ملخص
سرجون ملك أكد، المدينة التي بناها في وسط بلاد الرافدين نحو سنة 2300 قبل الميلاد، وأوّل ملك جمع مدن سومر وأكد كلّها تحت حكم واحد. ويكتب اسمه في نقوشه بالأكدية šar-ru-GI «شَرُّو-كِين»، وكانت ابنته إنخيدوانا كاهنة نانّا في أور.
ويروي سرجون ولادته بلسانه في نصّ أكدي نُسخ في مكتبة آشوربانيبال: أنا سرجون، الملك القويّ، ملك أكد. أمّي كاهنة عليا، وأبي لا أعرفه، وإخوة أبي يسكنون الجبال، ومدينتي أَزُوبِيرانو على شاطئ الفرات. حملت بي أمّي الكاهنة وولدتني في السرّ، فوضعتني في سلّة من القصب، وسدّت بابها بالقار، وألقتني في النهر فلم يعلُني، فحملني النهر إلى أَقِّي ساقي الماء. فانتشلني أقّي حين غمس دلوه، وربّاني ابناً له، وجعلني بستانيّاً له. فلمّا كنت بستانيّاً أحبّتني عشتار، فملكت. ثم يعدّ ما صنع في ملكه، ويدعو كلّ ملك يأتي بعده أن يصنع مثل ما صنع.
وتعرف القصّة السومرية وجهاً آخر من صعوده. كان أور-زبابا ملكاً على كيش، وقد قضت الآلهة بزوال ملكه، وكان سرجون ساقيه الموكّل بخزانة الشراب، وإنانا لا تفارقه. فرأى سرجون في منامه إنانا تُغرق أور-زبابا في نهر من دم، فلمّا قصّ رؤياه خاف الملك، فأمر أن يُلقى سرجون في قالب الصبّ في معبد إي-سيكيل، فوقفت إنانا في باب المعبد وقالت إنّ البيت مقدّس لا يدخله من تلطّخ بالدم. ثم أرسله الملك إلى لوغال-زاغيسي ملك أوروك بلوح من طين يأمر فيه بقتله. ويقول ثبت الملوك السومري: في أكد صار سرجون ملكاً، وكان أبوه بستانيّاً، وكان ساقي أور-زبابا، وهو الذي بنى أكد، وملك ستّاً وخمسين سنة.
ويقول سرجون في نقشه إنّه حارب أهل أوروك فهزمهم وهدم سورها، وأسر لوغال-زاغيسي ملكها في معركة، فوضع في عنقه الخشبة وساقه إلى باب إنليل، ثم أخذ المدن حتى البحر وغسل سلاحه في مائه، فأعطاه إنليل البلاد من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل. ويقول أيضاً إنّه سجد لـداجان في توتول فأعطاه البلاد العليا حتى غابة الأرز.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الملك الذي لا نسب له يأخذ الشرعية من غير الأب. فالطفل الذي أُلقي في النهر بلا أب يعرفه، ثم ربّاه ساقي ماء وجعله بستانيّاً، صار ملكاً بحبّ عشتار، والساقي الذي أراد ملكه قتله نجا بإنانا، والمنتصر يقول إنّ إنليل أعطاه البلاد وداجان أعطاه الجبال. وعلى هذا يقوم اسمه، فليس فيه اسم أب ولا اسم معبود، وإنّما فيه دعوى: «الملك الثابت الحقّ». وقد عرف الأدب بعده أنّ هذه الشرعية تُعطى وتُسترد، ففي «لعنة أكد» يعطي إنليل الملك لسرجون، وتبني إنانا المدينة، ثم تتركها في عهد حفيده نرام-سين حين يعتدي على معبد إنليل، فتلعن الآلهة أكد فتخرب.