إرّا

ملخص

إرّا معبود الحرب والوباء والجوع في بلاد الرافدين. بيته إِيمِسْلام في كُوثَى، وهو بيت نرغال نفسه، وقد قرّب الكتبة بين الاثنين منذ العصر الأكدي حتى صار الاسمان في بعض النصوص اسمين لبطل واحد. أبوه آنو، وزوجته مامي، ولقبه في النصوص «المحارب» و«سيّد الوباء والمقتلة».

وقصّته قصيدة بابلية من الألف الأوّل قبل الميلاد، نحو ستّمئة وستّين سطراً في خمسة ألواح، تُعرف بـ«إرّا وإيشوم»، وتبدأ بمدح إيشوم، صاحبه ونصيره، «المشعل» الذي يمشي أمامه. يرقد إرّا في بيته مع زوجته مامي كرجل لم ينم، متعب الأعضاء، يسأل نفسه: أأقوم أم أنام؟ ويقف حوله السبعة، أبناء آنو من الأرض: جمعهم آنو وقضى لكلّ منهم قدره، فقال للثاني «احترق كالنار والتهب كاللهب»، وللثالث «ليكن وجهك وجه أسد»، وللسابع «أفنِ الحياة كلّها»، ثم سلّمهم إلى إرّا وقال: إذا ثقل عليك ضجيج الناس فهؤلاء سلاحك. فيصيح السبعة بإرّا: لماذا تقعد في المدينة كشيخ أنهكه الكبر، وكطفل في بيت؟ خبز المدينة الكثير لا يعدل الرغيف المخبوز في الجمر، والجعة الحلوة لا تعدل ماء القربة. اخرج إلى الميدان، فإنّ معبودات الأنوناكي لا تنام من ضجيج الناس، وسيوفنا صدئت من قلّة الدم.

فيسرّه كلامهم، ويطلب من إيشوم أن يفتح له الطريق. يشفق إيشوم على الناس ويسأله: لماذا دبّرت الشرّ للمعبودات؟ فيجيب إرّا: «في السماء أنا ثور برّي، وفي الأرض أنا أسد.. في الأجمة أنا النار، وفي الغابة الفأس.. إذا دخلت البرّية سكنت فيها كنرغال.. والناس السود الرؤوس يحتقرونني». ثم يذهب إلى بابل، إلى إِيسَاگِيل، ويقول لـمردوخ: لماذا علا الوسخ صورتك وخفت تاجك؟ فيذكّره مردوخ بأنّه قام مرّة عن عرشه في غضبه فكان الطوفان، وتمزّقت خياطة السماء والأرض، ثم يسأل: أين الصنّاع الذين أنزلتهم إلى الأبسو، وأين شجرة المِيسُو؟ فيعرض عليه إرّا أن يقوم مقامه ويحفظ السماء والأرض حتى يذهب مردوخ ويطهّر ثيابه ويعود. فيرضى مردوخ.

وفي الألواح التالية يشتدّ إرّا ويطلق الحرب. يروي إيشوم ما صنعه مخاطباً إرّا: «أنت»، فيغزو السوتيّون والآراميّون البلاد وتُخرَّب مدن بابل، ويبكي مردوخ مدينته: «ويل لبابل التي صنعت تاجها مورقاً كتاج النخلة، فأحرقته الريح». حتى يهدّئ إيشوم صاحبه. وتنتهي القصيدة بأنّ كاتبها كَبْتِي-إِيلاني-مَرْدُوخ رآها في حلم، أوحاها إليه إرّا، وأنّها علامة منه. ولذلك كُتبت نسخ منها على تمائم، يُرجَّح أنّ أصحابها حملوها لتحفظهم من العنف والخراب.

والفكرة التي تدور عليها القصيدة أنّ الحرق يحكم حين يغيب الحافظ. مردوخ في «إينوما إيليش» يبني العالم وينظّمه، وفي هذه القصيدة يقوم عن عرشه ليصلح صورته، فيقعد مكانه إرّا، فتشتعل الأرض. والدافع الذي يحرّك السبعة هو الدافع الذي حرّك إنليل في «أتراحاسيس»: ضجيج الناس الذي يمنع المعبودات من النوم. ولا يوقف إرّا سلاح، وإنّما كلام إيشوم الذي يروي له ما صنع، ثم القصيدة نفسها التي صارت تميمة يحملها الناس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب Erra «إِرّا» بحرف علّة ثم راء مشدّدة. وقد قرأه جيه جيه إم روبرتس من جذر الحرق السامي، ح-ر-ر، فجعل إرّا «الأرض المحروقة». والحاء تسقط في الأكدية وتترك مكانها كسرة ممالة، كما سقطت العين من «عثتر» فصار Eštar «إِيشْتَر» في صفحة عشتار. فـ«إرّا» هو «حَرّ» العربية: الحَرّ في معجم لين ضدّ البرد، والحَرّة أرض حجارتها سود كأنّها أُحرقت بالنار. وتقرأ المقالة البابلية الاسم من «أرّ» وتشرحه بأنّه اشتدّ حرّه وألهب وأحرق، فمعناها معنى الحاء، والهمزة في قراءتها موضع الحاء التي سقطت. وهو ما تجعله القصيدة: «في الأجمة أنا النار»، و«بابل التي أحرقتها الريح».

