جمشيد

ملخص

جمشيد ملك العصر الأوّل في أخبار الفرس، وأتمّ رواية لقصّته في «الشاهنامه»، أي كتاب الملوك، الذي نظمه الفِرْدَوْسي. بدأ جمشيد ملكه بالصنعة: أمر بصنع السلاح والدروع، وعلّم الناس الغزل والخياطة، وقسمهم بحسب أعمالهم، وبنى بالآجر والحجر، وطلب الطيب والدواء. ثم رفعت له الشياطين عرشاً مرصّعاً، فاجتمع الناس في ذلك اليوم وسمّوه نوروز. وحكم سبعمئة سنة، ثم جمع الكبراء وقال لهم إنّ الطعام والكسوة والأمن والشفاء كلّها جاءت منه. ففارقه المجد الملكي وتفرّق عنه الناس، وأخذ ضحاك الملك، وظلّ جمشيد هارباً مئة سنة حتى وجده ضحاك عند بحر الصين فشقّه نصفين بالمنشار.

ولجمشيد صورة أقدم في الأفستا «أَڤِسْتا»، كتاب الزرادشتيين، حيث اسمه ييما. في «ڤنديداد» «ڤِنْدِيداد» يوسّع ييما الأرض كلّما ضاقت بأهلها، ثم يأمره أَهُورا مَزْدا ببناء حظيرة يحفظ فيها الناس والماشية والبذور والنار من شتاء مهلك.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الملك يجمع عمل الناس ثم ينسبه إلى نفسه. فما صنعه جمشيد صنعته أيدٍ كثيرة: حدّادون ونسّاجون وبنّاؤون وطالبو دواء، وكان عمله أن ينظّمهم. فلمّا قال إنّ ذلك كلّه منه وحده سقط. ومن هذا السقوط يبدأ ما بعده: ملك ضحاك الذي يأكل أبناء الناس، ثم كاوه الحداد الذي يرفع مئزر الصنعة راية عليه، ثم فريدون الذي يقيّده.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Jamšēd «جَمْشيد» اسم مركّب، ويُسمّى صاحبه أيضاً «جم» وحده. فالجزء الأوّل «جَمّ»، وهو في لسان العرب الكثير المجتمع من كلّ شيء، ومنه «حُبّاً جمّاً». والجزء الثاني «شيد» من «شيّد»، وتشييد البناء إحكامه ورفعه. فجمشيد على هذه القراءة «الباني العظيم»، وهو بالضبط ما تجعله القصّة: الملك الذي جمع الناس وأقام البناء الأوّل.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق الموضع
Yima xšaēta «ييما خْشايْتا» الأفستا
Yama «يَما» الڤيدا الهندية
Jam, Jamšēd «جَم، جَمْشيد» الفارسية

ييما الأفستي هو يَما في الڤيدا «الڤيدا» الهندية. ويصف نشيد «يَسْنا» 9.4 ييما بأنّه كالشمس في مرآه، ويرد اللقب xšaēta «خْشايْتا» في سياقات النور والشمس، وهو اللقب الذي صار في الفارسية «شيد»؛ أمّا معناه الدقيق فمختلف فيه.

يقرأ المقال الفارسي في هذا المشروع الاسم «جَمّ» و«شيّد». ففي لسان العرب: «الجَمُّ الكثير المجتمع»، و«تشييد البناء إحكامه ورفعه»، و«الشِّيد» ما طُلي به الحائط من جصّ. والصوامت ج م ش د حاضرة في الطرفين على ترتيبها. ويبقى فرق في الهيئة: العربية تشدّد الميم في «جمّ» والياء في «شيّد»، والفارسية تكتب ميماً واحدة ومدّاً في «شيد»، ولا يفسّر هذا التقسيم الخاء والشين في أوّل xšaēta «خْشايْتا» الأفستي، فهو قراءة للصيغة الفارسية.

