ملخص
بنزايتن معبودة البلاغة والموسيقى والعلم في اليابان، ثم صارت معبودة المال أيضاً، وهي سرسوتي الهندية التي جاءت إلى اليابان مع البوذية. وتقول موسوعة نيبونيكا اليابانية إنّ اسمها ترجمة لاسم سرسوتي، الذي معناه في السنسكريتية «ذات الماء»، وإنّ كتب البراهمانا جعلت سرسوتي معبودة الكلام، وإنّ «سوترا النور الذهبي» هي التي أدخلتها في البوذية، وإنّها تُصوَّر بثماني أذرع أو بذراعين، وقد تحمل العود الياباني المسمّى بيوا. ثم كتب اليابانيون اسمها برسم «المال» مكان رسم «الموهبة»، فصارت معبودة المال وواحدة من معبودات الحظّ السبع، وهي تُعبد في الغالب عند الماء، وتقترن بالحيّات.
وأقدم نصّ يصوّرها في الشرق «سوترا النور الذهبي» في ترجمة الراهب الصيني يي جينغ سنة 703. يقول إنّ المعبودة العظيمة صاحبة البلاغة قامت في المجلس وسجدت لبوذا وقالت: من يعظ بهذه السوترا أزيده حكمة وأزيّن كلامه بالبيان، وإن نسي شيئاً من حروفها ومعانيها ذكّرته. ثم وصفت حمّاماً يُعدّ من اثنين وثلاثين عطراً ودواءً، ويُقرأ عليه الرقية مئة وثماني مرّات، فيذهب عمّن يغتسل به نحس النجوم، والوباء، والخصومة، والأحلام الرديئة، والسحر. ثم مدحها برهمي بنشيد يقول فيه إنّها تسكن جبل ڤِنْدْهْيا وحولها الأسود والنمور، وإنّها عند معابر الأنهار كالجسر والطوف، ووجهها كالبدر، وإنّها «تتزيّن أبداً بثماني أذرع، تحمل القوس والسهم والسيف والرمح والفأس والمدقّة الطويلة والعجلة الحديدية والحبل».
وفي اليابان ثلاث جزر تُعدّ أعظم مواضع عبادتها: تشيكوبوشيما في بحيرة بيوا، وإينوشيما في البحر قرب كاماكورا، وإيتسوكوشيما. يقول معبد هوغونجي في تشيكوبوشيما إنّ الإمبراطور شومو رأى في منامه سنة 724 أماتيراسو تقول له: في بحيرة أومي جزيرة صغيرة هي موضع بنزايتن المقدّس، فابنِ فيها معبداً يكن للبلاد سلام ووفرة في الحصاد، فأرسل الراهب غيوكي، فنحت لها تمثالاً على صورة امرأة. ويُروى في «حكاية الهيكه» أنّ المحارب تايرا نو تسونيماسا ضرب على العود في الجزيرة يدعو بالنصر، فظهر له معبودها تنّيناً أبيض. وفي مسرحية النو «تشيكوبوشيما» يزور الجزيرة رسول الإمبراطور دايغو في قارب صيّاد شيخ ومعه فتاة، فتقول الفتاة إنّ بنزايتن امرأة، فالجزيرة لا تُحرَّم على النساء، ثم تغيب، وفي الليل تخرج بنزايتن ترقص رقصة المرأة السماوية، ويخرج من البحيرة معبود التنّين يقدّم الذهب والفضّة والجواهر ويقول إنّه يحرس البلاد.
وفي مسرحية النو «إينوشيما» يُرسل الإمبراطور كيمّي من يرى جزيرة خرجت من البحر في الشرق، فيلقاه صيّادان، ويقول الشيخ منهما إنّه معبود تاتسونوكوتشي، أي «فم التنّين»، ثم يختفي، ويظهر في الليل كائن سماوي معه غلامان، يقدّم جوهرة ويرقص. ومزار إينوشيما مزار لثلاث معبودات من الكامي وُلدن في تاكاماغاهارا من سيف سوسانو حين تعاهد هو وأخته، ثم جُعلن بنزايتن حين اختلطت البوذية بعبادة الكامي. وسنة 1182 دعا ميناموتو نو يوريتومو بنزايتن إلى الجزيرة على يد الراهب مونغاكو يطلب عونها، وكان الناس بعد ذلك يأتونها يطلبون المطر.
والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ الماء يبقى معها حيث ذهبت. كانت في الهند نهراً ثم صارت كلاماً يجري على اللسان، وفي اليابان تُعبد في جزر في الماء، جزيرة في بحيرة وجزيرة خرجت من البحر، ويقترن بها التنّين الذي يسكن الماء. والكلام الذي يجري صار موسيقى العود في يدها، والمحارب الذي يضرب العود في جزيرتها يدعو بالنصر كما يدعو الأمراء النهر في الهند. ثم بدّل الناس رسماً برسم ينطق مثله، فصارت الموهبة مالاً، وبقيت المعبودة نفسها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالات لا تقرأ بنزايتن، وإنّما تقرأ المقالة السامية الهندية اسم سرسوتي. 弁才天 «بِنْزايْتِن» ثلاثة رسوم: 天 ten «تِن» السماء، وبه يُسمّى المعبود في البوذية؛ و才 zai «زاي» الموهبة، ثم كُتب مكانه 財 «زاي» المال، والرسمان ينطقان صوتاً واحداً؛ و弁 ben «بِن»، وتكتبه السوترا 辯 «بْيِن»، أي البلاغة والجدال، وأخوه 辨 «بْيِن» بالنطق نفسه، أي التمييز والفصل. ونقرأ ben «بِن» من «بانَ» و«البيان»: في معجم لين «بانَ الشيءُ» انفصل وتميّز، و«البيان» وضوح الكلام وفصاحته والإفصاح عمّا في النفس، وفي الحديث: «إنّ من البيان لسحراً»، وفي القرآن: «خلق الإنسان علّمه البيان». فالباء والنون في العربية يجمعان ما يجمعه الرسمان الصينيان: الفصل بين الشيئين، والكلام البيّن. وبنزايتن على هذه القراءة معبودة البيان، وهو عملها في «سوترا النور الذهبي»: أن تزيّن كلام الواعظ وتذكّره ما نسي. وتقرأ المقالة الهندية اسم سرسوتي من «سَرَى»، وتقرؤه صفحتها «ذات السَّرِيّ»، أي صاحبة الجدول الجاري، فالاسم الهندي يحفظ الماء، والاسم الياباني يحفظ البيان.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى | الشاهد |
|---|---|---|---|
| 大辯才天女 | دايبِنزايتِنْيُو | المعبودة العظيمة صاحبة البلاغة | «سوترا النور الذهبي» |
| 弁才天، 弁財天 | بِنزايتِن | معبودة الموهبة في البيان؛ معبودة المال | نيبونيكا |
| 妙音天 | ميوأونتِن | المعبودة ذات الصوت العجيب | نيبونيكا |
| 辯 | بْيِن، الصينية الوسطى bjenX | البلاغة، الجدال، التمييز | باكستر وساغار، ص 7 |
| 辨 | بْيِن، الصينية الوسطى bjenX | التمييز | باكستر وساغار، ص 7 |
| 才، 財 | تساي، الصينية الوسطى dzoj | الموهبة؛ المال | باكستر وساغار، ص 9–10 |
| Sarasvatī | سَرَسْوَتي | ذات الماء | نيبونيكا |
| بانَ، البَيان | انفصل وتميّز؛ الفصاحة | معجم لين |
البيان والتمييز
يضع معجم باكستر وساغار للصينية القديمة الرسمين 辯 و辨 في مقطع واحد، ينطقه أهل الصينية الوسطى bjenX «بْيِن»، ويعيد بناءه في الصينية القديمة *[b]renʔ «بْرِنْ»، ومعنى الأوّل «ميّز، وجادل»، ومعنى الثاني «ميّز». فالكلمة الصينية تجمع التمييز والجدال، كما يجمع الجذر العربي «بين» الانفصال والتميّز والبيان. وفي معجم لين «بانَ» انفصل وانقطع وتميّز، و«بانت المرأة» طُلّقت فانفصلت، و«البيان» إظهار المعنى حتى يتميّز من غيره، ووضوح الكلام وفصاحته، و«فلان أبين من فلان» أي أفصح.
والمقابلة: الباء باء، والنون نون، والياء في «بيان» حرف علّة كالياء في «بْيِن». وكان موضع الضعف أنّ الصينية القديمة كما يعيدها باكستر وساغار فيها راء بعد الباء لا يقابلها شيء في العربية. لكنّ هذا الاسم لم يُصنع في الصينية القديمة. فأوّل ترجمة صينية لـ«سوترا النور الذهبي»، ترجمة دارماكشيما في مملكة ليانغ الشمالية في أوائل القرن الخامس، تسمّيها 大辯天神 «المعبودة العظيمة صاحبة البيان»، وترجمة يي جينغ سنة 703 تسمّيها 大辯才天女، وفيها باب كامل باسمها. والكلمة 辯 تُنطق في ذلك العهد، أي في الصينية الوسيطة، bjenX «بْيِن»، والراء القديمة قد زالت قبل ذلك بقرون، كما تفرّق قائمة باكستر وساغار بين الطورين. فالحروف التي صُنع بها الاسم باء ثم ياء ثم نون، وهي حروف «بيان» بترتيبها بلا زيادة ولا نقص. وتخصّ القراءة الكلمة الصينية 辯 في الاسم، أمّا 才 «تساي» فالموهبة، و天 «تِن» السماء والمعبود، بمعناهما الصيني، واسم سرسوتي يُقرأ في صفحتها.
