ملخص
إيشوم معبود أكدي، رسول المعبودات وحارس الطرق في الليل، والصاحب الذي يمشي أمام إرّا معبود الحرب والوباء. ويجعلونه في السومرية خِنْدُورْسَغ، ويجعله ثبت المعبودات «آنو = آنوم» وزير نرجال، ويسمّيه نصّ آخر «رسول الشارع». وكان من أحبّ المعبودات إلى الناس في تسمية أبنائهم منذ ما قبل سرجون، فيسمّون «عبد إيشوم» و«إيشوم خالق».
وقصّته قصيدة بابلية من الألف الأوّل قبل الميلاد تُسمّى «إرّا وإيشوم»، وتبدأ بمدحه: «إيشوم، الذابح الغيور، الذي تصلح يداه لحمل أسلحته الشديدة»، ثم تخاطبه: «أنت وحدك المشعل، وإلى نورك ينظرون، أنت وحدك الذي يمشي في المقدّمة». يرقد إرّا في فراشه كالذي لم ينم، لا يدري أيقوم أم ينام، فيحرّضه السبعة، محاربوه، على الخروج إلى الحرب، فيقول لإيشوم: افتح الطريق، وامشِ أمامي. فيشفق إيشوم على الناس ويقول: يا إرّا المحارب، لماذا دبّرت الشرّ للمعبودات؟ لقد دبّرت أن تخرّب الأرض وتهلك أهلها، أفلا تكفّ؟ فلا يكفّ إرّا، ويذهب إلى مردوخ حتى يقوم عن عرشه.
وفي اللوح الرابع يروي إيشوم لإرّا ما صنع: قتلتَ البارّ وقتلتَ الظالم، قتلتَ من أخطأ إليك ومن لم يخطئ، قتلت الشيوخ على الأبواب والبنات في خدورهنّ، ثم لا تهدأ. فيسرّ إرّا كلامه كأطيب الزيت، ويقول: سيقتل الناس بعضهم بعضاً، ثم يقوم رجل من أكد فيصرعهم ويرعى من بقي، ويقول: اذهب يا إيشوم، ولك أن تفعل ما قلت. فيذهب إيشوم ومعه السبعة إلى جبل خِيخِي فيهدمه. وفي اللوح الخامس يجلس إرّا بين المعبودات ويقول: إذا غضبتُ أهلكت الناس، ولا أفرّق بين البارّ والظالم، فماذا كان سيحدث لو لم يكن إيشوم الذي يمشي أمامي؟ فيقول له إيشوم: أيّها المحارب، اسكن واسمع كلامي، ماذا لو استرحت الآن ونحن نخدمك؟ فيُشرق وجه إرّا كطلوع النهار، ويدخل بيته. ويقول إيشوم الكلمة الفاصلة في أهل أكد المتفرّقين: ليكثر من قلّ من أهل البلاد، وليمشِ القصير والطويل في طرقها، ولترجع المعبودات الغاضبة إلى بيوتها، وليأتِ دجلة والفرات بماء الخير. وتختم القصيدة: غضب إرّا ووجّه وجهه إلى هلاك البلاد، لكنّ إيشوم مستشاره هدّأه فأبقى بقيّة.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الغضب لا يوقفه سلاح وإنّما يوقفه كلام صاحبه. إيشوم لا يقاتل إرّا ولا يمنعه، بل يمشي أمامه، ثم يروي له ما صنع كما هو، فيرى إرّا نفسه في كلامه، فيهدأ. والمشعل الذي يمشي في المقدّمة هو الذي يرى الطريق، فإذا رآه أبقى فيه من يمشي. ولذلك يسمّيه نصّ آشوري متأخّر «مستشاره، الشفيع، الذي يبقي على الحياة، الذي يحبّ الحقّ».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج، فلا تقرأ المقالة البابلية اسمه، وإنّما تقرأ اسم صاحبه إرّا من «أَرَّ»: ألهب وأحرق. يُكتب الاسم بالأكدية i-šum «إِي-شُوم»، والميم في آخره علامة الرفع. وقد ربطه دارسون منذ دورم بكلمة النار في اللغات السامية: بالعبرية ʾēš «إِيش»، وبالآرامية ʾeššā «إِشّا»، وبالأكدية išātum «إِيشاتُم». ونقرؤه بالعربية «العِشْوة»: في معجم لين العِشوة النار تُرى في الليل من بعيد فيُقصد إليها ليُستضاء بها، أو الشعلة، و«عشا إلى النار» قصدها في الليل يهتدي بضوئها. والياء في أوّل الكلمة الأكدية موضع عين سقطت، لأنّ الأكدية لا تحفظ العين، والشين شين. وهذا هو إيشوم في القصيدة: المشعل الذي ينظرون إلى نوره، والحارس الذي يمشي في الليل.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ì-šum، i-šum، i-šu-um | إِي-شُوم | الأكدية القديمة |
| ᵈi-šum | إِيشُوم | الكتابة المعتادة بعد ذلك، وقلّما تتغيّر حركة آخرها |
| ᵈi-ša-am | إِيشام | مرّة واحدة بالنصب في البابلية القديمة |
| ᵈḫendur-saĝ-gá | خِنْدُورْسَغّا | النظير السومري في ثبت المعبودات |
النار والمشعل
يقول إدتسارد إنّ دورم ظنّ منذ 1909 أنّ الاسم من الجذر السامي العامّ للنار، وتبعه دايمل ولانغدون ودوسّان وغيلب، وشكّ فيه آخرون. ويقول إنّ الأكدية لو كانت عرفت في أوّلها كلمتين للنار، išum «إِيشُم» للمذكّر وišātum «إِيشاتُم» للمؤنّث، فإنّ معنى النار ضاع من الاسم مبكراً، لأنّ الاسم يكاد لا يتصرّف ولا تسقط ميمه كما تسقط من الأسماء العامّة. ويقول إنّ القصيدة ربّما تلمّح إلى النار حين تسمّي إيشوم «المشعل»، dipāru «دِيپارُو»، في اللوح الأوّل 10، ثم يقول إنّ هذه الصورة تأتي كذلك من عمله «حارساً في الليل»، muttallik mūšim «مُتَّلِّك مُوشِم». وفي البيت الرابع من القصيدة نفسها تفسير علمي آخر: «إيشوم الذابح الممدوح»، يُقرأ فيه šum «شُوم» بمعنى الذبح بالسومرية.
