ملخص
تاكاماغاهارا، أي «السهل العالي في السماء»، هو الموضع الذي يولد فيه الكامي ويسكنونه في كتاب «كوجيكي»، المدوَّن سنة 712، ومنه يُدبَّر ما تحته. وبه يبدأ الكتاب: حين بدأت السماء والأرض تتحرّكان وُجد في تاكاماغاهارا معبود اسمه أَمِه نو ميناكانوشي، أي سيّد وسط السماء، ثم تاكامي موسوهي، ثم كامي موسوهي، وجاء كلّ واحد منهم وحده بلا زوج، ثم أخفوا أجسادهم. ومن هذا السهل أمرت المعبودات السماوية كلّها إيزاناغي وإيزانامي أن يثبّتا الأرض الطافية، فوقفا على جسر السماء العائم وحرّكا البحر برمح، فصارت القطرات الساقطة من رأسه جزيرة.
فلمّا رجع إيزاناغي من عالم الموتى واغتسل وُلدت من عينه اليسرى أماتيراسو، فنزع قلادته وأعطاها إيّاها وقال: احكمي تاكاماغاهارا. وصعد إليها أخوها سوسانو فاهتزّت الجبال والأنهار، فقالت: ما جاء أخي إلّا ليأخذ أرضي، فعقدت شعرها، وحملت جعبتين، وضربت الأرض برجليها حتى غاصتا فيها إلى الفخذين، ووقفت تنتظره كالرجل المحارب. فتعاهدا عند نهر السماء الهادئ: كسرت سيفه ومضغته فوُلدت ثلاث معبودات، ومضغ جواهرها فوُلد خمسة معبودات، فجعلت المعبودات الثلاث بنات سوسانو والخمسة أبناءها.
ثم عبث سوسانو بما في السهل: هدم حدود حقول الأرز التي زرعتها أخته، وردم قنواتها، ووسّخ القاعة التي تأكل فيها طعام الحصاد الجديد، وألقى حصاناً مسلوخاً في قاعة النسج. فدخلت أماتيراسو كهف الصخر السماوي وأغلقت بابه، فأظلم تاكاماغاهارا كلّه، وأظلمت معه الأرض الوسطى ذات القصب التي تحته. فاجتمع ثمانمئة ألف معبود في مجرى نهر السماء الهادئ، وطلبوا من أُومويكانه، المعبود الذي يفكّر، أن يدبّر الأمر. فجمعوا طيور الليل الطويل لتصيح، وأخذوا الحجارة من قاع النهر والحديد من جبال المعادن السماوية، ودعوا الحدّاد أماتسومارا، وأمروا بصنع مرآة وعقد من الجواهر، وتنبّؤوا بكتف أيّل من جبل كاغو السماوي، وعلّقوا المرآة والجواهر والقرابين على شجرة اقتلعوها من الجبل نفسه. ورقصت أوزومه على لوح أمام الكهف، فاهتزّ تاكاماغاهارا وضحك المعبودات جميعاً، ففتحت أماتيراسو الباب قليلاً لتعرف ما يضحكهم، فأُخرجت وعاد الضوء. ثم غرّموا سوسانو ألف مائدة من القرابين، وقصّوا لحيته، ونزعوا أظفاره، وطردوه.
وأخيراً أمرت أماتيراسو وتاكامي موسوهي حفيدها نينيغي أن ينزل فيحكم الأرض، فترك مجلسه الصخري في السماء، وشقّ السحب الثماني الطبقات، ووقف على جسر السماء العائم، ثم نزل على قمّة تاكاتشيهو، وبنى هناك قصراً أعمدته على الصخر في قاع الأرض وعوارضه مرفوعة إلى تاكاماغاهارا.
