الرئيسية/الكيانات/أَسْكْلِيبْيُوس

أَسْكْلِيبْيُوس

ملخص

أَسْكْلِيبْيُوس في أساطير الإغريق الطبيب الذي صار معبود الشفاء، ابن أبولو، وأشهر مواضع عبادته إبيداوروس في البلوبونيز، ويسمّيه الرومان إسكولابيوس. وهو في «الإلياذة» إنسان، «الطبيب الذي لا عيب فيه»، وأبو الطبيبين اللذين يداويان الجرحى في جيش الإغريق أمام طروادة، پودالِيرْيُوس ومَاخَاوُون. أصاب سهمٌ مينلاوس، فدُعي ماخاوون، فنزع السهم من حزامه، وكشف عن الجرح، ومصّ منه الدم، ثم وضع عليه بعلمه الأدوية المسكّنة التي أعطاها خِيرُون لأبيه من قبل محبّةً له.

ويروي پِنْدار قصّة مولده في قصيدته البيثية الثالثة. حملت كُورُونِيس، ابنة فْلِيغْيَاس، من أبولو، ثم نامت مع غريب جاء من أركاديا، فعرف أبولو ذلك وهو في معبده بدلفي، فأرسل أخته أرتميس فقتلتها. فلمّا وضع أهلها جسدها على المحرقة وأحاطت بها النار قال أبولو: لا أطيق أن أهلك ولدي بأقسى موت مع أمّه، فخطا خطوة واحدة فبلغ الطفل، وانشقّت له النار، فخطفه من جسد أمّه، وحمله إلى الكنتور خِيرُون ليعلّمه أن يشفي الناس من الأمراض المؤلمة. فكان كلّ من جاءه بقرحة، أو بعضو جرحه النحاس أو حجر رُمي من بعيد، أو بجسد يذبل من حرّ الصيف أو برد الشتاء، يحلّه من ألمه: هذا بالرقى اللطيفة، وهذا بالأشربة المسكّنة، وهذا بالأدوية تُلفّ على أعضائه، وهذا بالجراحة يقوّمه. لكنّ الذهب أغراه، فقبل أجراً كبيراً على أن يردّ من الموت رجلاً قد أُخذ، فرمى زيوس الطبيب والميت معاً بالصاعقة فانتزع الروح من صدريهما. ويقول پندار بعد القصّة: لا تشتهِ يا نفسي الحياة الخالدة، واستعملي ما يُستطاع.

ويزيد كتاب «المكتبة» أنّ أبولو لعن الغراب الذي جاءه بالخبر فصار أسود بعد أن كان أبيض، وأنّ أثينا أعطت أسكليبيوس دم الغورغون، فكان يستعمل الدم الذي سال من عروق جانبها الأيسر للهلاك، والذي سال من الجانب الأيمن للنجاة، وبه أحيا الموتى، ومنهم هِيبُّولِيتُوس ابن ثيسيوس. فخاف زيوس أن يتعلّم الناس منه الطبّ فينجّي بعضهم بعضاً، فضربه بالصاعقة، فغضب أبولو وقتل الكيكلوبات صانعي الصاعقة.

ولأهل إبيداوروس رواية أخرى يرويها باوسانياس. جاء فْلِيغْيَاس إلى البلوبونيز ومعه ابنته، وهي تخفي عن أبيها أنّها حامل من أبولو، فولدت في أرض إبيداوروس وتركت الطفل على جبل يسمّى اليوم «الثدي». فأرضعته عنزة من القطيع، وحرسه كلب القطيع. وافتقد الراعي العنزة والكلب فبحث عنهما حتى وجد الطفل، فلمّا اقترب ليحمله رأى برقاً يلمع من الطفل، فظنّه شيئاً إلهيّاً وانصرف عنه. ثم شاع في البرّ والبحر أنّه يجد كلّ ما يريد ليشفي المرضى، وأنّه يحيي الموتى. وفي معبده بإبيداوروس تمثال من العاج والذهب صنعه ثراسيميديس: الإله جالس على كرسيّ، يمسك عصاً بيد، ويضع اليد الأخرى فوق رأس الحيّة، وإلى جانبه كلب رابض. وفي الحرم ألواح حجرية كُتبت عليها أسماء الرجال والنساء الذين شفاهم أسكليبيوس، والداء الذي كان بكلّ منهم، والطريقة التي شُفي بها، بلهجة دورية.