الجذر اللغوي

الصيغ المكتوبة

الصيغة النطق التقريبي الموضع
ᵈER₃.RA «إِرّا» إِرّا الكتابة الشائعة في المصادر المتأخّرة
ᵈER₉.RA «إِرّا» إِرّا كتابة أخرى، العلامة نفسها تُقرأ GIR₃ «گِير»
Erra، Irra «إِرّا» إِرّا الصيغتان في كتب الدارسين

يجعل روبرتس الاسم من الجذر السامي ح-ر-ر بمعنى الحرق، ويرى أنّ إرّا كان في الأصل صورة الأرض المحروقة بعد حريق العشب أو الغابة، ثم صار صورة المجاعة التي تتبع إحراق الأرض في الحرب. ويذكر أوراك أنّ هذا الرأي لم يقبله الجميع. والذي يقرّب الاسم من الحاء أمران: أنّ الأكدية تُسقط الحاء والعين وتترك مكانهما كسرة ممالة، فيصير *ḥarr- «حَرّ» err- «إِرّ»؛ وأنّ ألقاب إرّا في النصوص النار والمحارب وإحراق المدن.

وفي معجم لين للجذر العربي ح-ر-ر معنيان يجتمعان في إرّا: الحرّ، أي الحرارة الشديدة، ومنه الحَرّان، العطشان الذي جفّ كبده من الحرّ؛ والحَرّة، الأرض ذات الحجارة السود المتفتّتة كأنّها أُحرقت بالنار. فإرّا على هذه القراءة «الحَرّ» الذي يُحرق، و«الحَرّة» التي يتركها وراءه.

قراءات المقالة

تقدّم المقالة البابلية «أَرَّ» قراءة أولى بمعنى الإحراق والإلهاب. أمّا المعاجم فتجعل لـ«أرّ» معاني أخرى، ولا تذكر فيها النار، فالإحراق الذي تريده المقالة يأتي من ح-ر-ر، والهمزة في «أرّ» هي ما بقي من الحاء في الكتابة الأكدية.

وقراءتها الثانية «عَرّ»: العُرّ في معجم لين الجرب، وعرّت الإبل إذا أصابها الجرب، ويقال عرّ الجربُ البدنَ إذا اعترضه. والعين تسقط في الأكدية وتترك الكسرة نفسها، فالحروف لا تفصل بين الحاء والعين هنا. يرجّح الحاءَ أنّ ألقاب إرّا الأولى الحرب والنار، وتبقى العين قراءة تلائم جانب الوباء فيه. وتذكر المقالة قراءة ثالثة، «هرّ» بمعنى كشّر وعادى، بإبدال الهاء همزة.

«في السماء أنا رئم، وفي الأرض أنا لبوة»

ويقول إرّا في فخره: ina šamê rīmāku ina erṣeti labbāku «إِنا شَمِي رِيماكُو إِنا إِرْصِتي لَبّاكُو»، «في السماء أنا ثور برّي، وفي الأرض أنا أسد». وšamû «شَمُو» هي «سماء»، والسين العربية شين في الأكدية كما في «سلام» وšalāmu «شَلامُو». وerṣetu «إِرْصِتُو» هي «أرض»، والضاد صاد. وrīmu «رِيمُو» هي «رِئْم»، والرئم في معجم لين الظبي الأبيض الخالص البياض، وفي العبرية «رِئيم» الثور البرّي. وlabbu «لَبُّو» هي «لَبُوء»، الأسد في معجم لين، ومنه اللبوة. فالسطر في اللسان العربي «في السماء أنا رئم، وفي الأرض أنا لبوء»، قراءة مقترحة على المنهج، تبقى فيها الحيوانات من جنس واحد وإن تغيّر نوعها بين الفروع.

السياق التاريخي

يظهر إرّا أوّلاً جزءاً من أسماء الأشخاص في جنوب بلاد الرافدين في العصر الأكدي، نحو 2390–2210 قبل الميلاد، ومنذ ذلك العصر يُقرن بنرغال. وفي ترنيمة لإنانا تحمل دعاء للملك أُور-نِنُورْتا يأمر إنليل الملك أن يكون «كإرّا المحارب». وفي الألف الأوّل يظهر في النصوص العلمية والأدبية من العصر الآشوري الحديث إلى العصر السلوقي، وفي فأل أوروك المتأخّر عبارة «إرّا يأكل البلاد» علامةً على وباء قادم. ولا تُعرف له صورة.

