ننسون

ملخص

نِنْسُون، ويقرؤها العلماء اليوم نِنْسُومُون، معبودة سومرية معنى اسمها «سيّدة البقر الوحشي»، وهي أمّ جلجامش وزوجة لوغالبندا، ملك أوروك في الأخبار القديمة. تسمّيها الملحمة الأكدية rīmat-ninsun «رِيمَت نِنْسُون»، أي «البقرة الوحشية ننسون»، وتسمّي ابنها «ثور لوغالبندا البرّي.. رضيع البقرة السامية، البقرة الوحشية ننسون».

وأوّل ما تفعله في الملحمة أنّها تفسّر الأحلام. رأى جلجامش في نومه نجوم السماء تظهر، وسقطت عليه منها كتلة كالصخر، فحملها فثقلت عليه، وحاول أن يدحرجها فلم يقدر، واجتمع حولها أهل أوروك يقبّلون قدميها كما يُقبّل الطفل، فأحبّها كما تُحبّ الزوجة، وحملها فوضعها عند قدمي أمّه، فجعلتها أمّه ندّاً له. ثم رأى فأساً ملقاة في سوق أوروك والناس حولها، فصنع بها مثل ذلك. فقالت له ننسون، «وكانت حكيمة عالمة بكلّ شيء»: الصخرة والفأس رجل، رفيق قويّ يأتيك، ينقذ صديقه، تحبّه كما تُحبّ الزوجة، وأنا أجعله ندّاً لك. وكان ذلك إنكيدو، وقد حكت شمحات له هذه الأحلام قبل أن يدخل المدينة.

ثم لمّا عزم جلجامش على قتال خمبابا في غابة الأرز أخذ إنكيدو بيده ودخلا عليها في قصرها إِيگَلْماخ. فسمعت كلامهما حزينة، ودخلت الحمّام سبع مرّات، وتطهّرت بماء الطَّرْفاء ونبات الصابون، ولبست ثوبها وتاجها، وصعدت إلى السطح، فأوقدت البخور أمام شمش ورفعت يديها: لماذا أعطيت ابني جلجامش قلباً لا يهدأ؟ وطلبت منه أن يحرسه في طريقه، وأن يرسل على خمبابا يوم اللقاء الرياح الثلاث عشرة، ريح الجنوب وريح الشمال وريح الشرق وريح الغرب والعاصفة والإعصار وغيرها، حتى يظلم وجه خمبابا ويصل إليه سلاح ابنها. ثم دعت إنكيدو وقالت: «يا إنكيدو القويّ، لست من رحمي، ولكنّي أتبنّاك ابناً»، ووضعت في عنقه شيئاً ضاع اسمه في كسر اللوح. وفي اللوح الخامس أرسل شمش الرياح الثلاث عشرة على خمبابا كما طلبت.

والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّها الأمّ التي تعلم ولا تمنع. تعرف صديق ابنها قبل أن يأتي، وتجعله ندّاً له، ثم تجعله ابناً لها، فالأخوّة بين جلجامش وإنكيدو تمرّ ببيتها. وتعرف أنّ ابنها خارج إلى الخطر فلا تحبسه، وإنّما تصلّي وتسمّي الرياح التي تنصره. وصورة البقرة الوحشية في لقبها صورة أمّ قويّة تحمي صغارها، والملحمة تسمّي ابنها ثوراً وحشياً يرضع منها.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Nin-sun «نِن-سُون» جزآن. nin «نِن» في السومرية السيّدة، وsun «سُون» البقرة الوحشية، وتقرؤها المقالة السومرية من السِّنّ، وأرجح معانيه عندها الثور. وفي تاج العروس: «السِّنّ: الثور الوحشي». فننسون «سيّدة البقر الوحشي» بالسومرية، و«سيّدة السِّنّ» بالعربية، والمعنى واحد. ولقبها الأكدي rīmat «رِيمَت» من الحروف نفسها التي في الرِّئْم العربية، وهو الظبي الأبيض، وفي العبرية reʾem «رِئِيم» الثور الوحشي. ومن المادة نفسها «رَئِمَت الناقةُ ولدَها» إذا أحبّته ولزمته، و«أرأمها» إذا عطفها على ولد ليس ولدها، وهذا ما صنعته ننسون حين قالت لإنكيدو: لست من رحمي، وأتبنّاك.

