ملخص
أديتي في «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا» أمّ الأديتيا، جماعة المعبودات التي يرأسها فارونا ومعه مِتْرا. واسمها في السنسكريتية معناه الحرّة من القيد، التي لا حدّ لها. ويقول ماكدونل إنّ أظهر صفاتها أنّها تخلّص من قيود الألم ومن قيود الذنب، وإنّها في الأساطير أصغر من بعض أبنائها، لأنّ ميترا أقدم من أن يكون ابن إلهة نشأت في الهند.
وقصّتها في النشيد 10.72، وهو نشيد في مولد الآلهة. صنعهم براهمنسپتي كما يصنع الحدّاد، بالنفخ والصهر، وخرج الوجود من العدم في أوّل عصور الآلهة. ومن القوّة المنبسطة خرجت الأرض، ومن الأرض الجهات. ووُلد دَكْشَ من أديتي، ووُلدت أديتي من دكش، ثم وُلد بعدها الآلهة الذين لا يموتون. ووقف الآلهة في الماء متماسكين، فارتفع الغبار من أقدامهم كما يرتفع من أقدام الراقصين، وأخرجوا الشمس التي كانت مخبوءة في البحر. ثم يقول النشيد: لأديتي ثمانية أبناء خرجوا من جسدها، فذهبت بسبعة إلى الآلهة، ورمت الثامن مارتاندا. ثم جاءت به ليولد ويموت مرّة بعد مرّة.
ويوسّع النشيد 1.89 اسمها حتى يشمل كلّ شيء: أديتي السماء، وأديتي الجوّ، وأديتي الأمّ والأب والابن، وأديتي الآلهة كلّها، والشعوب الخمسة، وما وُلد وما سيولد. ويسأل المنشد في النشيد 1.24: من يردّنا إلى أديتي العظيمة فأرى أبي وأمّي؟ فيجيب: أجني. ثم يطلب من فارونا أن يحلّ القيود التي فوقه وتحته وبينهما، «فنكون بلا ذنب عند أديتي».
والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ أمّ حرّاس النظام هي التي لا قيد لها. فارونا يربط المذنب بحبله ويحلّه، وميترا يحرس العهد بين الناس، وأمّهما اسمها الحرّية من القيد. فالرجوع إليها هو الخلاص: أن يُحلّ القيد ويرجع الإنسان إلى أبيه وأمّه بلا ذنب. ولغز النشيد، أنّ أديتي ولدت دكش ودكش ولد أديتي، يجعل الأمّ التي لا حدّ لها والقدرة المحكمة يلد كلّ منهما الآخر. ودكش في السنسكريتية القدرة والمهارة، وهو واحد من أبنائها الأديتيا.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يقرأ المقال الهندي अदिति / Aditi «أَدِتِي» من «عدا يعدو»، أي تجاوز الحدّ، فأديتي «عَدَتْ»، التي تجاوزت كلّ حدّ. والعين تسقط في أوّل الاسم كما تسقط حروف الحلق، فتبقى حركتها، والدال دال، والتاء الأخيرة تاء الفعل المؤنّث «عدَتْ». وفي معجم لين: «عداه» جاوزه وتعدّاه، و«عدا طوره» جاوز حدّه. ويذكر المقال نفسه التحليل السنسكريتي: الألف الأولى أداة نفي، وما بعدها الحدّ والقيد، فهي «اللامحدودة». فالعربية والسنسكريتية تقولان شيئاً واحداً: التي تتجاوز كلّ حدّ، وهذا ما يجعلها النشيد: السماء والجوّ والأمّ والأب والابن وكلّ ما وُلد وما سيولد.
الجذر اللغوي
أديتي و«عدا»
| الصيغة | النطق | ما تسمّيه |
|---|---|---|
| अदिति aditi | أَدِتِي | غير المقيّدة، الحرّة؛ الحرّية والأمان؛ اللامحدودة، الإلهة الأمّ |
| āditya | آدِتْيَ | «ابن أديتي»، وجمعه الأديتيا |
| diti | دِتِي | إلهة تُذكر ثلاث مرّات في «الريغفيدا»، نشأت ضدّاً لأديتي |
| mārtāṇḍa | مَارْتَانْدَ | «الخارج من بيضة ميّتة»، ابن أديتي الثامن |
يضع مونير وليامز الاسم تحت الفعل الذي معناه ربط وقيّد، مع أداة النفي في أوّله، فيكون معناه غير المربوط، الحرّ، ثم الحرّية والأمان واللاتناهي والوفرة التي لا تنفد، ثم اسم الإلهة. ويترجمه ماكدونل «الخلاص، الحرّية، أي حلّ القيد». وفي معجم لين: عداه جاوزه، وتعدّاه، و«عدا طوره» جاوز حدّه، و«تعدّى الحقّ» جاوزه. فالمادّة العربية في مجاوزة الحدّ، والكلمة السنسكريتية في نفي القيد، والمعنيان يلتقيان في التي لا يحدّها شيء.
