إِشْمُون

ملخص

إِشْمُون معبود الشفاء في صيدا، المدينة الفينيقية على ساحل لبنان. صار منذ نحو 500 قبل الميلاد كبير معبوداتها، وكان له فيها معبد مع عشتروت، ومعبد آخر خارجها عند نبع ماء في بستان الشيخ. ويقول الملك أشمون عَزَر الثاني، واسمه نفسه مبنيّ على اسم المعبود، في النقش المحفور على غطاء تابوته: «نحن الذين بنينا البيت لإشمون، الأمير القدّوس، عند نبع يِدْلَل في الجبل، وأجلسناه فيه».

وليست له قصّة محفوظة بلغته، فالذي بقي إهداءات وطلبات شفاء. وفي جزيرة سردينيا نقش بثلاث لغات، من القرن الثاني قبل الميلاد، يسمّي المعبود بالبونية «إشمون مِرِّي»، وباليونانية «أسكليبيوس مِرِّي»، وباللاتينية «أسكولابيوس مِرِّي»، ويقول المهدي إنّه «سمع صوته فشفاه». فإشمون عند الإغريق والرومان هو أسكليبيوس، ربّ الطبّ. ريبيكيني، ص 307. وحين جادل رجل من صيدا الرحّالة باوسانياس في معبد أسكليبيوس في أيجيون قال له إنّ الفينيقيين أعلم من الإغريق بالآلهة، فهم يجعلون أبا أسكليبيوس أبولّون ولا يجعلون أمّه امرأة من البشر: أسكليبيوس هو الهواء الذي يعطي الناس والحيوان الصحّة، وأبولّون هو الشمس التي تعطي الهواء صحّته حين تجري في فصولها.

وفي القرن السادس للميلاد روى الفيلسوف دَمَسْكيوس عن أهل بيروت قصّة متأخّرة. كان أسكليبيوس عندهم فتى صيّاداً جميلاً، أحبّته أَسْتْرُونُوي، أمّ الآلهة عند الفينيقيين، ويرجّح الباحثون أنّها عشتروت. فلمّا لاحقته بحبّها قطع ذكورته بفأس فمات، فحزنت عليه وأعادته إلى الحياة وجعلته إلهاً. ويقول دمسكيوس إنّ الفينيقيين سمّوه «إسمونوس» من «حرارة الحياة».

والفكرة التي تدور عليها أخبار إشمون أنّ الشفاء يأتي من الماء والدهن. معبده عند نبع في الجبل، والإهداءات تشكره لأنّه سمع صوت المريض فشفاه، واسمه، كما يأتي، من الزيت الذي يُدهن به الجسد. وحين لعنت معاهدة أشورية من ينقضها باسم ملقرت وإشمون، كان من لعنة إشمون أن يُؤخذ من الناقض الطعام واللباس والزيت الذي يدهن به جسده. أمّا قصّة بيروت فقصّة فتى يموت ثم يُحيا، ويرى ريبيكيني أنّها تفسير متأخّر لصيرورة إشمون إلهاً.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: كتبه الفينيقيون ʾšmn «ء-ش-م-ن»، فالهمزة في أوّله زيادة يُبدأ بها النطق، ويبقى šmn «ش-م-ن»، وهو في الأوغاريتية والعبرية الزيت والدهن، وفي العربية «السَّمْن»، والسين العربية تقابل الشين الكنعانية كما في «سلام» وšlm «ش-ل-م». وفي معجم لين أنّ السَّمْن يدفع السموم كلّها، وينقّي القروح الخبيثة، وينضج الأورام، ويذهب بالكَلَف والنَّمَش من الوجه إذا طُلي به. فإشمون على هذه القراءة صاحب الدهن الذي يشفي، وهي قراءة المقالة الكنعانية: «السمن والدهن والزيت العطري المستخدم في الشفاء».

الجذر اللغوي

إشمون و«السَّمْن»

الصيغة النطق الموقع
ʾšmn «ء-ش-م-ن» إِشْمُون الفينيقية والبونية
ia-su-mu-nu «يَسُومُونُ» يَسُومُون الأكدية، معاهدة أسرحدّون مع بعل ملك صور
Ἔσμουνος / Esmounos «إِسْمُونُوس» إسمونوس اليونانية، عند دمسكيوس
šmn «ش-م-ن» شَمْن الأوغاريتية: الزيت؛ واسم معبود في نصوص الطقوس في أوغاريت وابن هانئ
שֶׁמֶן šemen «شِمِن» شِمِن العبرية: الزيت والدهن
سَمْن سَمْن العربية: السمن، ومنه «سَمِن» و«سَمِين»
ṯmn «ث-م-ن» ثَمانِ الأوغاريتية: العدد ثمانية

الهمزة في أوّل الاسم همزة يُبدأ بها حين يبدأ اللفظ بساكنين، ولذلك تتبدّل في الكتابات الأخرى: يكتبها الأشوريون ياءً، ويكتبها الإغريق حرف علّة. ويبقى الأصل ثلاثة أحرف: شين وميم ونون. والشين الكنعانية تقابلها السين العربية في هذه الكلمة كما تقابلها في «سلام» و«سمع»، فـšmn «ش-م-ن» هو «سمن». وفي معجم لين: «سَمِنَ» صار سميناً كثير اللحم والشحم، و«السَّمْن» ما يُخرج من الزبد أو اللبن، و«سَمِنَ البُرّ» امتلأ حبّه، و«أرض سمينة» طيّبة التربة تنبت النبات، ويصف لين السمن دواءً يُطلى به للسموم والقروح والأورام. فالمادّة تجمع الدهن والامتلاء والصحّة.