الجذر اللغوي

الكتابة النطق البيان
ᵈnin-sún «علامة الإله ثم نِن-سُون» نِنْسُون القراءة القديمة للاسم
ᵈnin-súmun «علامة الإله ثم نِن-سُومُون» نِنْسُومُون القراءة التي يرجّحها العلماء اليوم
ᵈnin-súmun-na «نِن-سُومُون-نا» نِنْسُومُونا بأداة الإضافة السومرية: «سيّدةُ البقرِ الوحشي»
rīmat-ninsun «رِيمَت نِنْسُون» رِيمَت نِنْسُون لقبها في الملحمة الأكدية

«السِّنّ»: قراءة المقالة

تقدّم المقالة السومرية أربع قراءات للجزء الثاني: سنّ بمعنى الثور أو القرن الحادّ، وتجعلها الأرجح، ثم سنا بمعنى الضياء والعلوّ، ثم سنّ وسوّن بمعنى سنّ الشرائع، ثم صون بمعنى الحماية. والمعنى السومري يحسم بينها: العلامة SÚN «سُون» هي التي يكتب بها الأكديون كلمة rīmtu «رِيمْتُو»، أي البقرة الوحشية، فالقراءة الأولى هي التي توافق الكلمة. ولا يذكر لين للسِّنّ معنى الثور، ويذكره تاج العروس: «والسِّنّ: الثور الوحشي»، ويستشهد له بقول الراجز. والسين والنون في الكلمتين واحدة.

وحدّ القراءة أنّ العلماء يقرؤون الاسم اليوم نِنسومون، وأنّ الميم في «سومون» لا تقابلها «السِّنّ»، وأنّ معنى الثور في السنّ نادر لم يذكره لين.

«الرِّئْم»: لقبها الأكدي

rīmu «رِيمُو» في الأكدية الثور الوحشي، وrīmtu «رِيمْتُو» البقرة الوحشية، ويسمّي بها النصّ الآلهة لقباً. ويقول معجم براون ودرايفر وبريغز في العبرية reʾem «رِئِيم» إنّه الثور الوحشي، ويقابله بالأكدية والآرامية، ويذكر أنّ العربية تجعله الظبي الأبيض. والهمزة التي في العبرية والعربية سقطت في الأكدية كما تسقط فيها الهمزة عادة، فطالت الكسرة: رِئْم صارت رِيم. وفي معجم لين: الرِّئْم الظبي الخالص البياض، و«رَئِمَت الناقة ولدها» أحبّته ولزمته، و«أرأم الناقة» عطفها على ولد ليس ولدها، و«ترأّمه» ترحّم عليه. فاللقب يجمع الحيوان القويّ والأمومة الحانية معاً.

السياق التاريخي

تظهر ننسون في قوائم الآلهة والنصوص الأدبية منذ عصر فجر السلالات، وتبقى إلى العصر السلوقي. وكانت أكبر مراكز عبادتها في دولة لَگَش، وعُبدت في نيبور وأور وأُمّا. وبنى لها أورنمّو، مؤسّس سلالة أور الثالثة، معبداً في أور اسمه «البيت الجليل»، وتسمّي الملحمة قصرها في أوروك إيگلماخ. وفي متحف اللوفر نقش ناقص من آخر الألف الثالث قبل الميلاد يُظنّ أنّه يصوّرها جالسة على عرش، وعليه اسمها.

وجعلها ملوك أور الثالثة أمّاً لهم، ولوغالبندا أباً، ليكون جلجامش أخاهم. يقول شولگي في نشيده: «أنا طفل ولدته ننسون»، ويحلف في إحدى النسخ «بحياة أبي لوغالبندا المقدّس». وكان الزوجان يُعطيان القرابين في نيبور في أعياد القمر، وظلّا يُعطيانها في أوروك إلى العصر البابلي القديم.

الاسم الصلة بننسون أين تظهر؟
جلجامش ابنها، تفسّر أحلامه وتصلّي له اللوحان الأوّل والثالث
لوغالبندا زوجها، وأبو جلجامش في الملحمة والقصائد اللوح الأوّل 35؛ «جلجامش وخوواوا»
إنكيدو تتبنّاه ابناً اللوح الثالث 120–128
شمش تصلّي له أن يحرس ابنها ويرسل الرياح اللوح الثالث 44–116
شمحات تحكي أحلام جلجامش التي فسّرتها ننسون اللوح الأوّل 297
شولگي ملك أور الذي جعلها أمّه «شولگي أ» 7