وكان المرضى ينامون في بناء خاصّ في الحرم، فيرى الواحد منهم الإله في نومه، أو بين النوم واليقظة. فيلمسه بيده، أو يعطيه دواء، أو يجري له جراحة، وكانت الكلاب والحيّات المقدّسة في الحرم تشفي المرضى بلحسهم، كما تروي ألواح الشفاء نفسها.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الطبيب يُخرج الناس من الألم ويقرّبهم من حدّ الموت، فإذا تجاوز الحدّ فردّ من الموت من أُخذ عوقب. وُلد هو نفسه من جسد ميّت على محرقة، خطفه أبوه من النار، ثم صار يردّ الناس من المرض، ثم ردّ من الموت، فضربه زيوس بالنار التي خرج منها أوّل مرّة. ولذلك يبقى عمله في الأخبار عند الجرح والقرحة والحمّى: يداوي ما يُداوى، والحياة الخالدة ليست من نصيب الناس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرؤه: الاسم في الأتّيكية Ἀσκληπιός «أَسْكْلِيپْيُوس»، وفي الدورية، لغة إبيداوروس، Ἀσκλαπιός «أَسْكْلَاپْيُوس». إذا نزعنا اللاحقة اليونانية -ιός «ـيُوس» بقيت همزة، ثم سين وكاف ولام وألف، ثم پاء. ونقرؤه كلمتين: «آسي الكَلْم»، أي طبيب الجرح. في معجم لين: «أسا الجرحَ» داواه وعالجه علاجاً أو جراحة، و«الآسي» الطبيب الماهر في العلاج، وخاصّة علاج الجراح. و«الكَلْم» في لسان العرب الجرح، وجمعه الكُلوم، ويقول إنّ العرب سمّت موضع نهشة الحيّة من الملدوغ كَلْماً. ويجمع معجم لين الكلمتين في مثل واحد: «هذا أمرٌ لا يُؤسى كَلْمُه»، أي لا يُداوى جرحه. والميم تصير في اليونانية پاءً، وكلتاهما من حروف الشفتين. وهذا ما تجعله القصص: ابنه يداوي جرح مينلاوس بأدوية أبيه، والذين جاؤوه عند پندار جاؤوه بأعضاء جرحها النحاس والحجر، وحيّته علامته.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق الموضع
Ἀσκληπιός أَسْكْلِيپْيُوس الأتّيكية، وهوميروس
Ἀσκλαπιός أَسْكْلَاپْيُوس الدورية، لغة إبيداوروس وپندار
Ἀσκλήπιος أَسْكْلِيپْيُوس نطق ديموسثينيس، بالنبر على المقطع الأوسط، لأنّه يردّه إلى ἤπιος «إِيپْيُوس»، اللطيف
Aesculapius إِسْكُولَاپْيُوس اللاتينية
آسٍ، الآسي، أسا الجرح الطبيب؛ داوى الجرح
الكَلْم، الكُلوم الجرح، الجروح
ʾāsyā آسْيَا الطبيب في الآرامية

اختلف القدماء في اسمه كما يختلف المحدثون. يقول إيدلشتاين إنّ المفسّرين القدماء اتّفقوا على أنّ الاسم مركّب، وأنّ جزءه الثاني ἤπιος «إِيپْيُوس»، أي اللطيف المسكّن، ثم اختلفوا في الجزء الأوّل. فقال بعضهم إنّه شفى أَسْكْلِيس، طاغية إبيداوروس، من داء في عينيه فسُمّي باسمه، وقال الشاعر إيسيلّوس في إبيداوروس إنّ أبولو سمّاه باسم أمّه «إيغْلي»، وكان ذلك اسم كورونيس عندهم، وقال آخرون إنّه «الذي لا يدع الجسد يجفّ»، من النفي والفعل الذي معناه جفّف. ويذكر المعجم اليوناني أنّ ديموسثينيس كان ينطقه بنبر آخر لأنّه يردّه إلى ἤπιος «إِيپْيُوس». وينقل إيدلشتاين عن فارنيل أنّ الاسم «أعجز كلّ من حاول تفسيره».

ويجمع المعجم الاشتقاقي اليوناني لـ Beekes «بِيكِس» صيغ الاسم في اللهجات: Αἰσκλαπιός «أَيْسْكْلَاپْيُوس» في إبيداوروس، وἈσγλαπιός «أَسْغْلَاپْيُوس» في بيوتيا، وἈγλαπιός «أَغْلَاپْيُوس» في لاكونيا، وΑἰσχλαβιός «أَيْسْخْلَابْيُوس» على تمثال برونزي بحروف كورنثية، ويقول إنّ هذا التنوّع من علامات لغة ما قبل الإغريق، ويردّ الاسم إلى أصل فيه كاف ليّنة يظهر قبلها حرف السين أحياناً ويسقط أحياناً، ويرفض تفسيره من الحثّية لأنّه لا يفسّر الكاف. وهذا يمسّ القراءة من جهتين: الكاف واللام ثابتتان في الصيغ كلّها، وهما حرفا «الكَلْم»؛ أمّا السين فغائبة عن الصيغة اللاكونية، وهي في «آسي» من أصل الكلمة، والحرف الشفوي يأتي پاءً في صيغ وباءً في أخرى، ولا يأتي ميماً في أيّ منها.