العِشوة
القراءة تغطّي الجذر iš- «إِيش»، والميم في آخره لاحقة الرفع، وتغطّي الياء بأنّها موضع عين. والعربية لا تحفظ الكلمة السامية للنار بالهمزة، لكنّها تحفظ بالعين «العَشْو» و«العِشْوة» و«العاشية»: في معجم لين «عشوتُ إلى النار» نظرت إليها وقصدتها في الليل أطلب أن أهتدي بضوئها، و«العِشْوة» النار تُرى في الليل من بعيد فيُقصد إليها، أو الشعلة، و«العاشية» كلّ من يقصد في الليل نار من يقري الضيف. فالكلمة نار ليلية يهتدي بها الماشي، وهذا يجمع الصورتين اللتين يذكرهما إدتسارد: المشعل وحارس الليل. وتقرأ المقالة البابلية اسم إرّا من «أَرَّ»، النار التي تحرق، فيكون الصاحبان نارين: نار تحرق ونار تهدي.
ويبقى أنّ الكلمة السامية للنار تُكتب بالعبرية والحبشية بالهمزة لا بالعين، وأنّ الأكدية لا تفرّق بينهما، فلا نعرف أكانت الكلمة في أصلها بالهمزة أم بالعين. فالقراءة مفتوحة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
حارس الشوارع ورسول نرجال
قبل القصيدة لا يُعرف إيشوم إلّا من أسماء الناس والأختام، ومن الأثبات. يذكره نصّ «شوربو» مع نرجال ومعبودات العالم السفلي، ويسمّيه نصّ آخر «نرجال ربّ القضاء، وإيشوم رسول الشارع»، وثبت آشوري يجعل له مكاناً في معبد بيل-شرّي، وتجمعه نصوص أخرى بالأنهار، دجلة والفرات. وزوجته نِنْمُوغا، وتجعله نصّ بابلي قديم ابن الشمس شمش ونينليل. وتصفه النصوص المتأخّرة كلّها معبوداً لطيفاً: رسولاً، وحارساً في الليل، وحامياً، ووسيطاً. وإذا قُرن بنرجال وإرّا فليس بوصفه معبود وباء، وإنّما بوصفه الذي يعدل غضبهما. ولا تُعرف له صورة ولا رمز.
الحكماء والطوفان
وفي اللوح الأوّل من القصيدة يذكر مردوخ لإرّا يوم غضب فأرسل الطوفان، وكيف أعاد الحكماء السبعة إلى الأبسو. فالقصيدة التي يهدّئ فيها إيشوم إرّا تحمل ذكرى هلاك سابق لم يكن فيه من يهدّئ. الطوفان
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة البابلية إرّا «العارض بالمرض»، الطاعون مجسّداً، ومن الجذر «أرّ» الذي يلهب ويحرق. فإذا كان إرّا الحريق الذي يأتي على البارّ والظالم معاً، فإيشوم هو النار في يد الحارس: تضيء الطريق ولا تحرقه. والقصيدة نفسها صارت تميمة: يقول آخرها إنّ المغنّي الذي ينشدها لا يموت في وباء، وإنّ البيت الذي يوضع فيه هذا اللوح لا يقربه سيف القضاء ولو غضب إرّا وهاج السبعة، فالكلام الذي هدّأ إرّا مرّة يُحمل ليهدّئه كلّ مرّة.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب صورة إليه في الرافدين نينشوبور، وزيرة إنانا: كلاهما وزير يمشي بين سيّده والناس، وكلاهما ينقذ بكلامه. لكنّ نينشوبور تطلب من المعبودات أن تردّ سيّدتها، وإيشوم يطلب من سيّده نفسه أن يكفّ.
وعند الفرس سروش حارس الليل الذي لا ينام، يضرب الغضب بعد غروب الشمس، ويوقظ الديك على الليل. فهو وإيشوم حارسان يمشيان في الظلام، وكلاهما يقف في وجه الغضب: سروش يضرب أيشما، شيطان الغضب، وإيشوم يهدّئ غضب إرّا بالكلام.
وعند الإغريق هرمس رسول المعبودات وصاحب الطرق، الذي يمشي أمام غيره دليلاً. ويفترق عن إيشوم في أنّ هرمس يحتال، وإيشوم لا يقول لصاحبه إلّا ما صنع.