السرديات الأسطورية الرئيسة

لوغالبندا

لُوگالْبانْدا زوج ننسون، واسمه في السومرية lugal-banda «لُوگال-بانْدا»: lugal «لُوگال» الملك، وbanda «بانْدا» الصغير أو الفتى، ومن معانيها في المعجم السومري الطفل والشرس أيضاً. وتقرأ المقالة السومرية lugal «لوگال» من «جليل»، فلوغالبندا «الملك الفتى». وفي القوائم السومرية للملوك أنّه «الراعي» ملك أوروك ألفاً ومئتي سنة، وتقول عن جلجامش «أبوه شبح». أمّا الملحمة فتجعل جلجامش «ثور لوغالبندا البرّي»، ويهدي جلجامش قرني ثور السماء ملأى بالزيت «لمسح إلهه لوغالبندا» ويعلّقهما في مخدعه.

وله قصيدتان سومريتان. في الأولى يخرج في جيش إِنْمِرْكار ملك أوروك إلى أَرَتّا، وهو الثامن من إخوته، فيمرض في نصف الطريق، فيصنع له إخوته في كهف من الجبل مأوى كعشّ الطائر، ويتركون عنده التمر والجبن والجعة والبخور وفأسه وخنجره، ويمضون. فيدعو أوتو وإنانا ونانا فيشفونه، ويأكل من نبات الحياة ويشرب من ماء الحياة. ثم يجد نفسه وحده، فيضرب الحجرين حتى يقدح الشرر، ويوقد ناراً تضيء البرّية كالشمس، «ولا يعرف كيف يُخبز الخبز ولا التنّور»، فيخبز عجينه على سبع جمرات. ثم يصيد ثوراً وحشياً وعنزين، وينام فيأتيه معبود الأحلام فيأمره بذبحها قرباناً.

وفي الثانية يجد عشّ الطائر أنزود على «شجرة النسر» التي لإنكي فوق جبل إنانا، فيطعم الفرخ ويزيّنه، فيقضي له الطائر بقوّة الجري، فيلحق بإخوته، ويحمل رسالة الملك إنمركار من أرتّا إلى إنانا في كُولابا، فيبلغها قبل منتصف الليل.

القَسَم بالأبوين

في القصيدة السومرية «جلجامش وخوواوا» يحلف جلجامش لخوواوا مرّة بعد مرّة: «بحياة أمّي ننسون وأبي لوغالبندا المقدّس»، حتى يأخذ منه أنواره. فالأمّ والأب هما ما يُحلف به في هذه القصيدة، والحيلة تمرّ بهما.

التوازيات عبر الحضارات

ثِيتِيس أيضاً أمّ إلهية لبطل يموت. تصعد إلى أوليمبوس وتمسك ركبتي زيوس تطلب الكرامة لابنها، وتخبر أخيل بقدرين ينتظرانه، كما تصعد ننسون إلى السطح تصلّي لشمش وتعلم أنّ ابنها خارج إلى معركة لا يعرفها. وانظر ثيتيس. الإلياذة 1.493–510، 9.410–416.

وتقابل المقالة السومرية ننسون بـحتحور المصرية، البقرة التي هي أمّ الملك، وبـهيرا في صلتها بالبقر. والملك ابن البقرة في الحالتين: شولگي «ولدته ننسون»، وملك مصر ابن حتحور.

ويروي نصّ أدبي من عصر فجر السلالات وُجد في تلّ أبو صلابيخ زواج لوغالبندا وننسون، وهو نصّ صعب الفهم، فهما معبودة وملك يكون الملوك من نسلهما، وهو موضوع الزواج المقدّس. أوراك، ننسومون. ويوقد لوغالبندا النار ويخبز الخبز وحده في الجبل كما يفعل حملة الصنائع، ويجد عشّ أنزود على شجرة إنكي كما في شجرة العالم.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. أوراك، «ننسومون»، نيكول بريش، 2019.

  2. ملحمة جلجامش، الألواح الأوّل والثالث والسادس، نشرة أندرو جورج وترجمته في المكتبة البابلية الإلكترونية.

  3. لوغالبندا في كهف الجبل، ولوغالبندا وطائر أنزود، وجلجامش وخوواوا، وشولگي أ، وقائمة الملوك السومرية، مدوّنة الأدب السومري.

  4. المعجم السومري، بانْدا؛ معجم المكتبة البابلية الإلكترونية، rīmtu «رِيمْتُو»؛ براون ودرايفر وبريغز، «رئيم».

  5. معجم لين، رأم؛ المعاجم العربية، سنن.

  6. الإلياذة 1.493–510 و9.410–416، ترجمة موراي.

  7. 9.410–416