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا. Šarru-kīn «شَرُّو-كِين» كلمتان: šarru «شَرُّو» الملك، وواوه في آخره علامة الرفع في الأكدية، فإذا سقطت بقي šarr «شَرّ»، وkīn «كِين» من kânu «كانُو»، ثبت ودام وصدق. والجزء الثاني من الأصل الذي في العربية «كان» و«الكَوْن» و«التكوّن»، وفي العبرية kûn «كُون» ثبت واستقام، فالجذر واحد في الأخوات الثلاث، والمعنى في الأكدية الثابت والحقّ، ويقال للابن الشرعي وللملك الشرعي. وأمّا šarru «شَرُّو» فتعطيه المقالتان الفارسية والكنعانية معنى الملك، ولا تقرآنه في العربية. ونقرؤه قراءةً مقترحة على المنهج «السَّرِيّ» و«السَّراة»: والسَّرِيّ في معجم لين الرجل الذي جمع الكرم إلى المروءة وعلوّ المنزلة، قيل من «استريت الشيء» أي اخترته، والسَّراة أعلى كلّ شيء وظهره. فالاسم على هذه القراءة «السَّرِيّ الكائن»، الشريف المختار الثابت، وهو ما يحتاج إليه رجل لا يعرف أباه.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| šar-ru-GI | شَرُّو-كِين | النصّ الأكدي من نقش سرجون، وGI علامة كِينُو |
| sar-um-GI | شَرُّم-كِين | النصّ السومري من النقش نفسه |
| Šarru-kīn | شَرُّو-كِين | الاسم بالحروف الأكدية |
| סַרְגוֹן | سَرْجُون | العبرية، لسرجون الثاني ملك آشور، ومنها الاسم الشائع |
كِين و«كان»
في المعجم الأكدي kânu «كانُو» ثبت ودام وصدق، يقال للبيت والأرض والملك والأساس، وفي الصيغة المضعّفة ثبّت الأساس والملك. والصفة kīnu «كِينُو» الدائم والصادق، ويقال للابن الشرعي وللحاكم الشرعي، وتُكتب في أسماء الأعلام بالعلامة GI، كما تُكتب في اسم سرجون. والحروف: الكاف كاف، والواو التي في وسط الجذر تصير ياءً طويلة في الصفة كما في العربية «قام» و«قِيام»، والنون نون. وفي معجم لين «كان» فعل الكون، و«تكوّن» حصل له وجود، و«استكان» خضع. وفي العبرية kûn «كُون» ثبت، ومنه nākôn «ناكون» الثابت الصحيح. فهذا الجزء من الاسم يجتاز الاختبارات الأربعة: الصيغة مشهودة في نقش الملك نفسه، والحروف تتقابل بلا تبديل، والمعنى في لين حاضر في «الكون» والثبوت، والقصّة قصّة ملك يحتاج أن يُقال له إنّه ثابت حقّ.
شَرُّو و«السَّرِيّ»
في المعجم الأكدي šarru «شَرُّو» الملك، من المعبودات والبشر، والملك العظيم، وملك البلد والمدينة، ويقال أيضاً لأجود صنف من الثياب، وللمحبوب. وتقول المقالة الفارسية إنّ الفارسية šahr «شَهْر»، المدينة، من الأكدية šarru «شَرُّو»، لأنّ المدينة مكان الملك، وتضع المقالة الكنعانية šarru «شَرُّو» بجانب «مَلِك» في الكلمة السامية للملك. ولا تقرأ واحدة منهما الكلمة في العربية. ونقرؤها قراءةً مقترحة على المنهج «السَّرِيّ»: في معجم لين «سَرُوَ» صار ذا سخاء ومروءة، أو ذا مروءة وشرف وعلوّ منزلة، و«السَّرِيّ» صاحب ذلك، قيل من «استريت الشيء» اخترته، وقيل من «السَّراة» أعلى الشيء، و«السَّراة» أيضاً جمع السَّرِيّ. والشين الأكدية تقابل السين العربية في جدول التحوّلات الصوتية في هذا المشروع. فالاختبارات: الصيغة مشهودة، والسين والراء متقابلتان، والمعنى في لين علوّ المنزلة والاختيار، ويلتقي بمعنى «أجود صنف» في الأكدية، والقصّة قصّة رجل اختارته عشتار. وموضع الضعف أنّ العبرية تكتب śar «سَر»، الأمير والرئيس، بالحرف الذي تقابله جداول المقارنة المعتادة بالشين العربية، وأنّ الراء في الأكدية مضعّفة والجذر العربي آخره واو.
