا المشروع قصّة التأسيس تاريخاً للمدينة مكتوباً بالرموز. فأبوّة مارس أنّ روما وُلدت من القوّة المسلّحة، وريا سلفيا «النهر والغابة»، أي ضفاف التيبر المشجّرة، وإلقاء الطفلين في النهر فيضاناتُ التيبر التي كانت تهدّد المستوطنات. والذئبة عندها إمّا طوطم القبيلة، وإمّا البرّية التي احتضنت المؤسّسين، وإمّا امرأة من الهامش، لأنّ lupa «لُوپا» في اللاتينية تقال للذئبة وللبغيّ. وهذا الوجه الأخير يذكره ليفيوس نفسه: بعضهم قال إنّ الرعاة سمّوا لارنتيا «الذئبة» لأنّها كانت تبذل نفسها. وقتل ريموس عند المقالة القانون الأوّل في روما: لا سلطتين في مدينة واحدة، وخطّ المحراث هو الحدّ المقدّس الذي يُقتل من يعبره بغير إذن.

وتقرأ المقالة السامية التوأمين «الأرض والرحمة»، وتقرأ الذئبة لبؤة عشتروت المرضعة، وقتل رومولوس أخاه قصّة قابيل وهابيل التي يبني فيها القاتل المدينة. ويُظهر النصّ نفسه شيئاً من هذا: المدينة تقوم على تراب حمله كلّ رجل من أرض أخرى، وعلى غرباء آواهم الملجأ، ثم يصير هذا الخليط شعباً واحداً حين يصطلح الأصهار.

التوازيات عبر الحضارات

في سفر التكوين يقتل قايين أخاه هابيل في الحقل، ثم يبني مدينة ويسمّيها باسم ابنه حَنُوك. وهذه هي المقارنة التي تعقدها المقالة السامية. تتّفق القصّتان في أنّ أوّل مدينة يبنيها قاتل أخيه، وتفترقان في أنّ قايين يُلعن ويهيم في الأرض، ورومولوس يملك ويُرفع إلى السماء.

وتقارن المقالة السامية رومولوس بـجلجامش ملكاً مؤسّساً: يبقى من جلجامش سور أوروك الذي بناه الناس معه، ويبقى من رومولوس سور قُتل أخوه حين قفز فوقه. ويشبه باريس الطروادي رومولوس في طفولته: أُلقي رضيعاً على جبل إيدا، فأرضعته دبّة خمسة أيام، ثم ربّاه الراعي أَغِيلاوُس، وسُمّي «ألكسندروس» لأنّه ردّ اللصوص عن القطعان، ثم عرفه أهله.

وغياب رومولوس في العاصفة يشبه نهاية هيراكليس، إذ مرّت تحته سحابة وهو على المحرقة، فرفعته إلى السماء مع قصف الرعد. ومثل ملقرت الذي رآه أهل صور مؤسّس مدينتهم وملكها الذي يموت ويُكرَّم، صار رومولوس بعد غيابه معبود المدينة التي أسّسها.

وجمعه الناس في مدينة واحدة بقانون، كما يقول ليفيوس، يضعه بين الأبطال الحضاريين الذين أعطوا الناس نظاماً يعيشون به، وغيابه ثم ظهوره لبروكولوس يقرّبه من الموت والعودة، وإن كان لم يرجع إلى الأحياء إلّا رسولاً لمرّة واحدة.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. ليفيوس، تاريخ روما 1.3–21؛ أوفيد، الأعياد 2 و3 و4.

  2. بلوتارخ، رومولوس؛ ديونيسيوس، الآثار الرومانية 1.87؛ جليوس، الليالي الأتيكية 7.7.

  3. أبولّودوروس، المكتبة 2 و3؛ التكوين 4.

  4. معجم لين، رمل ورمس ورمم؛ لويس وشورت، رومولوس.