والفكرة التي تدور عليها هذه الأخبار أنّ تاكاماغاهارا أرضٌ كالأرض التي تحته. فيه حقول أرز لها حدود وقنوات، وقاعة للنسج، وقاعة لطعام الحصاد، ونهر في قاعه حجارة يجتمع فيه المعبودات للمشورة، وحدّاد، وجبل اسمه كاغو فيه أيائل وأشجار، وهو اسم جبل معروف في ياماتو. وتسمّيه أماتيراسو «أرضي». وما يُفعل فيه يصيب ما تحته: حين أُفسدت حقوله وغابت شمسه أظلمت الأرض الوسطى معه، ومنه نزل نسب الحكّام إليها. فهو صورة الأرض المنظَّمة كما ينبغي أن تكون، والأرض التي تحته تُحكم منه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرؤه. يكتب «كوجيكي» الاسم 高天原 «تاكاما نو هارا»، ويضع بجانبه حاشية تقول اقرأ رسم السماء هنا ama «أما»، فيكون الاسم taka «تاكا»، أي العالي، ثم ama no hara «أما نو هارا»، أي سهل السماء، وهي في ديوان «مانيوشو» اسم للسماء نفسها. ونقرأ ama «أما» من «العَماء»: في معجم لين العماء السحاب، أو السحاب العالي، أو الذي يشبه الدخان فوق رؤوس الجبال، أو السحاب الماطر، وفي الأثر أنّ سائلاً سأل: أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ فقيل: كان في عماء. والعين تسقط في أوّل الكلمة كما يقول جدول قوانين مشروع جذور. والكلمة اليابانية القديمة ama «أما» تعني السماء والمطر معاً، والعماء عند لين السحاب العالي والسحاب الماطر معاً. وكانت hara «هارا» في اليابانية القديمة para «پارا»، أي الحقل والسهل، ونقرؤها «البَرّ»: في معجم لين البرّ الأرض الواسعة، والفضاء المكشوف خلاف البحر، والأرض المرتفعة الظاهرة للعين، والپاء من الشفتين كالباء. أمّا taka «تاكا»، العالي، فأضعف الأجزاء، ونقرؤه «الطاق»، أي البناء المقوّس والقبّة. فتاكاماغاهارا على هذه القراءة برّ العماء، أرض واسعة مكشوفة في السحاب العالي، وهذا ما تجعله القصّة: أرضاً لها حقول ونهر وجبل، فوق السحب الثماني الطبقات التي يشقّها نينيغي حين ينزل.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى | الشاهد |
|---|---|---|---|
| 高天原 | تاكاما نو هارا | السهل العالي في السماء | «كوجيكي»، القسم 1 |
| 天原 | أما نو هارا | سهل السماء، السماء | «مانيوشو» 289 |
| ame، ama | أَمِه، أما | السماء؛ المطر | اليابانية القديمة |
| para | پارا | الحقل، السهل | اليابانية القديمة |
| taka | تاكا | الطويل، العالي | اليابانية القديمة |
| 海原 | أونا بارا | سهل البحر، ما أُعطيه سوسانو | «كوجيكي»، القسم 11 |
| 葦原中国 | أشيهارا نو ناكاتسوكوني | الأرض الوسطى ذات سهول القصب | «كوجيكي»، القسم 16 |
| العَماء | السحاب العالي، السحاب الماطر | معجم لين | |
| البَرّ | الأرض الواسعة المكشوفة | معجم لين | |
| الطاق | البناء المقوّس، القبّة | معجم لين |
كيف يُقسم الاسم
يقول شرّاح كوكوغاكوين إنّ «كوجيكي» يضع حاشية تأمر بقراءة رسم السماء في هذا الاسم ama «أما» لا ame «أَمِه»، أي بالصيغة التي تأتي بها الكلمة في الألفاظ المركّبة، فالاسم ليس «السماء العالية» ثم «السهل»، وإنّما «العالي» ثم «سهل السماء». ويقولون إنّ ama no hara «أما نو هارا» تأتي في ديوان «مانيوشو» بمعنى السماء، كما في قوله «حين أرفع عيني إلى سهل السماء»، وإنّ المدوّنين أضافوا إليها «العالي» ليجعلوها موضع المعبودات الذي يُحكم منه ما تحت السماء. ويقولون إنّ «نيهون شوكي» لا يذكر هذا الاسم في متنه، وإنّما يقول «السماء»، ولا يأتي إلّا في بعض رواياته الأخرى، وإنّ الاسم ظهر مع صيغة الأخبار التي في «كوجيكي»، وربّما وُضع في عهد الإمبراطورة جيتو بين سنتي 686 و697، لأنّ في اسمها بعد موتها «تاكاماغاهارا».
العماء والبرّ والطاق
يجمع معجم لين في العماء ما يجمعه الياباني في ama «أما»: السحاب، والسحاب العالي، والذي يشبه الدخان فوق رؤوس الجبال، والسحاب الماطر، والسحاب الكثيف الساتر. وتقول مدوّنة اليابانية القديمة إنّ ame «أَمِه» وama «أما» كلمة واحدة معناها السماء والمطر. وفي الأثر الذي ينقله لين أنّ العرش كان في عماء تحته هواء وفوقه هواء، وهو موضع قبل الخلق كما أنّ تاكاماغاهارا في «كوجيكي» موضع تولد فيه المعبودات حين بدأت السماء والأرض. وتقرأ المقالة السامية اليابانية في هذا المشروع اسم أماتيراسو «أَمْطَرَ»، والمقطع ama «أما» نفسه في أوّل اسمها، فالقراءتان تلتقيان في المطر النازل من السماء.