والكلمة الأولى في قراءتنا اسم الطبيب في اللسان القديم كلّه. ففي معجم لين: «أسا الجرح» داواه، و«الآسي» الطبيب، والإساء الدواء، ويقال «الإساء يدفع الأسى»، أي الدواء يذهب بالحزن. وفي الآرامية ʾāsyā «آسْيَا» الطبيب، ومنه في «سفر التكوين المنحول» من قمران أنّ الأطبّاء والسحرة والحكماء كلّهم عجزوا عن شفاء فرعون، وفي الترجمة السامرية للتوراة: «أنا الربّ طبيبك». ويقول معجم براون ودرايفر وبريغز إنّ اسم الملك آسا معناه «ربّما الشافي». وبالمادّة نفسها تقرأ المقالة المصرية في هذا المشروع اسم إيزيس «الآسية»، الحزينة الشافية، وتقرأ صفحة الأشونين اسم الطبيبين الهنديين.

والكلمة الثانية «الكَلْم»، الجرح. وفي لسان العرب بيت لراجز يشكو فيه رجل «شكوى سليم ذربت كِلامه»، أي ملدوغ فسدت جراحه، ويقول صاحب اللسان إنّهم سمّوا موضع نهشة الحيّة كَلْماً، وحقيقته الجرح. فالكلمة تجمع الجرح والحيّة، والحيّة علامة أسكليبيوس.

والمقابلة في الحروف: الهمزة في أوّل «آسي» هي الحركة في أوّل الاسم اليوناني، والسين سين، والكاف كاف، واللام لام، والميم تصير پاءً، وهي من مجموعة حروف الشفتين التي تتبادل في قوانين مشروع جذور. وموضع الضعف ثلاثة: أنّ القدماء أنفسهم قسموا الاسم على غير هذا الوجه، وأنّ صوره في اللهجات كثيرة، وأنّ الميم لا تظهر في أيّ صورة منها.

ويذكر المقال الإغريقي أسكليبيوس حين يقرأ اسم أبولو «أبلّ»، أي برئ من مرضه، فيقول إنّ أبولو ربّ الطبّ في المقام الأوّل، و«أبوه أسكليبيوس ربّ الطبّ»، والنصوص تجعل أسكليبيوس ابن أبولو لا أباه. ويلتقي تفسير القدماء الأخير بقراءة المقال: أسكليبيوس عندهم الذي لا يدع الجسد يجفّ، والمقال يقرأ أبولو من البلل الذي هو ضدّ اليبس والمرض. فالابن والأب يُقرآن عند القدماء وعند المقال من صورة واحدة: ردّ الرطوبة إلى الجسد.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الحيّة التي جاءت إلى روما

يقول ليڤيوس إنّ وباءً نزل بروما وريفها، فرجعوا إلى الكتب المقدّسة يطلبون العلاج، فوجدوا أنّه لا بدّ من أن يؤتى بأسكليبيوس من إبيداوروس. ويروي أوفيد بقيّة الخبر: أرسل الرومان سفنهم إلى إبيداوروس، فخرج الإله إليهم في صورة حيّة عظيمة ونزل في السفينة، فلمّا بلغت روما وانقسم نهر التيبر حول الجزيرة التي في وسطه، نزلت الحيّة إلى الجزيرة ورجعت إلى صورتها الإلهية، فرفع الوباء عن المدينة.

هيبّوليتوس في أريتشا

ويقول باوسانياس إنّ في إبيداوروس لوحاً قديماً يذكر أنّ هيبّوليتوس أهدى إلى الإله عشرين فرساً، وإنّ أهل أريتشا في إيطاليا يروون أنّ أسكليبيوس أحياه بعد أن قُتل بلعنة أبيه ثيسيوس، فرفض أن يصفح عن أبيه وذهب إلى أريتشا فصار ملكها، ووقف حرماً لأرتميس. ويقول هيبّوليتوس عند أوفيد إنّه رأى العالم السفلي، وإنّ الحياة ما كانت لتُردّ إليه لولا أدوية ابن أبولو، فأخفته ديانا في غابتها باسم آخر.