والمقابلة في الصوت: العين تسقط في أوّل الكلمة، وتلك أثبت قوانين جذور، تسقط العين في نحو تسعة من كلّ عشرة مواضع. والدال دال. أمّا الياء والتاء بعدها ففيهما الخلاف: هما في السنسكريتية جزء من كلمة «القيد» نفسها، وهما في قراءة المقال حركة الفعل وتاء التأنيث.
قراءات أخرى في المقال
يضع المقال الهندي قراءتين أخريين. الأولى «آدم» و«ديتي» معاً، أي الأمّ الإنسانية الأولى، وهي تقسم الاسم قسمين وتجعل الميم ساقطة. والثانية «أبديّ»، أي الدائمة، وهي توافق المعنى وتحتاج إلى باء لا أثر لها في الاسم. ويذكر المقال العبرية עַד «عَد»، ومعناها الدوام و«إلى الأبد». ويشرحها معجم براون ودرايفر وبريغز بأنّها الزمن الذي يمضي، ويردّها إلى עָדָה «عَادَا»، أي مضى وتقدّم، ويقارن هذا الفعل بـ«عدا» العربية بمعنى جاز ومرّ. فالعبرية شاهد من فرع آخر على المادّة نفسها: ما يجاوز الحدّ في المكان يصير في الزمان الدوام الذي لا ينتهي.
السرديات الأسطورية الرئيسة
مارتاندا والفيل
يشرح «شتپث براهمن» نشيد الأبناء الثمانية. كان لأديتي ثمانية أبناء، والذين يُسمّون الآلهة أبناء أديتي سبعة، لأنّ الثامن مارتاندا ولدته غير مصوّر، كتلة من لحم عرضها كطولها. فقال إخوته: لا ينبغي أن يضيع ما وُلد بعدنا، فلنصوّره. فصوّروه على صورة الإنسان، وصار ما قطعوه منه ورموه فيلاً. والذي صوّروه هو ڤيڤَسْڤَت، الأديتيا، أي الشمس، ومنه هذه المخلوقات. فالابن المرميّ هو الشمس، وهو أبو البشر في هذه الرواية.
الأديتيا
يسمّي النشيد 2.27 ستّة من الأديتيا: ميترا، وأريامن، وبهگ، وفارونا، ودكش، وأمش، ويصفهم بأنّهم صافون كمجاري الماء، بلا خداع ولا كذب، كثيرو العيون، يرون الخير والشرّ قريباً وبعيداً. ويرجّح ماكدونل أنّ السابع سوريا، والثامن مارتاندا. وفي كتب البراهمانا صار عددهم اثني عشر، على عدد شهور السنة، يمثّل كلّ واحد منهم الشمس في شهر.
وجه أديتي
يسمّي النشيد 1.113 أوشا، الفجر، «أمّ الآلهة، وجه أديتي»، ويطلب في آخره ما يعطيه ميترا وفارونا وأديتي والسند والأرض والسماء.
القراءة الرمزية
يجعل المقال الهندي أديتي «الأمّ الكونية»، والمطلق الكوني، ويقارنها بالأمّهات الأوائل في الشرق: أشيرة أمّ الآلهة في كنعان، وتيامات الأمّ الأولى في بابل، ونوت السماء أمّ الآلهة في مصر.
وفي الأناشيد نفسها صورة يعرفها كلّ بيت: المنشد يطلب أن يُردّ إلى أديتي ليرى أباه وأمّه، ويطلب أن يُحلّ قيده ليكون بلا ذنب عندها. فالأمّ التي لا حدّ لها هي البيت الذي يُرجع إليه بعد الذنب، وأبناؤها الأديتيا هم الذين يرون الذنب ويقيّدون صاحبه ثم يحلّونه.
التوازيات عبر الحضارات
أشيرة في ألواح أوغاريت أمّ جماعة من الآلهة تُنسب إليها، يسمّيها النصّ «أبناء أثيرة السبعين»، وأديتي أمّ جماعة تُنسب إليها، الأديتيا السبعة أو الثمانية. وكلتاهما تحمي أبناءها: تخاف أثيرة على أبنائها حين ترى بعلاً وعناة مقبلين، وتذهب أديتي بأبنائها السبعة إلى الآلهة وتردّ إليهم الثامن. وابنها ميترا هو ميثرا الإيراني، حارس العهد في الأفستا.
وفي النشيد 10.72 يقف الآلهة الذين ولدتهم في الماء ويخرجون منه الشمس المخبوءة في البحر، كما في الماء الأوّل. وفي مصر تلد نوت الشمس كلّ صباح، وفي الهند ترمي أديتي ابنها الشمس ثم تأتي به «ليولد ويموت مرّة بعد مرّة». وأمّ الآلهة في بابل تيامات تحارب بعض أبنائها، أمّا أديتي فتحمل أبناءها إلى الآلهة.