خضّ المحيط

ملخص

خضّ المحيط قصّة في أساطير الهند يخضّ فيها الآلهة وخصومهم الأسورا المحيطَ معاً ليُخرجوا منه شراب الخلود، الأمريتا. واسمها في السنسكريتية समुद्रमन्थन / samudra-manthana «سَمُدْرَ مَنْثَنَ»، أي خضّ المحيط. وأقدم رواية تامّة لها في الكتاب الأوّل من «المهابهاراتا»، يرويها الراوي سَوْتي جواباً عن سؤال: من أين جاء الفرس أُچَّيْشْرَڤَس الذي تراهنت عليه أمّ غارودا وأختها؟

اجتمع الآلهة على جبل ميرو يطلبون الأمريتا، فقال نارايانا، وهو ڤيشنو، لـبراهما: ليخضّ الآلهة والأسورا المحيط معاً، فتخرج الأمريتا ومعها الأعشاب والجواهر. فاقتلع أنانتا، ملك الحيّات، جبل ماندارا بغاباته وما فيها، وجاء به الآلهة إلى شاطئ المحيط، فقال المحيط: افعلوا، على أن يكون لي نصيب. ورضي ملك السلاحف أن يحمل الجبل على ظهره، ووضعه إندرا عليه. فجعلوا الجبل عموداً للخضّ، والحيّة ڤاسوكي، من الناغا، حبلاً، وأمسك الأسورا برأس الحيّة والآلهة بذيلها، وجعلوا يجذبون. فخرج من فم ڤاسوكي من شدّة الشدّ دخان أسود ولهب صار سحاباً يمطر على الآلهة المتعبين، وتساقطت أشجار الجبل في الماء فاحتكّت فاشتعلت النار، فأطفأها إندرا بالمطر، وماتت حيوانات البحر تحت الجبل. وسالت عصارات الأشجار والأعشاب في الماء فصار الماء لبناً ثم سمناً، ولم تخرج الأمريتا. فتعب الآلهة، فأعطاهم نارايانا قوّة جديدة، فخضّوا مرّة أخرى، فخرج القمر، ثم لاكشمي في ثوب أبيض، ثم السوما، ثم الفرس الأبيض، ثم جوهرة كوستوبها التي تزيّن صدر نارايانا، ثم دَنْڤَنْتَرِي الطبيب يحمل الإناء الأبيض الذي فيه الأمريتا، ثم الفيل أَيْراڤاتا فأخذه إندرا. وفي آخر الخضّ خرج السمّ كالَكوطا، فاشتعل كالنار حتى ذهلت العوالم الثلاثة من رائحته، فابتلعه شيڤا بطلب من براهما لينقذ الخلق، وأمسكه في حلقه، فسُمّي من يومها «أزرق الحلق».

