هيروكو

ملخص

هيروكو أوّل ولد ولدته إيزانامي من إيزاناغي في أساطير اليابان، ولد كالعلقة، وضعه أبواه في قارب من القصب وتركاه يجري مع الماء، ولم يعدّاه من أولادهما. ثم صار في العصور الوسطى يُعبد باسم إِيبِيسُو، كامي الصيّادين والرزق.

يروي «كوجِيكي» أنّ الزوجين نزلا إلى جزيرة أونوغورو وأقاما عموداً سماوياً، ثم اتّفقا أن يدورا حوله، هي من اليمين وهو من الشمال، ويلتقيا. فلمّا التقيا تكلّمت هي أوّلاً: ما أجمله من رجل! وتكلّم هو بعدها: ما أجملها من امرأة! ثم قال لها: تكلّمت المرأة أوّلاً، وهذا ليس حسناً. ومع ذلك اجتمعا، فكان الولد الذي ولدته علقة، فوضعاه في قارب من القصب وتركاه يمضي مع الماء. ثم ولدت جزيرة أواشيما، ولم تُعدّ هي أيضاً من أولادهما. فصعدا إلى كامي السماء يسألان، فأُجريت القرعة، فقالوا: لأنّ المرأة تكلّمت أوّلاً لم يصلح الأمر، فانزلا وتكلّما من جديد. فدارا مرّة ثانية وتكلّم هو أوّلاً، فولدت الجزر واحدة بعد أخرى.

ويضعه «نِيهُون شُوكِي» في موضع آخر. ففي متنه ولد الزوجان الجزر والجبال والأنهار والشجر، ثم قالا: لِمَ لا نلد من يكون سيّد ما تحت السماء؟ فولدا الشمس ثم القمر، ثم ولدا هيروكو، فبلغ الثالثة ولم يقدر أن يقف، فوضعاه في قارب السماء المصنوع من خشب الكافور الصخري، وتركاه للريح، ثم ولدا سوسانو. وفي رواية أخرى من الكتاب نفسه جاء هيروكو بعد الشمس والقمر، وكان سبب ولادته على هذه الصورة أنّ المرأة سبقت بالكلام حين دارا حول العمود فاختلّت سنّة الذكر والأنثى، فوُضع في قارب الطير المصنوع من خشب الكافور الصخري وتُرك للتيّار.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الخلق يحتاج إلى ترتيب، وأنّ ما وُلد قبل أن يستقيم الترتيب لا يأخذ صورة. تكلّمت المرأة قبل الرجل، فجاء الولد الأوّل كالعلقة لا قوام له، وجاءت الجزيرة بعده رغوة لا تصلح أرضاً، فلم يُعدّا من الأولاد. ويرى ناشرو «كوجيكي» في كوكوغاكوين، مع كونوشي وياماغوتشي، أنّ «ولد العلقة» صورة لشيء لا شكل له لم يقدر أن يصير جزيرة. فأُعيد إلى الماء الذي خرجت منه الأرض. والماء الذي حمله لم يُضيّعه: فقد صار هيروكو بعد قرون كامي الرزق الذي يأتي من البحر.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالتين لا تقرآنه: يُكتب في «كوجيكي» 水蛭子 «هِيرُوكُو»، أي ولد علقة الماء. وكانت الهاء في هذه الكلمات حرفاً شفوياً في اليابانية القديمة، فالمدوّنة الأكاديمية لليابانية القديمة تكتب hiru «هِيرُو»، أي النهار، piru «بِيرُو»، وتكتب اسم أماتيراسو الآخر هيرومه pirumye «بِيرُومْيِه»، فكان الاسم يُنطق نحو pirukwo «بِيرُوكْوُو». فنقرؤه من «فَرْخ» العربية: الفاء أخت الباء في الشفتين، والراء راء، والخاء تصير كافاً. وفي معجم لين: الفرخ ولد الطائر، و«فرّخ الزرعُ: أخرج فروخه»، أي شطأه الصغير، و«فرّخ القومُ: ضعفوا فصاروا كالفراخ». فهيروكو على هذه القراءة الفرخ الضعيف: الولد الأوّل الذي لم يقف على قدميه، والفرع الذي لم يصر أرضاً. وللعلقة في العربية اسمها، «العَلَق»، ومعناه في معجم لين الدود الأسود أو الأحمر الذي يكون في الماء ويمصّ الدم، والعلقة أيضاً الدم الجامد الذي يكون منه الجنين قبل أن يصير مضغة، وهو معنى قريب جدّاً من ولد لم يتمّ خلقه، لكنّ عينه لا تقابل الحرف الشفوي في أوّل الاسم الياباني القديم.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق الموضع
水蛭子 هِيرُوكُو «كوجيكي»: ولد علقة الماء
蛭児 هِيرُوكُو «نيهون شوكي»
*pirukwo بِيرُوكْوُو النطق المقدّر في اليابانية القديمة، على كتابة المدوّنة لـpiru «بِيرُو» وkwo «كْوُو»
蛭子 إِيبِيسُو قراءة متأخّرة للعلامتين نفسيهما حين صار هيروكو إيبيسو