أسكليبيوس في صيدا وبيروت

وقال رجل من صيدا لباوسانياس إنّ الفينيقيين يعرفون الآلهة أحسن من الإغريق، لأنّهم يجعلون أبولو أبا أسكليبيوس ولا يجعلون له أمّاً من البشر: أسكليبيوس عندهم الهواء الذي يعطي الناس والحيوان صحّتهم، وأبولو الشمس التي تعطي الهواء صحّته بسيرها في الفصول. وأسكليبيوس الفينيقيّ هو إشمون، كما يشهد نقش من سردينيا بثلاث لغات يسمّي الإله بالبونية «إشمون مِرِّي» وباليونانية «أسكليبيوس مِرِّي».

القراءة الرمزية

لا تقرأ المقالات اسم أسكليبيوس، لكنّها تقابله بغيره من أهل الطبّ. فالمقالة البابلية تقابل غُولا، ربّة الشفاء، بأسكليبيوس، وتقول إنّ رمزها الكلب لأنّ الكلب يلحس الجراح فيشفيها، وإنّ رمز أسكليبيوس الحيّة، وهي رمز غولا أيضاً. وتقابل المقالة السومرية أسالوحي، ابن إنكي ومعبود التعاويذ والعلاج، بأسكليبيوس وبتحوت المصري، وتجعل من قراءاتها لاسمه، وهي أضعفها عندها، «آسى» و«لاح»، الشفاء الظاهر. وتجعل المقالة الهندية الحيّة رمز الشفاء، وتذكر «عصا أسكليبيوس».

وفي إبيداوروس الحيوانان معاً: الكلب الذي حرس الطفل على الجبل ورقد إلى جانب التمثال، والحيّة التي تحت يده. وكلاهما يشفي في ألواح الشفاء باللسان. وأقرب الشواهد السامية إلى الحيّة على العصا في سفر العدد: لدغت الحيّات بني إسرائيل في البرّية، فصنع موسى حيّة من نحاس ووضعها على راية، «فكان إذا لدغت حيّة إنساناً ونظر إلى حيّة النحاس يحيا». فالحيّة التي تجرح هي التي يُطلب منها الشفاء، كما يجمع لسان العرب الجرح ونهشة الحيّة في كلمة «الكَلْم».

التوازيات عبر الحضارات

في الهند الأشونان طبيبا الآلهة، يردّان البصر إلى الأعمى، ويعطيان المرأة التي قُطعت ساقها في الحرب ساقاً من حديد، ويعيدان الشباب إلى الشيخ تشيافانا. ويقرأ اسمهما في هذا المشروع من «أسا» نفسها، فهما «الآسيان». وأسكليبيوس مثلهما طبيب يشفي الجرح والعمى ويردّ الحياة، ويفترقان في الجزاء: الأشونان يبقيان في السماء، وأسكليبيوس يضربه زيوس لأنّه ردّ من الموت.

وفي مصر إيزيس الشافية، تقرؤها المقالة المصرية من «أسا» أيضاً، فتجمع الحزن والشفاء في كلمة واحدة، وهي التي تُخرج السمّ من جسد رع وتحيي أوزيريس. ويقابل المقال السومري أسكليبيوس بـتحوت في جانب السحر والعلاج، وفي بردية طبّية في برلين يُقرن تحوت بخونسو في اسم واحد.

وفي الساحل الفينيقي إشمون، أسكليبيوس صيدا وبيروت، الذي تقرأ صفحته اسمه من السَّمْن، زيت الشفاء.

وردّ الموتى الذي عوقب عليه أسكليبيوس من قصّة طعام الخلود: من يحقّ له أن يفلت من الموت. وتعليمه الطبّ للناس، وما خافه زيوس من أن يتعلّموه فينجّي بعضهم بعضاً، من قصص الأبطال الحضاريين.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. هوميروس، «الإلياذة» 2 و4.

  2. پندار، البيثية الثالثة، ترجمة سفارليان.

  3. أبولودوروس، «المكتبة» 3.10.3–4.

  4. باوسانياس 2.26–27 و7.23.7–8.

  5. ليڤيوس 10.47؛ أوفيد، «التحوّلات» 15.

  6. إيدلشتاين، «أسكليبيوس: جمع الشهادات وتفسيرها» 2، 1945.

  7. ريبيكيني، «إشمون»، في «معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس».

  8. المعجم اليوناني، أسكليبيوس؛ معجم لين، أسو؛ لسان العرب وغيره، كلم؛ المعجم الآرامي الشامل، الطبيب؛ براون ودرايفر وبريغز، آسا.

  9. سفر العدد 21:9؛ ريغفيدا 1.116.

  10. Beekes «بِيكِس»، مادّة Ἀσκληπιός «أَسْكْلِيپْيُوس»