فلمّا رأى الأسورا هذا كلّه أرادوا لاكشمي والأمريتا لأنفسهم، فاتّخذ نارايانا صورة امرأة فاتنة، فذهب عقلهم بجمالها، فوضعوا الأمريتا في يدها، فأخذتها وسقت الآلهة. وجلس بين الآلهة أحد الدانافا، اسمه راهو، في صورة إله، فشرب، فلمّا بلغت الأمريتا حلقه عرفه الشمس والقمر فأخبرا الآلهة، فقطع نارايانا رأسه بقرصه. فصعد الرأس إلى السماء يصيح، وسقط الجسد على الأرض فاهتزّت له الجبال والجزر. ومن يومها بين رأس راهو والشمس والقمر عداوة، فهو يبتلعهما إلى اليوم، وذلك الكسوف والخسوف. ثم اقتتل الآلهة والأسورا على شاطئ البحر المالح، فانتصر الآلهة بقرص نارايانا، ودخل الأسورا في بطن الأرض وفي البحر، وردّ الآلهة ماندارا إلى موضعه، وأعطوا نارايانا إناء الأمريتا ليحفظه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الآلهة لا ينالون الخلود وحدهم. يحتاجون إلى قوّة خصومهم، وإلى صلح بينهم، وإلى جبل وحيّة وسلحفاة وبحر يطلب نصيبه، فالعمل مشترك، والشراب لا يُقسم: تنتهي الهدنة بحيلة، فيأخذ الآلهة الأمريتا ويبقى للأسورا التعب. وكلّ ما يخرج من البحر يخرج من الخضّ نفسه: القمر والجواهر والفرس والفيل والطبيب، والسمّ والدواء معاً. ومن القصّة تخرج قصص أخرى: الفرس الذي تراهنت عليه أمّ غارودا فصارت أَمَة، وحلق شيڤا الأزرق، والكسوف الذي يصنعه رأس راهو. ويُرى فيها كيف تُصنع الأشياء الثمينة في البيت الهندي: يُخضّ اللبن بعمود يُلفّ عليه حبل فيُجذب طرفاه، فيخرج الزبد.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فالمقالتان الهنديّتان لا تقرآن الاسم: manthana «مَنْثَنَ» في معجم مونير وليامز الخضّ، خضّ اللبن ليصير زبداً، وخضّ الأمريتا من البحر، وإيقاد النار بفرك عودين، وفعله math «مَثْ» ويقال manth «مَنْثْ» بنون تدخل في بعض صيغه. فحرفاه الثابتان الميم والثاء المنفوخة، وهما الميم والتاء في «مَتَحَ» العربية. وفي معجم لين: «متح الماء» نزحه، و«متح الدلو» جذب حبلها بيد وأخذه بالأخرى على رأس البئر، و«مَتّ الحبل» مدّه. وهذا عمل الآلهة والأسورا في القصّة: يجذبون حبلاً حيّاً، هؤلاء من طرف وأولئك من طرف، حتى يخرج ما في القاع. والمعنى نفسه في «مَخَضَ» العربية: «مخض اللبن» حرّكه في المِمخضة وأخرج زبده، و«مخض الدلو في البئر» ضربها في الماء لتمتلئ. أمّا samudra «سَمُدْرَ» فمعناه في المعجم مجمع المياه، من sam «سَم»، معاً، وudra «أُدْرَ»، الماء، ونقرأ udra على المنهج «الغدير».

الجذر اللغوي

الصيغة النطق المعنى الموضع
समुद्र samudra سَمُدْرَ مجمع المياه، البحر مونير وليامز
उद्र udra أُدْرَ الماء، وحيوان مائي مونير وليامز
मन्थन manthana مَنْثَنَ الخضّ؛ إيقاد النار بالفرك مونير وليامز
अमृत amṛta أَمْرِتَ غير الميّت؛ شراب الخلود مونير وليامز
मन्दर mandara مَنْدَرَ الكثيف الثابت؛ الجبل الذي صار عمود الخضّ مونير وليامز
कूर्म kūrma كُورْمَ السلحفاة مونير وليامز
राहु rāhu رَاهُ «القابض»، الذي يقبض على الشمس والقمر مونير وليامز
मोहिनी mohinī مُوهِنِي الفاتنة مونير وليامز
مَتَحَ، مَتّ جذب حبل الدلو بيد ويد؛ مدّ الحبل معجم لين
مَخَضَ، المِمْخَضة خضّ اللبن وأخرج زبده؛ وعاء الخضّ معجم لين
الغَدِير ماء يتركه السيل معجم لين

«المَتْح» و«المَخْض»

يقول مونير وليامز إنّ manthana «مَنْثَنَ» إيقاد النار بفرك العيدان، وعصا الخضّ، وهزّ الشيء وتحريكه، وخضّ اللبن ليصير زبداً، وخضّ الأمريتا في «المهابهاراتا». فالفعل الواحد في السنسكريتية يوقد النار ويخرج الزبد: عود يُدار بين اليدين أو بحبل يُجذب طرفاه. وفي معجم لين: «مَتَحَ الماء» نزحه، و«متح الدلو» جذب حبلها بيد وأخذه بالأخرى على رأس البئر، ويقال للإبل «تتمتّح في سيرها» إذا حرّكت أيديها واحدة بعد واحدة كما يحرّك النازح ذراعيه. و«مَتّ الحبل» مدّه، و«متّ» نزح الماء بلا بكرة، و«تمتّى في الحبل» شدّ عليه ليقطعه أو يمدّه. فالميم والتاء في العربية جذب الحبل وشدّه ونزح ما في القاع، والميم والثاء المنفوخة في السنسكريتية الخضّ والإيقاد. وفي «مَخَضَ» معنى الخضّ نفسه بغير حروفه: «مخض اللبن» حرّكه في المِمخضة وأخذ زبده، و«مخض الشيء» هزّه هزّاً شديداً، و«مخض الدلو» ضرب بها في ماء البئر، و«مخض الله السنين حتى كان ذلك زُبدتها» أدارها حتى خرج منها هذا. والقراءة مقترحة على المنهج: الميم والتاء نواة مشتركة بين «متح» و«متّ» وmath «مَثْ»، والخاء والضاد في «مخض» ليستا في الكلمة السنسكريتية.

