الرئيسية/الكيانات/الدِّيسِير

الدِّيسِير

ملخص

الدِّيسِير، dísir «دِيسِير»، ومفردها dís «دِيس»، نساء من غير البشر في أساطير الشمال وأخبارهم، يتبعن الإنسان وأسرته، فيحرسنه ويعرفن ما سيصيبه، ويتركنه حين يدنو موته. ويقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ الكلمة في أقدم الشعر تعني الأخت، وفي الشعر عامّةً المرأة، وإنّها تعني في الأخبار الروح الحارسة التي تتبع كلّ إنسان من مولده ولا تفارقه إلّا ساعة موته. وكان يُقام لهنّ قربان يُسمّى dísablót «دِيسابْلُوت»، أي قربان الديسير.

ويذكر سنوري هذا القربان في «ملحمة ينغلينغا» عند موت أَذِيلْس ملك السويد. كان أذيلس يحبّ الخيل الجياد، وكان في أوبسالا في قربان الديسير، فركب فرسه يطوف به حول قاعة الديسير، فتعثّر الفرس وسقط، فطار الملك عن ظهره، فوقع رأسه على حجر فانكسرت جمجمته وسال دماغه على الحجر، فمات، ودُفن في تلّ في أوبسالا.

وأوضح ما رُوي عنهنّ «خبر ثِيذْراندي وثُورْهالْر» في كتاب فْلاتَيْ. كان لهالْر من سِيذا في آيسلندا ابن اسمه ثيذراندي، أحسن الشباب وأحبّهم إلى الناس، وكان صديقه ثورهالر رجلاً يرى الغيب. فأعدّ هالر وليمة عند «ليالي الشتاء»، أوّل الشتاء، فقال ثورهالر للضيوف: لا يخرجنّ أحد منكم الليلة، ولا تلتفتوا إلى شيء ممّا يُطرق به الباب. فلمّا نام الناس طُرق الباب ثلاث مرّات، فقام ثيذراندي وقال: من العار أن ننام كلّنا وقد جاء ضيوف، فأخذ سيفه وخرج، فلم يرَ أحداً. ثم سمع خيلاً تأتي من الشمال، فرأى تسع نساء في ثياب سود بأيديهنّ سيوف مسلولة، وسمع خيلاً تأتي من الجنوب، فرأى تسع نساء في ثياب بيض على خيل بيض. فأراد أن يرجع فيخبر الناس، فسبقته السود فهجمن عليه، فدافع عن نفسه دفاع الرجال. ووُجد عند الفجر جريحاً في ضوء القمر والصقيع، فحدّثهم بما رأى، ومات في ذلك الصباح. فسأل هالر ثورهالر عن معنى ذلك، فقال: أظنّ أنّ هؤلاء لم يكنّ إلّا الأرواح التي تتبع أقاربكم. أرى أنّ ديناً جديداً سيأتي إلى هذه البلاد، وأنّ ديسيركم اللاتي تبعن الدين القديم عرفن من قبل أنّ أهلهنّ سيتركونهنّ، فلم يرضين أن يفارقنكم قبل أن يأخذن منكم نصيبهنّ، فأخذن هذا الفتى، وأمّا الديسير الأفضل فكنّ يردن أن يعنّه، فلم يصلن في الوقت.

وفي الشعر تظهر الديسير قبل الموت. ترى غْلاوْمْڤُور، زوجة غُونّار، في «أقوال أتلي الغرينلندية» حلماً ليلة خروج زوجها إلى أتلي: «رأيت نساء ميّتات جئن إلى هنا الليلة، لم يكنّ في زينة، أردن أن يخترنك، ويدعونك سريعاً إلى مقاعدهنّ، وأقول إنّ ديسيرك قد خذلنك». ويقول أودين للملك غَيْرْرُوذ في آخر «أقوال غريمنير» قبل أن يسقط الملك على سيفه: «الديسير غاضبات، والآن ترى أودين». وفي الولادة يُطلب عونهنّ: تقول الفالكيرية في «أقوال سيغردريفا» إنّ رونات العون تُكتب على الكفّين ويُطلب من الديسير أن يُعِنّ المرأة في المخاض.

والفكرة التي تدور عليها أخبار الديسير أنّ الإنسان لا يمشي وحده: معه نساء من أسرته ومن غير عالمه، يأتين عند ولادته، ويحرسنه ما دام يكرمهنّ، ويعرفن موته قبل أن يعرفه، فيتركنه أو يأخذنه. والأسرة تطعمهنّ في وليمة من ولائم السنة كما تطعم ضيوفها، فإذا انقطعت الوليمة أخذن نصيبهنّ بأيديهنّ.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ هذه الكلمة. dís «دِيس» دال وسين. ونقرؤه «حَدْس»: يقول لين إنّ الحدس الظنّ والتخمين، و«قاله بالحدس» قاله بالبديهة، وإنّ الحدس «نظر خفيّ»، وإنّ «تحدّس الأخبار» طلب أن يعرف الأخبار من حيث لا يعلم به غيره. والحاء في أوّل الكلمة تسقط في غير الساميّة، وتبقى أثراً في الصيغة الجرمانية الغربية للكلمة، idis «إِيدِيس» في السكسونية القديمة، بحركة في أوّلها حيث كانت الحاء. وهذا ما تصنعه الديسير في الأخبار: يعرفن من قبل، كما قال ثورهالر إنّهنّ عرفن تغيّر الدين قبل أن يقع.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
dís، dísir دِيس، دِيسِير الأخت، المرأة، الروح الحارسة، وجمعها
dísablót دِيسابْلُوت قربان الديسير
dísarsalr دِيسارْسالْر قاعة الديسير في أوبسالا
idis، ides، itis إِيدِيس، إِيدِيس، إِيتِيس المرأة والسيّدة في السكسونية والإنجليزية والألمانية العليا القديمة
حَدْس، تحدّس حَدْس، تَحَدَّس العربية التي نقرأ بها الاسم: معرفة الشيء بالبديهة قبل الدليل

