تاغيس

ملخص

تاغيس صبيّ خرج من الأرض في حقل محروث قرب مدينة تاركوينيا في إتروريا، وله وجه طفل وعقل شيخ، فأملى على أهل إتروريا علم العرافة كلّه، وهو الذي سمّاه الرومان «العلم الإتروسكي». وجعل الإتروسكيون قصّته أصل ديانتهم المكتوبة: نبيّ واحد يتكلّم مرّة، وكتب تُحفظ وتُشرح بعده.

يروي شيشرون القصّة كما سمعها من الإتروسكيين: كان رجل يحرث أرضاً في نواحي تاركوينيا، فغاص المحراث أعمق من العادة، فخرج من الأخدود فجأة تاغيس وكلّم الحرّاث. وتقول كتب الإتروسكيين إنّه كان في هيئة صبيّ وحكمة شيخ. فدهش الحرّاث وصاح، فاجتمع الناس، وما لبثت إتروريا كلّها أن اجتمعت في ذلك الموضع. فتكلّم تاغيس طويلاً، وتلقّى السامعون كلامه كلّه وكتبوه، وكان كلامه كلّه في علم العرافة من أحشاء الذبائح، ثم زاد العلم بعد ذلك بما عُرف من أمور جديدة رُدّت إلى أصوله نفسها. ويقول شيشرون: هذا ما أخذناه عنهم، وكتبهم تحفظه، وهو عندهم منبع علمهم.

ويرويها أوفيد في صورة أخرى: رأى الحرّاث التيريني كتلة من التراب في وسط حقله تتحرّك وحدها ولا يحرّكها أحد، ثم أخذت صورة إنسان وتركت صورة التراب، وفتحت فماً جديداً تخبر بما سيكون، فسمّاه أهل البلد تاغيس، وهو أوّل من علّم الإتروسكيين كيف يكشفون ما سيأتي. ويقول سِنْسورينوس إنّ الصبيّ «حُرث من الأرض» بقدرة إلهية، وإنّه أنشد علم الأحشاء، فكتبه اللُّوكُومُونِس، وهم سادة إتروريا يومئذ. ويزيد يوحنّا الليدي أنّ الحرّاث كان تارخون نفسه، مؤسّس تاركوينيا، وأنّ الطفل بدا مولوداً للتوّ، لكنّه لم يكن ينقصه الأسنان ولا علامات السنّ الكاملة، فحمله تارخون ووضعه في أماكن مقدّسة، وسأله فأجابه، وكتب ذلك في كتاب يسأل فيه تارخون بلغة الإيطاليين ويجيب تاغيس بحروف قديمة. وكان الإغريق يرونه هرمس الأرضي. ويجعله فِسْتُوس ابن جِينْيُوس، الروح الحارسة عند الرومان، وحفيد جوبيتر، أي تينيا، ويقول إنّه أعطى علم العرافة للشعوب الإتروسكية الاثني عشر.

وسمّى الرومان ما أملاه «كتب تاغيس»، وفيها كتب الأحشاء، وكتب «الآخرة» التي تذكر الشعائر التي ينجو بها الميت بعد موته. ويذكر غير شيشرون أنّ تعاليمه شملت البرق، وتأسيس المدن بالمحراث، والزلازل، ودواء لصدأ الزرع.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العلم يخرج من الأرض المحروثة ثم يُكتب. الحرّاث يشقّ الأرض ليزرع، فيخرج له منها علم يقرأ به العلامات. والذي يخرج صبيّ له حكمة شيخ، فالعلم قديم وإن ظهر جديداً. ويتكلّم مرّة واحدة، فيكتب السادة كلامه، ويصير ما كتبوه أصلاً تُردّ إليه كلّ علامة جديدة. فتاغيس من الأبطال الحضاريين الذين جاؤوا الناس بصنعة لم تكن عندهم، وصنعته قراءة الكبد والبرق. وفي رواية أوفيد تأخذ كتلة الطين صورة إنسان، كما يصنع الإنسان من الطين في قصص خلق البشر.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Tages «تَاغِيس» صيغة لاتينية، وإضافتها Tagetis «تَاغِيتِس»، ومنها «كتب تاغيس». ولم يستعمل الإتروسكيون الحرف g «غ»، فكان في اسمه عندهم كاف ثقيلة كما ترى دي غروموند. نحذف لاحقة الإعراب -es «ـِيس» فيبقى «تاك»، والتاء تقابل الذال العربية، فيكون الاسم «ذَكاء». والذكاء في معجم لين حدّة العقل وسرعة الفهم، وهو أيضاً تمام السنّ، أي أن يمضي على الدابّة عام بعد أن تتمّ أسنانها، ويقول العرب «فَتاءُ فلانٍ كذَكاءِ فلان»، أي إنّ رأي هذا مع صغر سنّه كرأي ذاك مع تمام سنّه. وهذا تاغيس كما يصفه شيشرون: هيئة صبيّ وحكمة شيخ، وكما يصفه الليدي: طفل وُلد للتوّ وله أسنان وعلامات السنّ الكاملة. ومن المادّة نفسها «الذَّكاة»، وهي ذبح الذبيحة على وجهها، والعرّاف الإتروسكي يقرأ كبد ذبيحة. وهي قراءة مقترحة على المنهج.