الأسرة والصلات

الشخصية الصلة أين ترد؟
آنو أبوه، وأبو السبعة الذين سلّمهم إليه أوراك؛ «إرّا وإيشوم» 1، 28–44
مامي زوجته «إرّا وإيشوم» 1، 20
إيشوم صاحبه ونصيره والراوي الذي يهدّئه «إرّا وإيشوم» 1، 4–14 و100–108
السبعة سلاحه، يحرّضونه على الحرب «إرّا وإيشوم» 1، 23–91
مردوخ يترك له عرشه ليصلح صورته «إرّا وإيشوم» 1، 124–191
نرغال يُقرن به ويشاركه بيت كوثى أوراك؛ الترنيمة ب لنرغال

السرديات الأسطورية الرئيسة

إرّا ونرغال

في «الترنيمة ب» السومرية لنرغال «يستقبل إرّا ملكه» نرغال، فيظهران شخصيتين، وإن كان أوراك يرى أنّ كسور النصّ تترك الأمر مفتوحاً، أمّا الرواية البابلية المتأخّرة لقصّة «نرغال وإريشكيغال» فتستعمل اسم إرّا مكان نرغال. وفي «إرّا وإيشوم» يقول إرّا عن نفسه: «إذا دخلت البرّية سكنت فيها كنرغال». فالشخصيتان تقتربان حتى تتبادلان الاسم، ويبقى لكلّ منهما وجهه: نرغال ملك الموتى في الأسفل، وإرّا المحارب الذي يحرق فوق الأرض.

القصيدة تميمة

تقول خاتمة القصيدة إنّ إرّا أوحاها إلى كاتبها في حلم، وإنّها علامة منه، فصارت لها قوّة الحماية. وكُتبت نسخ منها على تمائم، وترى بسنييه أنّ أصحابها حملوها لتحفظهم من العنف والخراب. فالقصيدة التي تروي غضب إرّا صارت هي نفسها ما يُتّقى به غضبه.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة البابلية «إرّا وإيشوم» على أنّها تقول إنّ الوباء والدمار يعمّان حين يغيب النظام، فإرّا يطلق الخراب على بابل حين يترك مردوخ مكانه. ويقرأ أوراك القصيدة قراءة قريبة: صورة شعرية لانفجار العنف وما يصنعه بالمجتمع، كتبها شاعر عاش، فيما يبدو، غزوات دامية مرّت على بابل بين القرن الثالث عشر والقرن التاسع قبل الميلاد.

والقصيدة تفرّق بين حياتين بوضوح. السبعة يحتقرون المدينة: خبزها وجعتها وقصورها، ويمدحون رغيف الجمر وماء القربة وكوخ الراعي، فالخروج إلى الحرب عندهم «كالعيد» للرجولة. ويستعملون حتى شكوى الناس حجّة للحرب: الفلّاح يبكي أرضه، والراعي لا ينام على قطيعه، والمراعي تدوسها الماشية. ثم تبيّن آخر القصيدة من يدفع الثمن: مدن تُخرَّب، ومردوخ يبكي بابل «التي أحرقتها الريح». فالحرق في القصيدة ما يتركه الجيش وراءه من أرض محروقة وجوع، وهو المعنى الذي يقرؤه روبرتس في الاسم نفسه.

التوازيات عبر الحضارات

تقابل المقالة البابلية إرّا بـرشف الكنعاني، معبود الوباء والحرب، وبسهام أبولو التي ترسل الطاعون، وبـرودرا الهندي، وبـسورت، عملاق النار النوردي. ويشترك إرّا ورشف ورودرا في أنّ الخوف منهم يأتي بالقربان: رشف يُقدَّم له ليمسك سهامه، ورودرا يُدعى أن يصرف سلاحه عن الناس والبقر، وإرّا تُحمل قصيدته تميمةً تحفظ صاحبها. ويقترب إرّا من سورت في النار التي تأكل الأرض، غير أنّ نار سورت في آخر الزمان تحرق العالم كلّه، ونار إرّا تحرق مدن بابل ثم يهدأ.

ومردوخ في القصيدة يتذكّر أنّه قام عن عرشه مرّة فكان الطوفان، وإرّا يتحرّك بالدافع الذي حرّك إنليل إلى الطوفان في «أتراحاسيس»: ضجيج البشر الذي يمنع المعبودات من النوم.

ويقرن المقال البابلي إرّا بسخمت المصرية، العين التي أرسلها رع فقتلت البشر ثم أسكرها بجعة حمراء فرجعت لطيفة، كما يهدّئ إشوم إرّا، واسترضاها أمنحتب الثالث بمئات التماثيل لتقي الملك المرض كما صارت قصيدة إرّا تميمة، في سخمت.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. إرّا وإيشوم، اللوح الأوّل، تحقيق إنريكي خيمينيث وترجمته، المكتبة البابلية الإلكترونية، جامعة ميونخ.

  2. ماري فرانسواز بِسْنييه، «ملحمة إرّا وإيشوم»، مشروع جغرافية المعرفة، أوراك.

  3. روث هوري، «إرّا»، الآلهة والمعبودات الرافدينية، أوراك.

  4. جيه جيه إم روبرتس، «إرّا، الأرض المحروقة»، مجلّة الدراسات المسمارية 24 (1971)، ص 11–16، في فهرس الدراسات المسمارية.

  5. معجم لين، حرّ وعرّ وأرّ ورأم ولبأ.