ملخص
مَشْيَه ومَشْيانه أوّل رجل وأوّل امرأة في أساطير الفرس، وعنهما تفرّعت أجناس الناس كلّها. يروي «البُنْدَهِشْن» أنّ كيومرث، الإنسان الأوّل، ألقى نطفته وهو يموت، فطهّرها نور الشمس، وتلقّت الأرض جزءاً منها، فبقيت فيها أربعين سنة، ثم نبتت منها نبتة ريباس، وهو الراوند، بساق واحدة. وبعد خمس عشرة سنة، بعدد أوراقها الخمس عشرة، خرج منها مشيه ومشيانه، ذراعا كلّ واحد منهما على كتفيه من خلف، ملتصقين متشابهين، قد اتّصل وسطاهما حتى لم يتبيّن أيّهما الذكر وأيّهما الأنثى. ثم تحوّلا من صورة النبات إلى صورة الإنسان، ودخل فيهما النفَس، وهو الروح.
فقال لهما أورمزد: أنتما إنسان، أنتما أصل العالم، خلقتكما كاملين في الإخلاص، فاعملا بالشريعة، وفكّرا فكراً حسناً، وقولا قولاً حسناً، واعملا عملاً حسناً، ولا تعبدا الشياطين. فكان أوّل ما فكّرا فيه أن يُرضي كلّ منهما الآخر، وأوّل ما عملا أن خرجا فاغتسلا، وأوّل ما قالا إنّ أورمزد خلق الماء والأرض والنبات والحيوان والنجوم والقمر والشمس. ثم دخل العداء قلبيهما ففسدا، وقالا إنّ الروح الشرّير هو الذي خلق ذلك كلّه، فكانت هذه أوّل كذبة، وبها صارا من الأشرار. ومكثا ثلاثين يوماً بلا طعام، يلبسان العشب، ثم خرجا إلى البرّية فوجدا عنزة بيضاء الشعر، فرضعا لبنها بأفواههما، فقال مشيه: كانت لذّتي قبل أن أشرب اللبن، وهي الآن أعظم بعد أن شربه جسدي الخسيس. فكانت هذه الكذبة الثانية، فأخذ الشياطين طعم الطعام حتى لم يبق منه إلّا جزء من مئة.
وبعد ثلاثين يوماً أخرى وجدا شاة سمينة فذبحاها، واستخرجا النار من خشب السِّدْر والبَقْس بإرشاد الملائكة، ونفخا فيها بأفواههما، وأوقداها بالعشب اليابس وسعف النخل والآس، وشويا الشاة. فألقيا في النار ثلاث حفنات من اللحم وقالا: هذا نصيب النار، ورميا قطعة إلى السماء وقالا: هذا نصيب الملائكة، فجاء نسر فأخذ منها، وأكل كلب أوّل اللحم. ولبسا الجلود، ثم نسجا الثياب، وحفرا في الأرض حفرة فاستخرجا الحديد، وطرقاه بحجر حتى صار له حدّ، فقطعا به الخشب وبنيا ظلّة تقيهما الشمس. ثم اشتدّ عليهما الشياطين فتضاربا ونتفا شعرهما، ولم يشتهيا الولد خمسين سنة، ثم اشتهيا، فقالت مشيانه: يا أخي مشيه. فوُلد لهما بعد تسعة أشهر توأمان، ذكر وأنثى، فأكلت الأمّ واحداً والأب واحداً من شدّة لذّة الولد، فنزع أورمزد منهما تلك اللذّة حتى يُربّى الولد ويبقى. ثم وُلد لهما سبعة أزواج، كلّ زوج أخ وأخته زوجته، ومنهم سِيامَك ونَسَك، ومن نسلهما تفرّعت أجناس الناس.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الإنسان يبدأ واحداً ثم يصير اثنين، ويبدأ نباتاً ثم يصير إنساناً بالكلام والطعام والعمل. خرجا من ساق واحدة لا يُعرف فيها الذكر من الأنثى، ثم صار كلّ واحد منهما يريد أن يُرضي الآخر. وكانت أوّل كلمة قالاها صدقاً والثانية كذباً، وأوّل طعام لبناً بلا نار ثم لحماً على النار، وأوّل لباس عشباً ثم جلداً ثم نسيجاً. فكلّ ما عند الناس من نار وثياب وحديد وقربان يبدأ عندهما، وكذلك الكذب ونقص الطعم في الطعام.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج. mašya «مَشْيَ» في الأفستية الإنسان الفاني، ويضعه بارتولومه تحت martiya «مَرْتِيَ» الفارسية القديمة بمعنى الإنسان والرجل، والشين في الأفستية في موضع الراء والتاء. فالاسم «الإنسان»، من فعل mar- «مَر» الذي قرئ في اسم كيومرث، وحرفا جذره الميم والراء، حرفا «المَرْء» العربي: الرجل والإنسان. ومشيانه الكلمة نفسها بلاحقة التأنيث، كما أنّ «امرأة» في العربية «امرؤ» بتاء التأنيث. فالزوجان الأوّلان على هذه القراءة «امرؤ وامرأة»: رجل وامرأة سُمّيا من كلمة واحدة، كما خرجا من ساق واحدة، وكما يقول آدم في سفر التكوين: «هذه تُدعى امرأة لأنّها من امرئ أُخذت».