البحر والغدير

يقول مونير وليامز إنّ samudra «سَمُدْرَ» مجمع المياه، من sam «سَم»، معاً، وudra «أُدْرَ»، وهي الماء، وتأتي اسماً لحيوان مائي، قيل إنّه السرطان أو ثعلب الماء. وفي معجم لين: «الغَدِير» الماء الذي يتركه السيل، سُمّي كذلك لأنّ السيل غادره، أو لأنّه يغدر بأهله فيجفّ حين يحتاجون إليه. فإذا سقطت الغين، كما تسقط حروف الحلق في الألسن التي لا تعرفها، بقيت الدال والراء على ترتيبهما. وهي قراءة مقترحة على المنهج، فكلمة udra «أُدْرَ» من أسرة كلمة الماء الهندية الأوروبية التي منها اليونانية ὕδωρ «هُودُور».

السلحفاة في المقالة

تقرأ المقالة الهندية في هذا المشروع kūrma «كُورْمَ»، السلحفاة، من «قَرَمَ» أو «كَرَمَ»، وتقول إنّ السلحفاة تحمل الأرض فهي حافظ الوجود. وفي معجم لين «قرم» قرض الشيء بأسنانه، و«المِقرمة» غطاء الفراش، والقَرْم الفحل والسيّد، و«الكرم» الجود. والحروف تلتقي، القاف والراء والميم، أمّا المعاني فلا تسمّي سلحفاة ولا حاملاً، فتبقى القراءة للمقالة ولا يشهد لها المعجم. ويقول مونير وليامز إنّ kūrma «كُورْمَ» السلحفاة، والأرض التي تُتصوّر سلحفاة تسبح على الماء، وإنّه التجسّد الثاني لڤيشنو حين نزل في صورة سلحفاة ليحمل ماندارا، كما في دورة التجسّدات. معجم لين، قرم، مونير وليامز، كورما.

السرديات الأسطورية الرئيسة

لعنة دورڤاسا في «ڤيشنو پورانا»

يبدأ «ڤيشنو پورانا» القصّة بسبب آخر: أعطى الحكيم دورڤاسا إندرا إكليلاً من زهر السماء، فوضعه إندرا على رأس فيله، فرماه الفيل إلى الأرض، فلعن دورڤاسا إندرا أن يزول ملكه. فضعفت الآلهة، وغلبها الأسورا، فلجأت إلى ڤيشنو، فأمرها أن تصالح الأسورا وتعدهم بنصيب من الشراب، وتلقي الأعشاب في بحر اللبن، ثم تخضّه بماندارا وڤاسوكي. وفي هذه الرواية ڤيشنو نفسه السلحفاة التي يدور عليها الجبل، وهو في صورة أخرى بين الجاذبين، وفي ثالثة على رأس الجبل. ويخرج من البحر بترتيب آخر: البقرة سورَبهي، ثم ڤارُوني معبودة الخمر، ثم شجرة پاريجاتا، ثم الحوريات، ثم القمر فيأخذه شيڤا، ثم السمّ فتأخذه الناغا، ثم دنڤنتري بكأس الأمريتا، ثم لاكشمي على زهرة لوتس، فتلقي نفسها على صدر ڤيشنو.

السمّ أوّلاً في «البهاگڤتا پورانا»

وفي «البهاگڤتا پورانا» يخرج السمّ هالاهالا أوّل شيء، فيأخذه شيڤا في كفّه ويشربه رحمة بالخلق، فيترك السمّ على عنقه خطّاً أزرق يُعدّ له زينة. ويرفع ڤيشنو في صورة سلحفاة عظيمة الجبلَ الذي غرق، فيقوم على ظهره كجزيرة واسعة. ثم يخرج دنڤنتري، العارف بالطبّ، يحمل إناء الأمريتا، فيأخذه الأسورا من يده، فيظهر ڤيشنو امرأة جميلة اسمها موهيني، فيُفتن بها الفريقان، وتقسم الشراب فتسقي الآلهة وحدهم. ويشرب راهو متنكّراً، فيُقطع رأسه، لكنّ الرأس كان قد مسّه الشراب فصار خالداً، فجعله براهما واحداً من الكواكب، وهو يهاجم الشمس والقمر في ليالي البدر والمحاق.