يرى موتوري نوريناغا أنّ hiruko «هِيرُوكُو» ليس اسماً، وإنّما وصف لولد يشبه العلقة: إمّا بلا ذراعين ولا ساقين، وإمّا بأطراف ذابلة كما يقول «نيهون شوكي» إنّه لم يقف في الثالثة. ويرى ماتسومورا تاكيو، ومن قبله تاكيزاوا باكين، أنّ hiru «هِيرُو» هنا النهار أو الشمس، فيكون الاسم «ولد الشمس» في مقابل هيرومه «امرأة الشمس»، وهو اسم أماتيراسو في «نيهون شوكي»، ويستدلّون بأنّه وُلد في المتن بعد الشمس والقمر، وبأنّ قارب الكافور الصخري من مراكب كامي السماء. وتعترض قاعدة كوكوغاكوين بأنّ «نيهون شوكي» نفسه يكتب الاسم بعلامة العلقة، ويصفه بأنّه لم يقف. ويربطون الاسم بالكلمة اليابانية القديمة hirumu «هِيرُومُو»، أي العجز عن المشي، وفي لهجات أوكيناوا biru «بِيرُو» لمن لا تحمله ساقاه.

وفي معجم لين من مادّة «فرخ»: «أفرخت الطائرة وفرّخت: صار لها فرخ»، و«أفرخت البيضة: انفلقت عن الفرخ فخرج منها»، و«فرّخ الزرعُ: تهيّأ للانشقاق حين طلع، أو أخرج فروخه»، و«الفرخ: كلّ فرع أو فسيلة تخرج من أصل النبات أو الشجر»، و«فرّخ القوم: ضعفوا فصاروا كالفراخ»، ويُذكر في المادّة أيضاً أنّ الفراخ دود يكون في العشب. والمقابلة الصوتية على هذا النحو: الفاء تقابل p «پ» الشفوية في النطق القديم، وهي في جدول مشروع جذور تصير f أو p؛ والراء راء؛ والخاء تصير كافاً، كما تصير في الجدول h أو g أو k. فتجتمع الحروف الثلاثة بترتيبها. ويبقى على هذه القراءة أنّ ko «كُو»، أي الولد، كلمة يابانية قائمة بنفسها، والقراءة تأخذها حرفاً من الجذر.

وفي معجم لين من مادّة «علق»: «العلق: دود أسود أو أحمر يكون في الماء، يمصّ الدم، ويُعلَّق على الحلق والأورام ليمصّ دمها، وواحدته علقة»، و«العلق: الدم الجامد، والعلقة القطعة منه، أو المنيّ إذا صار دماً جامداً، ثم يصير بعد ذلك مضغة». فالعربية تسمّي العلقة باسم يقابل معنى hiru «هِيرُو» تماماً، و«كوجيكي» يكتبها «علقة الماء» كما يقول لين إنّها تكون في الماء. لكنّ «علق» تبدأ بعين، والعين في مقابلات مشروع جذور تسقط في الغالب وقد تصير هاء، ولا تصير حرفاً شفوياً، فهي تلتقي بالاسم في المعنى ولا تلتقي بأوّل حروفه القديمة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

من العلقة إلى إيبيسو

يقول أستون في حاشيته على «نيهون شوكي» إنّ العلقة جُعلت في العصور اللاحقة هي إيبيسو، ويضع في ترجمته صورة يابانية لولد العلقة في هيئة إيبيسو. وتقول موسوعة الشنتو إنّ إيبيسو كامي حارس لأهل البحر وواحد من الكامي السبعة للحظّ الحسن، وتقول قاعدة كوكوغاكوين إنّه منذ العصور الوسطى يُعبد كامياً للرزق في مزار نيشينوميا وفي أماكن كثيرة. وقبل ذلك، في عصر هييان، نظم الشاعر أوئي نو أساتسونا في مجلس قراءة «نيهون شوكي» بيتاً يرثي فيه له: ألا يرحمه أبوه وأمّه؟ ولد العلقة بلغ الثالثة ولم تحمله ساقاه. وهذا الطور المتأخّر لا يعرفه «كوجيكي» ولا «نيهون شوكي».