يجعل كْرُونِن الأصل الجرماني *dīsi- «دِيسي» بمعنى السيّدة والجنّيّة والإلهة، ويقول إنّها «كلمة صعبة الاشتقاق». ويذكر أنّ بعضهم قارنها بالسلافية القديمة děva «دِيڤا»، أي السيّدة، من جذر هنديّ أوروبيّ معناه الإرضاع، وأنّ في لهجة إلْفْدالِن السويدية فعلاً dīsa «دِيسا» بمعنى أرضع، ثم يقول إنّ ربط dís «دِيس» بالكلمة الجرمانية الغربية *edis- «إِيدِيس»، أي ides وidis، ممكن، لكنّه يجعل الكلمة من غير الأصل الهنديّ الأوروبيّ.

فالقراءة تتناول الكلمة كلّها: الدال دال، والسين سين، والياء الطويلة حركة. وتجمع الصيغتين معاً إذا كانت الكلمة واحدة: idis «إِيدِيس» بحركة في أوّلها حيث كانت الحاء، وdís «دِيس» بلا حركة. ومعنى الحدس في العربية المعرفة التي تسبق الدليل، والطلب الخفيّ للأخبار، وهذا عمل الديسير في أخبار الموت. وحدّ القراءة أنّ الحدس في العربية فعل يُعرف به، لا امرأة تعرف، وأنّ الكلمة الجرمانية معناها المرأة والسيّدة قبل أن تكون الروح العارفة، وأنّ صلة dís بـidis نفسها غير ثابتة عند كرونن.

السرديات الأسطورية الرئيسة

النورنات اللاتي يأتين الوليد

يقول سنوري في «خداع غيلفي» إنّ النورنات الثلاث عند بئر أورذ يقضين أعمار الناس، وإنّ «هناك نورنات أخريات يأتين كلّ طفل يولد ليقضين عمره»، بعضهنّ من الآلهة وبعضهنّ من الألفار وبعضهنّ من الأقزام، وإنّ «النورنات الطيّبات الكريمات النسب يقضين عمراً طيّباً». وهذا قريب ممّا يقوله ثورهالر عن الديسير الأفضل والديسير السود.

«الديسير حرّضنني»

وفي «أقوال هامذير» يقول هامذير بعد أن قتل هو وأخوه أخاهما إِرْپ في الطريق إلى الملك يورمونريك: لو كان إرپ حيّاً لسقط رأس الملك، «الديسير حرّضنني» على القتل. فالديسير هنا يدفعن الرجل إلى الفعل الذي يهلك به.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة إعادة القراءة النوردية النورنات الثلاث صورة لتسجيل التاريخ: الماضي والحاضر والمستقبل. والديسير أقرب إلى البيت من النورنات: لكلّ أسرة ديسيرها، يُعرفن بأسماء أهلها، ويطالبن بنصيبهنّ من وليمتها. فقصّة ثيذراندي تسجّل تاريخ أسرة واحدة في ليلة تغيّر فيها الدين: الأرواح القديمة تأخذ آخر ما لها من البيت قبل أن تخرج منه.

التوازيات عبر الحضارات

تأتي المويرات الإغريقيات الإنسان عند ولادته فيقسمن له نصيبه، كما تأتي النورنات كلّ طفل يولد في «خداع غيلفي»، ويُطلب عون الديسير في المخاض. ويختلفان في الصورة: المويرات ثلاث تغزل الواحدة خيط العمر، والديسير جماعة تتبع أسرة بعينها وتركب الخيل بالسيوف.

وفي روما آلهة البيت الصغار، اللاريس، يحرسون أسرة بعينها وموقدها جيلاً بعد جيل، ويُطعمون في البيت، ويعطي لار البيت أو يمنع بحسب ما يُكرم. والديسير مثلهم أرواح أسرة تُطعم في وليمتها وتعطي أو تأخذ.

وفي «يشت الفرافاشي» من الأفستا تأتي أرواح الصالحين، الفرافاشيات، إلى البيوت في الليالي العشر في آخر السنة، فتطوف وتسأل: «من يمدحنا؟ من يقدّم لنا القربان؟ من يستقبلنا وفي يده لحم وثياب؟»، فإذا أُكرمت باركت البيت بالقطعان والرجال والخيل. وفي الشمال تأتي الديسير بيت هالر في ليالي الشتاء، أوّل السنة الشتوية، وتأخذ نصيبها حين لا تجد ما كانت تأخذه.

وقربان الديسير في أوّل الشتاء من أعياد السنة الزراعية في الشمال، وتلبس الديسير السود السيوف كما تلبسها الفالكيريات اللاتي يخترن القتلى، وأقرب أخبارهنّ إلى خبر الفيلغيا والهامينغيا، الروح التي تتبع الرجل وحظّ أسرته، حتى إنّ ثورهالر يسمّيهنّ بالاسمين معاً.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «ملحمة ينغلينغا»، النصّ النوردي؛ «خبر ثيذراندي وثورهالر».

  2. «أنشودة أتلي الغرينلندية»؛ «أقوال غريمنير»؛ «أقوال سيغردريفا»؛ «أقوال هامذير»؛ «خداع غيلفي».

  3. كليسبي وفيغفوسون، ديس؛ كرونن، المعجم الاشتقاقي للجرمانية الأولى.

  4. معجم لين، حدس.

  5. هيسيود، «أنساب الآلهة»؛ دارمستتر، «الزند أفستا» 2، «كتب الشرق المقدّسة» 23.