ويقارن المقال ييما أيضاً بـ«يَمّ»، البحر، و«يوم»، الزمن. يحفظ اللفظان الياء والميم في أوّله، لكنّ قصّة ييما في الأفستا قصّة أرض توسَّع وحظيرة تُبنى، لا بحر ولا حساب أيّام، فتبقى قراءة «جَمّ» و«شيّد» أقرب إلى ما يفعله صاحب الاسم. وتقرأ صفحة يما الهندية الاسمَ القديم بحرفيه الياء والميم «اليمّ»، فالقراءتان على مستويين: «اليمّ» للصيغة القديمة ييما ويما، و«جَمّ» للصيغة الفارسية «جم» التي صارت ياؤها جيماً.

السرديات الأسطورية الرئيسة

ييما في «ڤنديداد»

يعرض أهورا مزدا على ييما، ابن ڤيڤنهونت «ڤيڤَنْهْوَنْت»، في الفصل الثاني من «ڤنديداد» أن يبلّغ الدين، فيعتذر ييما عن هذه المهمّة ويقبل رعاية العالم وتوسيعه. وبعد ثلاثمئة شتاء تضيق الأرض بالناس والماشية والكلاب والطيور والنيران فيوسّعها، ثم يفعل ذلك بعد ستمئة شتاء، وبعد تسعمئة.

ثم يحذّره أهورا مزدا من الشتاء، ويأمره ببناء الـvara «ڤارا»، وهي حظيرة محكمة طول ضلعها مسافة ركوب. يجري فيها الماء، وتدوم خضرتها وطعامها، وفيها بيوت وشرفات وأفنية. ويحمل إليها ييما بذور خيرة الرجال والنساء، وأزواج الماشية، وبذور الشجر والثمر، والنيران، ولا يدخلها مرض ولا تشوّه ولا فساد: إلى القسم الأكبر بذور ألف، وإلى الأوسط ستمئة، وإلى الأصغر ثلاثمئة. ويذكر النص باباً ونافذة تضيء من ذاتها، ولا يقول أمر البناء نفسه إنّها تحت الأرض؛ جاء هذا التصوّر في شرح المترجم لأنوارها.

السياق التاريخي

لا ترتّب الأفستا ييما ثم أژي دهاكا «أَژي دَهاكا» ترتيباً ملكياً مباشراً. جمع التراث الإيراني اللاحق باني الحظيرة وملك الحرف الساقط في جمشيد واحد، ووضع ضحاك بعده. ولا تتّفق مدد الأخبار: «ڤنديداد» يجعل زيادات الأرض بعد ثلاثمئة وستمئة وتسعمئة شتاء، ويذكر «يَشْت» زمناً آخر يبلغ ألف شتاء، و«الشاهنامه» تعطي جمشيد سبعمئة سنة. كلّ عدد يعمل داخل روايته.

القراءة الرمزية

تحفظ الـvara «ڤارا» البشر والحيوان والبذور والطعام والنار. يختار ييما من يدخلها، ويُجري الماء، ويقيم المساكن، ويؤمّن الغذاء. ويشبّهها المقال الفارسي بمخزن حبوب وسفينة نجاة وملجأ حديث من جهة حفظ الحياة ومؤونتها؛ ولا يعيّن الخبر الأفستي كارثة جليدية مؤرّخة يمكن وصلها بالبرد الأصغر «يَنْغَر دْرَايَس».

التوازيات عبر الحضارات

يحفظ مانو وزيوسودرا الحياة من كارثة في سفينة تتحرّك على الماء، أمّا ييما فيحفظها بإقامة جماعة داخل حظيرة ثابتة. وينقل بروميثيوس مهارة إلى البشر فيعاقَب، أمّا جمشيد فينظّم مهارات البشر ثم يسقط حين يحتكر فضلها. هذه فروق في وسيلة الحفظ وملكية الصنعة، لا أنساب مشتركة بين الشخصيات.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «ڤنديداد» 2، ترجمة النص الأفستي.

  2. «يسنا» 9، ترجمة النص الأفستي.

  3. الفردوسي، «الشاهنامه»، دورة جمشيد.

  4. الموسوعة الإيرانية، «جمشيد: أسطورة جمشيد».

  5. لسان العرب، جمم وشيد.

  6. الشاهنامه، جمشيد 1
  7. جمشيد 4
  8. لين، جمّ
  9. لين، شيّد