القارب

يقول ناشرو «كوجيكي» في كوكوغاكوين إنّ الشرّاح اختلفوا في قارب القصب: قال بعضهم قارب من ورقة قصب واحدة، وقال غيرهم قصب مشدود بعضه إلى بعض. ورأى بعضهم أنّ القصب كان يُعتقد أنّه يطرد الوباء والشرّ، فيكون القارب لطرد ما لا يصلح، كما تُرسل الحشرات المؤذية إلى البحر في قوارب من أوراق الشجر في بعض العادات، ورأى سايغو نوبوتسونا أنّ ashi «آشِي»، أي القصب، تُسمع كـashi «آشِي»، أي السيّئ. وأمّا قارب الكافور الصخري في «نيهون شوكي» فهو من مراكب كامي السماء، ولذلك جعله أصحاب قراءة «ولد الشمس» قارب الشمس. ويذكر أستون أنّ القارب يذكّر بخبر سرجون الأكدي وتابوت القصب، وبموسى طفلاً.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة اليابانية في هذا المشروع خلق الجزر قراءة في نشأة الأرض: القطرات التي تتجمّد حمم تبرد في الماء، والجزر التي تولد واحدة بعد أخرى سلسلة الجزر البركانية. ولا تذكر المقالة هيروكو، لكنّه على قراءتها الولادة التي لم تصر أرضاً: مادّة خرجت من الماء ولم تتماسك فعادت إليه. وتضع المقالة السامية الزوجين إلى جانب آدم وحوّاء، وتجعل في قصّتهما خطأ في أوّلها. وفي «كوجيكي» يظهر الخطأ أوّل مرّة هنا: كلام المرأة قبل الرجل، وثمرته العلقة. وتذكر قاعدة كوكوغاكوين أنّ في أساطير جنوب شرق آسيا وجنوب الصين أخاً وأختاً ينجوان من الطوفان فيتزوّجان، فيكون ولدهما الأوّل ناقص الخلقة أو قطعة لحم، وأنّ بعض الدارسين يضعون هيروكو في هذا النوع، ويعترض آخرون بأنّ الناس في تلك الأساطير يخرجون من الولد الأوّل، وهيروكو لا يخرج منه أحد.

التوازيات عبر الحضارات

في «إنكي ونِنْماح» السومرية تصنع ننماح من الطين بشراً ناقصين، أوّلهم رجل لا يقدر أن يثني يديه الضعيفتين، فيجد لكلّ منهم إنكي عملاً وخبزاً. ثم يصنع إنكي كائناً اسمه أومول، رأسه مريض وعيناه وعنقه، وعموده الفقري ورأسه مخلوعان، وورِكاه ضعيفان وقدماه مرتعشتان لا تحملانه، فتقول ننماح: هذا الذي صنعته لا حيّ ولا ميّت. وفي القصّتين ولادة أولى لم تتمّ، وكائن لا تحمله قدماه، ويفترقان في أنّ إنكي وننماح يبحثان له عن موضع بين الناس، وأنّ إيزاناغي وإيزانامي يُرسلانه مع الماء.

ووضع أكريسيوس ابنته داناي وطفلها برسيوس في صندوق ورماه في البحر، فبلغ الصندوق جزيرة سيريفوس، فأخذ ديكتيس الطفل وربّاه. وهيروكو طفل آخر يُلقى إلى الماء، لكنّه لا يرجع بطلاً، وإنّما يرجع بعد قرون كامي رزق يأتي من البحر.

وخطأ الترتيب في دوران الزوجين حول العمود من صور الزواج المقدّس، والولد الذي لم يتمّ خلقه يقف إلى جانب البشر الناقصين في خلق الإنسان، والجزيرة التي لم تتماسك تعود إلى الماء الأوّل، وهيروكو بعد ذلك من الكامي الذين يعبدهم أهل البحر.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «كوجيكي»، الفصل 4، ترجمة كوكوغاكوين ودراساتها.

  2. «نيهون شوكي»، ترجمة أستون، ص 15 وص 19 وص 20–21.

  3. قاعدة أسماء كوكوغاكوين، هيروكو، وموسوعة الشنتو، هيروكو.

  4. مدوّنة أكسفورد ونينجال لليابانية القديمة.

  5. «إنكي وننماح»، وأبولودوروس، «المكتبة» 2.4.1.

  6. معجم لين، فرخ وعلق.