الجذر اللغوي

تاغيس و«الذكاء»

الصيغة النطق الموضع
Tages تَاغِيس اللاتينية، عند شيشرون وأوفيد وسنسورينوس وفستوس
Tagetis تَاغِيتِس الإضافة اللاتينية، ومنها Libri Tagetici «لِيبْرِي تَاغِيتِيكِي»، أي كتب تاغيس
Τάγης تَاغِيس اليونانية، عند يوحنّا الليدي
pava tarχies پَاڤَا تَرْخِيِس على مرآة توسكانيا، يقرؤها پالوتينو «الصبيّ تارخيس»
avl tarχunus أَوْل تَرْخُونُس على المرآة نفسها، الشيخ الذي يسمع، أي تارخون

في معجم لين: ذَكِيَ الرجل ذكاءً إذا كان حادّ العقل سريع الفهم والإدراك. والذكاء أيضاً السنّ، أو تمام السنّ، وأصل المادّة التمام، و«ذكاء السنّ» عند الخليل أن يمضي على ذي الحافر عام بعد أن تتمّ أسنانه، و«بلغت الدابّة الذكاء» أي تمام سنّها. ويقولون «فتا فلانٍ كذكاء فلان»، أي إنّ حزم هذا مع نقص سنّه كحزم ذاك مع تمام سنّه. و«ذكّى الذبيحة» ذبحها على الوجه المشروع، والذكاة الذبح. و«ذُكاء» الشمس، و«ابن ذُكاء» الصبح.

والمقابلة الصوتية: التاء والطاء والذال والظاء في جداول مشروع جذور مجموعة واحدة تصير تاءً أو دالاً في اللغات الأوروبية، فالذال تاء في Tages «تَاغِيس». والكاف والقاف والجيم مجموعة تصير كافاً أو غيناً لاتينية، والإتروسكيون كتبوا الكاف حيث كتب اللاتين الغين. والياء في آخر «ذكي» حرف علّة يسقط، والسين لاحقة الإعراب اليونانية واللاتينية. والتاء في Tagetis «تَاغِيتِس» بناء لاتيني في الإضافة، لا مقابل له في الجذر.

الصيغة الإتروسكية و«الإدراك»

على مرآة من توسكانيا، من القرن الثالث ق.م، يقف شابّ عليه قبّعة الكهنة المخروطية، ويضع قدمه اليسرى على صخرة، وينظر في كبد، ومكتوب فوقه pava tarχies «پَاڤَا تَرْخِيِس». وإلى جانبه شيخ ملتحٍ يسمع ويتأمّل، ومكتوب فوقه avl tarχunus «أَوْل تَرْخُونُس». ويقترح پالوتينو أنّ pava «پَاڤَا» تعني الصبيّ، وأنّ tarχies «تَرْخِيِس» صارت Tages «تَاغِيس» في اللاتينية، فالمشهد تاغيس يعلّم تارخون. فإن صحّ هذا كان في الاسم الإتروسكي راء لا تظهر في اللاتيني. وتقابل tarχ- «تَرْخ» العربية «دَرَك»، والتاء الإتروسكية دال، والخاء الإتروسكية كاف ثقيلة: و«أدرك» في معجم لين بلغ وحصّل، و«أدرك الغلام» بلغ تمام سنّه، و«أدرك الثمر» نضج، و«أدرك الشيء ببصره» رآه، و«أدرك علمه الشيء» أحاط به. فالقراءتان تلتقيان في معنى واحد: صغير بلغ تمام العقل، وثمر نضج قبل أوانه. وتشترك tarχies «تَرْخِيِس» وtarχunus «تَرْخُونُس» في tarχ- «تَرْخ»، وهو أوّل اسم تارخون. والذي يبقى مفتوحاً أنّ تعيين پالوتينو لم يتّفق عليه الباحثون، ولا نعرف من أيّ صيغة إتروسكية أخذ اللاتين Tages «تَاغِيس».