الموهبة والمال
يضع المعجم نفسه 才 «الموهبة» و財 «المال» في صوت واحد، ينطقه أهل الصينية الوسطى dzoj «دْزوي»، ويعيده *[dz]ˤə «دْزَ». فلمّا كتب اليابانيون اسمها 弁財天 لم يتغيّر النطق، وتغيّر المعنى من الموهبة إلى المال، وتقول نيبونيكا إنّ اليابانيين عبدوها بعد ذلك معبودةً للمال.
اسم سرسوتي
تقرأ المقالة السامية الهندية اسم سرسوتي من «سَرَى» و«سَوَت»، النهر الجاري المستقيم، وتقدّم في تحليل آخر «سرى» وحدها، وتعطيها درجة قويّة. وتقرؤه صفحة سرسوتي «ذات السَّرِيّ»، بعد رفع اللاحقة السنسكريتية التي معناها «ذات». وتقول نيبونيكا إنّ معنى الاسم في السنسكريتية «ذات الماء». فالاسمان، الهندي والياباني، يقسمان المعبودة: الأوّل يسمّيها بالماء، والثاني بالكلام.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الحيّة والتنّين
تقول نيبونيكا إنّ بنزايتن تقترن في اليابان بالحيّات لأنّ الحيّة من الماء، وإنّ معبوداً اسمه أوغاجين يُقرن بها، وتقترح أنّ اسمه ربّما جاء من الكلمة السنسكريتية uraga «أُورَغَ»، أي الحيّة. وفي أخبار جزيرتيها معبود تنّين: تنّين أبيض يظهر لتسونيماسا في تشيكوبوشيما، ومعبود التنّين الذي يقدّم الجواهر في مسرحيتها، ومعبود «فم التنّين» في إينوشيما.
من الحرب إلى المال
المعبودة في «سوترا النور الذهبي» محاربة بثماني أذرع، تسكن الجبل بين الأسود والنمور، وتحضر في الحروب. وفي اليابان صارت تُصوَّر جالسة بذراعين تضرب العود، وتُعدّ مع معبودات الحظّ السبع. ومن مزاراتها في كاماكورا مزار يغسل فيه الناس نقودهم، ويُعرف ببنتن غاسلة النقود. ويقول معبد هوغونجي إنّ الحكومة أمرت سنة 1871، حين فصلت البوذية عن عبادة الكامي، بأن يصير المعبد مزاراً، فلم يُسلَّم إلّا البناء الرئيس، ونُقلت إليه المعبودة في بناء جديد سنة 1942.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة السامية الهندية سرسوتي من «سَرَى» بمعنى السير ليلاً، وتجعلها المعرفة التي تنضج في الهدوء والظلام، لأنّ الفيلسوف والشاعر والموسيقي يعملون في السكون، فهي «التي تسري في الأرواح بصمت». وهذه قراءتها لسرسوتي.
وفي أخبار بنزايتن اليابانية تظهر المعبودة في الليل أيضاً: تخرج في مسرحية «تشيكوبوشيما» بعد أن يغيب الصيّادان ويحلّ الليل، ويظهر الكائن السماوي في «إينوشيما» ليلاً.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب المعبودات إليها سرسوتي نفسها، النهر الذي صار كلاماً في الهند. وفي إيران أناهيتا امرأة ونهر معاً، تجرّ عربتها الريح والمطر والسحاب والبَرَد، ويأتيها الملوك والأبطال يقرّبون لها ويسألونها النصر، فتعطي من يحمي الناس وتردّ من يريد إهلاكهم. وفي اليابان يضرب المحارب تسونيماسا العود في جزيرة بنزايتن يسأل النصر، ويدعوها يوريتومو إلى إينوشيما. فالمعبودة في الحضارتين ماء يُسأل النصر.
وفي سومر نيسابا معبودة الكتابة والحبوب، «كبيرة كتبة آن»، تفتح لإنميركار «بيت الحكمة»، ويختم الكتبة ألواحهم بقولهم «سبحان نيسابا»، ويباركها إنكي أن تكون «حافظة الختم في الخزانة» وجامعة الحبوب في المخازن. فهي مثل بنزايتن تجمع العلم والكلام إلى الرخاء والمال.