الجذر اللغوي
صيغ الاسمين
| الصيغة | اللغة أو النصّ | المصدر |
|---|---|---|
| مَشْيَه، مَشْيانه | ترجمة وِسْت للبندهشن | البندهشن 15 |
| مَتْرُو، مَتْرُويَاو | قراءة البازند في الموضع نفسه | البندهشن 15.2 |
| مَشِيَا، مَشِيانَگ | الفارسية الوسطى | الموسوعة الإيرانية |
| مَشْيا، مَشْيُوي | ترجمة وارنر | حاشية الشاهنامه |
يجعل بارتولومه mašya «مَشْيَ» الأفستية والكلمة الفارسية القديمة martiya «مَرْتِيَ» كلمة واحدة، معناها الفاني والإنسان والرجل، ويردّها إلى فعل mar- «مَر»، مات، ويذكر الصيغة mašyāka «مَشْياكَ» للإنسان أيضاً. فالشين في الأفستية في موضع الراء والتاء من martiya «مَرْتِيَ»، والراء في داخلها.
المرء والمرأة
في معجم لين: المَرْء الإنسان، أو الرجل دون الصبيّ والمرأة، ويقال امرؤ، والمؤنّث المرأة والمَرْأة والمَرَة، وقد تأتي «امرأة» بمعنى المرأة الكاملة. فالقراءة تأخذ من الاسمين الميم والراء، والراء مختفية في شين الأفستية، وتترك التاء من martiya «مَرْتِيَ» وهي علامة اسم المفعول، ولاحقتي ـya «ـيَ» وـāna «ـانَ»، وهمزة «مرء». وتؤنّث الفارسية الوسطى الاسم بلاحقة كما تؤنّثه العربية بالتاء. ويبقى الفرق الذي في اسم كيومرث: الفعل الإيراني معناه مات، والمرء في العربية لا يدلّ على الموت.
الرجل والمرأة في التكوين
وفي العبرية تُسمّى المرأة من اسم الرجل في قصّة آدم: «هذه تُدعى إشّاه لأنّها من إيش أُخذت». فالقصّتان تسمّيان المرأة الأولى من اسم الرجل الأوّل، وتجعلانهما من جسد واحد: حوّاء من ضلع آدم، ومشيه ومشيانه من ساق واحدة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الشجرة التي ثمرها الناس
ويقول البندهشن إنّه نبتت على صورتهما شجرة ثمرها أصناف الناس العشرة. ويقسم نسل فرواك بن سيامك خمسة عشر جنساً، عبر تسعة منها البحر على ظهر الثور سَرْسَؤُك إلى الأقاليم الستّة الأخرى، وبقي ستّة في الإقليم الأوسط. ومن هذه الستّة: تاز وتازَك، وذهبا إلى سهل التازيان، وهم العرب، وهوشنگ وگوزَك، ومنهما الإيرانيون، وزوج ثالث منه أهل مازندران. ومن نسل فرواك أيضاً أهل توران والروم والصين والهند.
في آخر الزمان
وفي القيامة تقوم عظام كيومرث أوّلاً، ثم عظام مشيه ومشيانه، ثم سائر الناس. ويقول البندهشن إنّهما لمّا نبتا من الأرض أكلا الماء أوّلاً، ثم النبات، ثم اللبن، ثم اللحم، وإنّ الناس في آخر الزمان يتركون الطعام بالترتيب المعاكس.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية جمشيد ذاكرة للثورة الزراعية الأولى: أوّل الحرف والمساكن وتقسيم العمل. والبندهشن يضع قبل جمشيد مرحلة أقدم في قصّة الزوجين الأوّلين، فيرتّب فيها ما تعلّمه الناس بالترتيب: أكل العشب ولبسه، ثم رضاع العنزة، ثم ذبح الشاة وإشعال النار، ثم الجلود والنسيج، ثم استخراج الحديد وبناء الظلّة. وفي كلّ خطوة يذكر النصّ من يأخذ نصيبه: النار، والملائكة، والنسر، والكلب.
ويجعل البندهشن الكذبة الأولى في الكلام عن الخالق: قالا أوّلاً إنّ أورمزد خلق كلّ شيء، ثم نسبا الخلق إلى أهريمن. فالخطيئة الأولى عند الزوجين الأوّلين في فارس قولٌ كاذب، وفي سفر التكوين أكلٌ من الشجرة.
التوازيات عبر الحضارات
وأقرب القصص إليهما قصّة آسك وإمبلا عند النورديين. تقول «فولوسبا» «ڤُولُوسْپا» إنّ ثلاثة من الآلهة وجدوا على الأرض آسك وإمبلا، شجرتين لا نفَس فيهما ولا روح، فأعطوهما النفَس والروح والدم. ومشيه ومشيانه نبتة يدخل فيها النفَس فتصير إنساناً. فالإنسان في القصّتين نبات ينتظر النفَس، والفرق أنّ آسك وإمبلا شجرتان منفصلتان، ومشيه ومشيانه ساق واحدة.
وفي سفر التكوين تُخلق حوّاء من ضلع آدم، فيصيران «جسداً واحداً»، ويُغريهما الكلام فيخطئان، ثم «صنع الربّ الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما». وفي البندهشن يخرج الزوجان من جسد نبات واحد، ويُفسدهما الكلام، ثم «ستر الجلد أجسادهما أوّلاً».
وفي اليابان يتزوّج إيزاناغي وإيزانامي، الزوجان الأوّلان، فيكون ولدهما الأوّل طفلاً كالعلقة، هيروكو، يُلقى في الماء في قارب من القصب، كما هلك التوأمان الأوّلان لمشيه ومشيانه. وفي الصين يتزوّج فوشي ونووا وهما أخ وأخته، كما تنادي مشيانه زوجها «يا أخي»، وكما كان كلّ زوج من أولادهما أخاً وأخته. وقصص أوّل الخلق مجموعة في خلق الإنسان.