والبرّ في معجم لين الأرض الواسعة، والبرّية خلاف البحر، والأرض المرتفعة الظاهرة للعين، والخارج المكشوف خلاف البيت. وتقول مدوّنة اليابانية القديمة إنّ para «پارا» الحقل والسهل. غير أنّ اليابانية تسمّي البحر أيضاً سهلاً، فيُعطى سوسانو «سهل البحر»، والعربية تجعل البرّ خلاف البحر، فالمعنى الياباني أوسع. والطاق في معجم لين البناء المقوّس، والقوس من البناء، ويقال إنّه فارسيّ معرّب، والكلمة اليابانية taka «تاكا» معناها العالي لا القوس، فهذا الجزء أضعف ما في القراءة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
جبل كاغو في السماء وفي الأرض
يأخذ المعبودات في قصّة الكهف كتف أيّل ولحاء كرز وشجرة ذات خمسمئة غصن من «جبل كاغو السماوي»، وفي ياماتو جبل معروف بهذا الاسم. ويقول تشامبرلين إنّ موتوؤوري، شارح «كوجيكي» الكبير، كان يأبى أن يجعل الجبل السماوي هو جبل ياماتو، أمّا هو فلا يرى بينهما فرقاً. فالسماء في هذه القصّة لها جبل يحمل اسم جبل في الأرض.
المعبودات الثلاث من السيف
المعبودات الثلاث اللواتي وُلدن من سيف سوسانو عند نهر السماء تُعبد في معابد مُوناكاتا الثلاثة، ويقول «كوجيكي» إنّ حكّام مُوناكاتا يعظّمونهنّ. وهنّ أيضاً المعبودات الثلاث في مزار جزيرة إينوشيما، الذي جُعلت معبوداته بنزايتن حين اختلطت البوذية بعبادة الكامي، فصار مزار بنزايتن. «كوجيكي»، القسم 14، موسوعة نيبونيكا، مزار إينوشيما.
تاكامي موسوهي
يقول شرّاح كوكوغاكوين إنّ تاكامي موسوهي، ثاني المعبودات الثلاث الأولى، يأمر مع أماتيراسو في تاكاماغاهارا، فهما اللذان يرسلان المعبودات إلى الأرض لتُخضعها، ثم يرسلان نينيغي.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير اليابانية اختباء أماتيراسو في الكهف كسوفاً للشمس أو الانقلاب الشتوي، أقصر يوم في السنة، ورقص المعبودات أمام الكهف شعائر لاسترجاع الشمس، وتقرأ القصّة قراءة سياسية: أماتيراسو جدّة الأباطرة، فغيابها غياب السلطة وخروجها عودة النظام. وهذه قراءتها لقصّة الكهف.
والنصّ نفسه يقوّي الجانب الثاني من قراءتها: فالسهل الذي يحكم منه الأحفاد الأرضَ بُني على صورة أرض زراعية لها حقول وقنوات وقاعة نسج، والمعبودات فيه يجتمعون ويتشاورون، ثم ينزل منه الحاكم بالمرآة والجواهر والسيف.
التوازيات عبر الحضارات
في الشمال يبني الآلهة أسغارد، ويجعلون فيها مجلساً يحكمون منه، ومصنعاً يعملون فيه الذهب، ويمتدّ منها الجسر بيفروست إلى الأرض. وفي تاكاماغاهارا حقول وقاعة نسج وحدّاد، ويجتمع المعبودات في مجرى النهر، وجسر السماء العائم هو الطريق إلى الأرض، عليه وقف إيزاناغي وإيزانامي ثم نينيغي.
وفي الصين جبل كونلون، يسمّيه «كتاب الجبال والبحار» العاصمة السفلى للحاكم الأعلى، ويجعله «هواينان تسي» طبقات يُصعد فيها من الأرض إلى السماء. فكونلون مسكن للسماء على الأرض، وتاكاماغاهارا أرض في السماء لها جبل يحمل اسم جبل في ياماتو.
وجبل أولمبوس عند الإغريق وجبل ميرو في الهند من صور الجبل المقدّس، واجتماع ثمانمئة ألف معبود في مجرى النهر للمشورة من صور المجمع الإلهي.