ويشرح ليبينسكي، كما ينقل ريبيكيني، طريق المعنى: الزيت، ثم الذي يدهن به، ثم الذي يشفي، وكان اللفظ صفة ثم صار لقباً لمعبود صيدا ثم اسماً له. ويستشهد بكلمة عبرية نادرة في إشعياء 59:10، bāʾašmannîm «بَاأَشْمَنِّيم»، يقرؤها «بين الشافين»، وباسم نبات عند ديوسكوريدس معناه «عشبة الصحّة». ويشهد للزيت أيضاً أنّ معبوداً اسمه šmn «ش-م-ن» يُذكر في نصوص الطقوس في أوغاريت، ولعلّه سابق لإشمون.

قراءة «الثامن»

يجعل فيلون الجبيلي أسكليبيوس الأخ الثامن للكابيري، أبناء صادق السبعة، ويعرف دمسكيوس هذا التفسير، فيقرآن الاسم من العدد ثمانية، وهو في العبرية šəmōneh «شِمُونِه». والعدد في العربية «ثمانية» بالثاء، وفي الأوغاريتية ṯmn «ث-م-ن» بالثاء أيضاً، والزيت فيها šmn «ش-م-ن» بالشين، فالكلمتان مختلفتان في الأصل. أمّا الفينيقية فجمعت الثاء والشين في حرف واحد، فصارت الكلمتان فيها تُكتبان بالحروف نفسها، ومن هنا جاء تفسير «الثامن». واسم المعبود الأوغاريتي السابق مكتوب بالشين، فهو من الزيت. وتذكر المقالة الكنعانية «دهن» إلى جانب «سمن» في معنى الشفاء، وهو الفعل نفسه بلفظ آخر.

السرديات الأسطورية الرئيسة

إشمون خارج صيدا

يأتي اسم إشمون منذ القرن الثامن قبل الميلاد في سوريا وفلسطين وقبرص ومصر وقرطاج وغيرها من مدن الفينيقيين. وأوّل ذكره المؤكّد في معاهدة أسرحدّون ملك آشور مع بعل ملك صور، في القرن السابع، مع ملقرت، ويُرمَّم اسماهما معاً في معاهدة أقدم بين آشور نيراري الخامس وملك أرفاد. وفي كيتيون في قبرص يُذكر مع ملقرت، وفي قرطاج مع عشتروت. وفي أسماء الناس «عبد إشمون» وغيره.

الثامن في رواية فيلون

يقول فيلون الجبيلي إنّ صادق، أي «العادل»، وُلد له من إحدى بنات كرونوس أسكليبيوس، وإنّ أبناء صادق السبعة، الكابيري، وأخاهم الثامن أسكليبيوس، هم الذين كتبوا أخبار الآلهة كما أمرهم تاووت. فإشمون في هذه الرواية أخو الكتبة الأوائل، وهو من نسل العادل.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الكنعانية إشمون إلهاً للشفاء والتجديد، يرتبط بالسوائل الحيوية وبالينابيع المعدنية الشافية، وتقول إنّ النساء خاصّة كنّ يعبدنه طلباً للشفاء، وتجعله مثالاً للطبّ بين وظائف المجتمع في الأسماء الكنعانية: الملك في ملقرت، والصنعة في كوثر، والشفاء في إشمون.

وفي الشواهد يقوم الشفاء على شيئين يعرفهما الناس في حياتهم: ماء النبع الذي قام عنده المعبد، والدهن الذي يُطلى به الجسد. ويدخل الملك في هذا: الملك أشمون عزر يبني البيت للمعبود عند النبع، ويحمل اسمه، ويطلب في نقشه ألّا يُنقل جسده من مرقده. ويصل الدعاء بالشفاء: المريض يرفع صوته، والمعبود يسمع، والإهداء يُكتب بعد الشفاء شكراً، وهي الصيغة نفسها التي نجدها على نصب ملقرت في مالطة وعلى شواهد تانيت: «لأنّه سمع صوته».

التوازيات عبر الحضارات

قصّة بيروت قريبة من قصّة أدونيس: فتى صيّاد جميل تحبّه ربّة كبيرة، ويموت شابّاً، فتحزن عليه. ويختلفان في الموت والعودة: أدونيس يقتله خنزير ويُندب كلّ عام، وإشمون يقطع ذكورته هرباً من الربّة، ثم تحييه وتجعله إلهاً. وقد جمع الباحثون الاثنين منذ زمن، وعيد ملقرت الذي يُوقَظ فيه المعبود من الباب نفسه، فالثلاثة في الموت والعودة. وتسوية إشمون بأسكليبيوس تصله بـأبولّون أبي أسكليبيوس عند الإغريق، والرجل الصيداوي عند باوسانياس يقرأ هذه الأبوّة شمساً تعطي الهواء صحّته.

وفي اليابان يضع الكامي الصغير سوكونابيكونا مع أوكونينوشي طرق علاج الأمراض للناس والبهائم، ويُذكر في «الفودوكي» مع الاستشفاء بالينابيع الحارّة، فهو معبود شفاء جاء من البحر ثم رحل إليه، في صفحة سوكونابيكونا.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. ريبيكيني، «إشمون»، معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، ص 306–308.

  2. اللوفر، تابوت أشمونعزر، ونصب مالطة، ومعاهدة أسرحدّون مع بعل ملك صور.

  3. باوسانياس، «وصف اليونان» 7.23.7–8، ويوسابيوس، «الإعداد للإنجيل» 1.10.

  4. معجم لين، سمن، ومعجم الأوغاريتية.

  5. ريبيكيني، «إشمون»، معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، ص 307