السرديات الأسطورية الرئيسة

شواهد من الأرض

في الحفريات في پيان دي تشيفيتا، موضع مدينة تاركوينيا القديمة، وُجد في منطقة مقدّسة هيكل صبيّ في السابعة أو الثامنة، دُفن في أواخر القرن التاسع ق.م، وفي عظامه تشوّه يربطه المختصّون بالصرع، وبجانبه تجويف طبيعي في الأرض موصول بمذبح بقناة. ويرى دي غروموند في هذا خلفية توحي بقصّة الطفل الحكيم، لأنّ القدماء كانوا يرون في المصروع قوّة روحية. وعلى خواتم من حجر العقيق من القرن الرابع ق.م يظهر رجل منحنٍ يسمع لكائن صغير يخرج من الأرض، يُرى فيه تارخون وتاغيس. وكبد بياتشنزا البرونزي نفسه، الذي يقابل به العرّاف كبد الذبيحة، وجده فلّاح سنة 1877 وهو يحرث حقلاً قرب غوسّولينغو.

شيشرون يسخر

بعد أن يروي شيشرون القصّة يسخر منها: من ذا الذي يصدّق أنّ أحداً حرث من الأرض إلهاً أو إنساناً؟ إن كان إلهاً فلماذا اختبأ في التراب حتى يكشفه المحراث، وإن كان إنساناً فكيف عاش تحت التراب، ومن أين تعلّم ما علّمه؟

في غابة ديانا

ويضع أوفيد قصّة تاغيس في تشبيه داخل قصّة غابة ديانا عند أريتشا: دهش هيبوليتوس حين رأى ديانا تحوّل إيجيريا الباكية ينبوعاً، كما دهش الحرّاث الإتروسكي حين رأى الكتلة تصير إنساناً، وكما دهش رومولوس حين رأى رمحه المغروز على تلّ البالاتين يورق ويصير شجرة.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الرومانية في هذا المشروع العرافة من الأحشاء فحصاً صحّياً: لون الكبد يدلّ على صحّة الحيوان، وصحّة الحيوان على صحّة المرعى، فالكبد السليم بيئة سليمة وقرار آمن. وقصّة تاغيس توافق هذه القراءة في موضع واحد على الأقلّ: العلم الذي يقرأ الكبد خرج من حقل محروث، أي من الأرض التي يرعى عليها القطيع ويُزرع فيها القمح، وأوّل من سمعه حرّاث. وتذكر المقالة الثانية أنّ الإتروسكيين أخذوا حروفهم من الفينيقيين وأعطوها اللاتين، وفي قصّة تاغيس تصير الكتابة شرط العلم: الحرّاث يصيح، والسادة يكتبون، والكتاب يبقى.

التوازيات عبر الحضارات

يقول آشوربانيبال إنّه تعلّم «صنعة الحكيم أدابا»، وفيها علامات السماء والأرض، وأدابا أوّل الحكماء السبعة الذين أرسلهم إنكي قبل الطوفان ليعلّموا الناس. فالعرافة في بلاد الرافدين كما في إتروريا علم أوّل جاء به حكيم من خارج البشر، ثم حفظه الكتبة وشرحوه. وعند الإغريق حمل النهر رأس أورفيوس المقطوع إلى لسبوس وهو ما زال ينادي، وعلى مرايا إتروسكية يظهر رأسه خارجاً من الأرض فاتحاً فمه وأمامه لوح مكتوب، في هيئة العرّاف، فيذكّر بتاغيس. ويروي يوحنّا الليدي أنّ الإغريق عدّوا تاغيس هرمس الأرضي.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. شيشرون، «في العرافة» 2.50–51، أوفيد، «التحولات» 15.547–564 والنصّ اللاتيني، سنسورينوس، «في يوم الميلاد» 4.13.

  2. نانسي توماسون دي غروموند وإريكا سيمون (محرّرتان)، «ديانة الإتروسكيين»، 2006: دي غروموند ص 27–31، والملحق ب ص 192–193 (فستوس ويوحنّا الليدي).

  3. بلدية بياتشنزا، الكبد الإتروسكي.

  4. معجم لين، ذكو ودرك.

  5. نانسي دي غروموند، «الأنبياء والكهنة»، ص 27
  6. يوحنّا الليدي وفستوس، في الملحق ب، ص 192–193
  7. دي غروموند، ص 29–30
  8. دي غروموند، ص 28
  9. دي غروموند، ص 31