الساقي وساقي الماء
وفي قصّته كلمتان أكديّتان تُقرآن في العربية حرفاً حرفاً. كان سرجون في القصّة السومرية ساقي الملك، وهو في الأكدية šāqû «شاقُو»، «الذي يسقي»، الساقي وصاحب الشراب، وهو «ساقٍ» من «سقى». وكان أقّي الذي انتشله dālû «دالُو»، ساقي الماء بالدلو، من dalû «دَلُو» الدلو، وفي معجم لين «دلا الدلو» أخرجها من البئر ملأى. فالرجل الذي انتشل الطفل من النهر انتشله بالدلو التي سُمّي بها.
السرديات الأسطورية الرئيسة
إنانا وأكد
تبدأ «لعنة أكد» بأنّ إنليل، بعد أن أسقط كيش وأوروك، أعطى سرجون ملك أكد السيادة من الجنوب إلى الجبال، فجعلت إنانا أكد بيتها ووضعت عرشها في معبد أولماش، وملأت مخازنها ذهباً وفضّة ونحاساً، وجاءت إليها السفن من ملوخّا وعيلام وسوبير، والقرود والفيلة في ساحاتها. ثم تأتي أخبار سيّئة من معبد إنليل، فتترك إنانا المدينة وتعطي سلاحها للعدوّ، ويرى نرام-سين، حفيد سرجون، في منامه أنّ إنليل قضى بزوال ملكه، فيجمع جنده ويهدم معبد إنليل في نِفَّر. فتلعن الآلهة أكد: أن تنبت الحشائش في طرقها، وأن يصير ماؤها مالحاً، وأن لا يجد فيها راحةً من يسكنها. وتختم القصيدة: «الحمد لإنانا على خراب أكد». فالمدينة التي بُنيت بحبّ إنانا لسرجون خربت حين تركتها إنانا.
الرسالة التي تحمل القتل
ترسل القصّة السومرية سرجون إلى لوغال-زاغيسي برسالة تأمر بقتله، وتقول إنّ وضع الألواح في أغلفة من الطين لم يكن قد عُرف بعد، فالرسول يحمل حكمه بيده. وينقطع النصّ بعد أن يقرأ لوغال-زاغيسي الرسالة، ويبقى منه أنّ سرجون لا يخضع. وفي نقش سرجون يُساق لوغال-زاغيسي نفسه أسيراً إلى باب إنليل.
القراءة الرمزية
تجمع قصّة سرجون بين الماء والزرع والشراب. يحمله النهر في سلّة، وينتشله ساقي الماء بدلوه، ويجعله بستانيّاً، ثم يصير ساقي الملك، ثم ملكاً تحبّه عشتار. فالرجل الذي يملك السهل كلّه يمرّ بكلّ عمل من أعمال الماء فيه، من النهر إلى البستان إلى الكأس. وقد عدّ ثبت الملوك أباه بستانيّاً، فصار البستان في الروايتين موضع الطفل الذي لا نسب له. وفي الحالين يأخذ الملك اسمه من الثبات والاختيار، لا من الدم، وهذا ما تعرضه صفحة الطفل المنبوذ في قصص الشعوب الأخرى.
التوازيات عبر الحضارات
في روما يأمر أموليوس بإلقاء رومولوس وأخيه ريموس في التيبر، فيترك الخدم السلّة في ماء الفيضان، فترضعهما ذئبة ويربّيهما راعٍ، ثم يقتل رومولوس الملك ويبني مدينة. فالسلّة والنهر والمربّي الفقير في القصّتين، والطفل يعود فيملك.
وفي إيران يُلقى زال على جبل ألبرز لأنّ شعره أبيض، فتربّيه سيمرغ في عشّها، ثم يعود إلى أبيه ويصير أمير سيستان.
وفي اليابان يضع إيزاناغي وإيزانامي ولدهما الأوّل هيروكو في قارب من القصب ويتركانه للماء، ويذكر أستون في حاشيته على «نيهونغي» قصّة سرجون الأكدية وسفينته من الأسل، وقصّة موسى رضيعاً، في هذا الموضع. وتفترق القصّتان في أنّ هيروكو لا يعود في «كوجيكي».
وفي التوراة تضع أمّ موسى ابنها في سفط من البرديّ وتطليه بالحُمَر والزفت وتضعه بين الحلفاء على شاطئ النهر، فتنتشله ابنة فرعون وتربّيه.