ملخص
الدُّوات في دين مصر القديمة العالم الذي تمضي إليه الشمس بعد غروبها ويسكنه الموتى، وتكتبه المصرية dwꜣ.t «دُوَات». تذكره نصوص الأهرام في الدولة القديمة، ويُخاطَب أوزيريس في هرم أوناس «يا من في الدوات». وتجعله هذه النصوص أحياناً في السماء، يسكن أهله فيه نجوماً في سماء الليل، وأحياناً تحت الأرض، ولم يرَ المصريون في ذلك تناقضاً، فهما عندهم وصفان لشيء واحد.
وأتمّ ما يُروى عنه رحلة رع في الليل كما يرسمها كتاب «الأمدوات»، واسمه في المصرية jmj.t-dwꜣ.t «إِيمِيت دُوَات»، أي ما في الدوات. وأقدم نسخة منه في قبر تحوتمس الأول، ثم في قبور وادي الملوك. يدخل رع عند الغروب برأس كبش، وهي صورة «البا»، أي الروح التي تتحرّك، ويركب مركبه على نهر يجري في وسط الأرض كما يجري النيل في مصر، وعلى ضفّتيه أهل الدوات، يسمّيهم الكتاب ويذكر مقاييس المكان وأصواته المخيفة. والليل اثنتا عشرة ساعة. وفي بعضها يبلغ المركب أرض سُكَر الرملية فيُجرّ على الرمل جرّاً، وفي الساعة السادسة، أعمق موضع في الدوات، يتّحد رع بجسد أوزيريس كما تتّحد الروح بالجسد. وفي الساعة السابعة يعترضه أبوفيس يريد أن يجنح المركب على ضفّة رملية، فيُغلب. وفي الساعة الحادية عشرة ينتظر أوزيريس رعاً المتعب، ويُلقى أعداء رع في ستّ حفر من نار. وفي الثانية عشرة، «كهف نهاية الظلام الأوّل»، يخرج رع في صورة الجعل خبري شمساً للصباح، فيرفعه شو فوق الأفق، وتلد نوت الطفل الشمس. ويقول الكتاب إنّ من عرف هذه الصور الخفيّة صار «آخاً» مجهّزاً، أي روحاً منيرة تدخل الدوات وتخرج منه.
ويقسم «كتاب البوّابات» الليل نفسه بأبواب: بين كلّ ساعة والتي تليها باب تحرسه حيّات وحارس، ولا يمرّ المركب إلّا بكلمة السرّ. وفي الساعة الخامسة يجلس أوزيريس قاضياً للموتى على منصّة من تسع درجات، ويوزن القلب مقابل ريشة نعامة، ويُعاقب من لم يعبد رعاً في بحيرة النار وفي برك تغلي. وفي الساعة العاشرة يُقيَّد أبوفيس بالحبال والسلاسل وتمسك السلسلة يد عظيمة، وفي الثانية عشرة يرفع نون مركب الشمس من الماء، وتمسك إيزيس ونفتيس الجعل. والنسخة التامّة منه على تابوت سيتي الأول، نحو 1279 ق.م.
وفي الدوات القاعة التي يُحاسَب فيها الموتى، wsḫ.t-n.t-mꜣꜥ.tj «وِسْخِت نِت مَاعَتِي»، قاعة الماعتين، يدخلها الميّت في الفصل 125 من «كتاب الموتى» بعد أن يسمّي كلّ جزء من بابها، فيُوزن قلبه مقابل ريشة ماعت، وتنتظر عَمِّيت بجانب الميزان، ثم يُبلَّغ عنه أوزيريس، «الذي سقفه نار، وجدرانه حيّات حيّة، وأرض بيته في الفيضان». وخبر المحاكمة في حساب الموتى. المعجم المصري، قاعة الماعتين، ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، ص 131.
والفكرة التي تدور عليها أخبار الدوات أنّ الليل طريق له ساعات وأبواب وأسماء، تسلكه الشمس ويسلكه الموتى معها، ومن عرف أسماءه عبره. والتجدّد يقع في أعمق موضع منه: في الساعة السادسة تلتقي الشمس بجسد أوزيريس، ومن الساعة الأخيرة يخرج الصباح. ولذلك نقش الملوك هذه الكتب على جدران قبورهم، وكتب الناس بعدهم على توابيتهم وبردياتهم الساعات الأخيرة وحدها، ساعات الولادة الجديدة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية dwꜣ.t «دُوَات»: دال، ثم واو، ثم صامت مصري يُرمز له ꜣ، ثم تاء التأنيث، وهي التاء العربية المربوطة. وتقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «دوا»، وتجعل معناه الضياع والظلام. وفي معجم لين: الدَّوّ والدَّوِّيَّة الفلاة التي لا ماء فيها، والأرض الواسعة المستوية البعيدة الأطراف، قيل سُمّيت دوّيّة لدويّ الصوت فيها، وقيل لأنّها تذهب بمن صار فيها، وكان الدوّ أرضاً في طريق البصرة إلى مكّة تُقطع بالنجوم ويُخاف فيها الضلال. والدَّوِيّ الصوت المتّصل كصوت الريح والنحل والرعد البعيد. فالدوات على هذه القراءة «الدَّوِّيَّة»: أرض بعيدة الأطراف تُقطع في الليل بالنجوم، فيها رمل يُجرّ عليه المركب وأصوات مخيفة، وتذهب بمن دخلها إلّا من عرف طريقها، وهو ما يرسمه «الأمدوات».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
dwꜣ.t |
دُوَات | المصرية | الدوات، العالم السفلي، المقبرة، الكهف، الهاوية |
Dwꜣ.t |
دُوَات | المصرية | الدوات مشخّصة معبودةً |
jm.j-dwꜣ.t |
إِيمِي دُوَات | المصرية | الذي في الدوات، لقب أوزيريس |
jmj.t-dwꜣ.t |
إِيمِيت دُوَات | المصرية | ما في الدوات، اسم كتاب الأمدوات |
dwꜣ |
دُوَا | المصرية | قام مبكّراً؛ سبّح |
dwꜣ.w |
دُوَاو | المصرية | الصباح الباكر |
| الدَّوّ، الدَّوِّيَّة | العربية | الفلاة الواسعة البعيدة الأطراف | |
| الدَّوِيّ | العربية | الصوت المتّصل، كصوت الريح والرعد البعيد |
يسجّل المعجم المصري للكلمة معاني العالم السفلي والمقبرة وحجرة الدفن والكهف والهاوية. وفي القراءة العربية الدال دال، والواو واو، والتاء تاء التأنيث كما في «الدوّيّة». أمّا العلامة المصرية ꜣ فتقف حيث تقف الواو الثانية أو الياء في «دوّ» و«دوّيّة»، وهي موضع البحث الباقي في هذه القراءة.