ما ضاع في الطوفان

ويذكر مونير وليامز في مادّة ماندارا أنّ الجبل صار عمود الخضّ «لاستعادة الأمريتا وثلاثة عشر شيئاً ثميناً آخر ضاعت في الطوفان». فالخضّ في هذا التفسير استرداد لما غرق، لا صنع لشيء جديد، وفي قصّة الطوفان الهندية تنجّي السمكة مانو وسفينته من الغرق.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الهندية خضّ المحيط وصفاً لعملية استخلاص كيميائية: بحر اللبن المادّة الخام، والخضّ التحريك والتقطير، وخروج السمّ أوّلاً خروج المواد السامّة الأسرع تبخّراً، وشيڤا الذي يبتلعه التعامل مع النفايات الخطرة، وحلقه الأزرق ثمن الكيمياء، والأمريتا المادّة النافعة في آخر العملية، ولعلّها السوما أو الهوم، وتعاون الآلهة والأسورا القوى المتضادّة التي لا يتمّ التفاعل إلّا بها، والجبل الملفوف بالحيّة آلة تدوير كالمثقب أو الخضّاضة التي يُصنع بها الزبد. وتقرأ السلحفاة في جدول التجسّدات صورة البرمائيات، أي الانتقال من البحر إلى اليابسة.

والنصّ نفسه يقرّب القراءة من بيت الرعاة قبل المختبر. ففي «المهابهاراتا» يصير ماء البحر لبناً ثم سمناً بعصارات الأعشاب، والآلة عمود وحبل يُجذب طرفاه، والفعل manthana «مَنْثَنَ» هو فعل خضّ اللبن وإيقاد النار بالعود. والسمّ يخرج في «المهابهاراتا» آخراً، وفي «البهاگڤتا» أوّلاً، فترتيب الخروج يختلف بين الروايات، ويبقى في كلّها أنّ السمّ والدواء يخرجان من خضّ واحد.

التوازيات عبر الحضارات

وأقرب القصص إلى خضّ المحيط في الشمال قصّة كفاسير: كان بين الآلهة والفانير خصام، فعقدوا صلحاً، وجعلوا علامته أن يبصق الفريقان في إناء واحد، فصنع الآلهة من الإناء رجلاً، ثم صار دمه شراب الشعر، وسرقه أودين في صورة نسر كما سرق غارودا الأمريتا وهو طائر. فالشراب الثمين في القصّتين يخرج من صلح بين خصمين، ثم يُؤخذ بالحيلة.

وفي اليابان يقف إيزاناغي وإيزانامي على جسر السماء، ويغمسان رمحاً مرصّعاً في البحر ويحرّكان الماء المالح، فإذا رفعاه تكدّس الملح الذي قطر من رأسه فصار جزيرة. ففي القصّتين يُحرَّك البحر بعمود فيخرج منه ما لم يكن فوقه، أرض في اليابان، وخلود وجواهر في الهند، كما تروي صفحة فصل السماء عن الأرض.

وراهو الذي يبتلع الشمس والقمر من صور العدوّ الذي يعترض الشمس في رحلة الشمس: الذئبان سكول وهاتي في الشمال، وأبوفيس في مصر، وسفربهانو في «الرگ ڤيدا» الذي يطعن الشمس بالظلام. والجبل الذي يُقتلع ويُدار من صور الجبل المقدّس، والشراب كلّه من طعام الخلود: الهوم الأبيض الذي ينبت في قاع البحر في إيران، ونبتة جلجامش التي يقتلعها من الأبسو. وصورة ڤيشنو امرأةً تأخذ الشراب من الأسورا من صور المحتال.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «المهابهاراتا»، آدي پرڤَ، الفصول 17 و18 و19، ترجمة غانغولي، والفصل 17، والفصل 19.

  2. «ڤيشنو پورانا» 1.9، ترجمة ويلسون.

  3. «البهاگڤتا پورانا»: 8.7.18، 8.7.42، 8.7.43، 8.8.34، 8.8.41–46، 8.9.24، 8.9.26.

  4. مونير وليامز: منثنا، سمدرا، أدرا، ماندارا، كورما، راهو، موهيني.

  5. معجم لين: متح، متت، مخض، غدر، قرم.

  6. «نثر الشعر» 5.