ويضع المعجم المصري الدوات المشخّصة في جذر واحد مع sdwꜣ «سِدْوَا»، أي قضى الصباح أو بكّر، ومع dwꜣ «دُوَا»، قام مبكّراً وسبّح، ومع dwꜣ.w «دُوَاو»، الصباح الباكر. فالدوات عند المصريين من جذر الفجر: الجهة التي يُصنع فيها الصباح، وهو ما يجري في الساعة الثانية عشرة. وهذا المعنى لا يعطيه «الدوّ» العربي، ويلتقيان في الصورة: الطريق الليلي الذي يُقطع بالنجوم حتى يطلع الفجر.
وفي المقالة قراءة ثانية: «دات» بمعنى سفل وتحت. ولا يسجّل معجم لين «دات» بهذا المعنى، ومعنى السفل في العربية لـ«تحت». وتقابل المقالة الدوات بـ«شَأُول» العبرية، أي دار الموتى، وهي مقارنة في المعنى لا في اللفظ.
السرديات الأسطورية الرئيسة
دوات النجوم في نصوص الأهرام
تؤكّد نصوص الأهرام أنّ الآخرة في السماء، وتحثّ الميّت على الصعود إليها بسلّم أو زوبعة أو في صورة طائر أو جرادة، وتجعل أهل الدوات نجوماً. ويُخاطَب أوزيريس في هرم أوناس، في الكلام 262، «يا من في الدوات، لا تجهل أوناس، فأنت تعرفه وهو يعرفك».
خرائط على التوابيت
ومن الدولة الوسطى صارت معرفة الدوات لغير الملوك في «نصوص التوابيت» ثم في «كتاب الموتى»، ورسم بعض أصحاب التوابيت على ألواح قيعانها خرائط تامّة للعالم السفلي.
الدوات أمّاً
وفي النصوص اللاحقة تصير الدوات نفسها معبودة، أمّاً تعيد الموتى الذين أُحيوا إلى الوجود.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة المصرية في هذا المشروع رحلة رع وصفاً للسماء: دخوله العالم السفلي هو الغروب، حين تغوص الشمس تحت الأفق، وأبوفيس هو الظلام الذي يحاول أن يبتلع الشمس كلّ ليلة، وخروجه من الشرق هو الشروق. وتقرأ الساعات الاثنتي عشرة في الدوات ساعات الليل الاثنتي عشرة، وتعدّها أوّل ساعة ليلية في التاريخ. وتقرأ قولهم إنّ رعاً يمرّ بأجساد الموتى فيحييهم علماً بأنّ الشمس تمرّ تحت الأرض حيث يُدفن الموتى.
والكتب نفسها تسند هذه القراءة. فالشمس في «الأمدوات» تدخل من الغرب وتخرج من الشرق، والليل مقسوم ساعات معدودة، والجعل في الساعة الأخيرة هو شمس الصباح. والمكان الذي ترسمه الكتب مصر نفسها منقولة تحت الأرض: نهر يجري في الوسط كالنيل، وعلى ضفّتيه أهله، وأرض رملية في طرفه كالصحراء التي تبدأ عند آخر الحقل، والمركب يُجرّ على الرمل. ومشهد الحكم وساعات الولادة هما ما اختاره الناس العاديّون من هذه الكتب لتوابيتهم، فما أرادوه من الدوات أن يُبرّؤوا وأن يخرجوا مع الشمس.
التوازيات عبر الحضارات
دخول رع الدوات كلّ مساء هو أكثر قصص النزول إلى العالم السفلي تكراراً: ينزل كلّ ليلة ويخرج كلّ صباح. وقتاله أبوفيس في الساعة السابعة واحد من شواهد الصراع مع الفوضى، ورفع نون مركبه من الماء في آخر الليل يعيد صورة الخلق من الماء الأوّل. وقاعة الماعتين فيه هي موضع حساب الموتى.
وفي أوغاريت تذهب الشمس شبش إلى جهة الموتى كلّ مساء وتعود كلّ صباح، فهي وحدها تعرف الطريق في الاتجاهين.
وفي بلاد الرافدين يرجع أوتو عند الغروب إلى مسكنه تحت الأرض، وتدخل أرواح الموتى العالم السفلي من ممرّ في الأفق، وهو في بعض الروايات باب مسكنه نفسه.
وفي إيران تعبر الروح جسر تشِنْڤات إلى دار الآخرة، ويُحاكَم الموتى عند رأسه كما يُحاكَمون في قاعة الماعتين، غير أنّ الجسر طريق يمضي فيه الميّت وحده، ولا تسلكه الشمس.