ملخص
الأبكالّو هم الحكماء السبعة في تراث بابل وآشور، أرسلهم إيا، أي إنكي، قبل الطوفان من مياه الأبسو ليعلّموا الناس الكتابة والصنائع وبناء المدن. يسمّيهم الأدب الأكدي «الحكماء السبعة»، ويصفهم بأنّهم سمك طاهر، ويجعل منهم الكتبة المتأخّرون آباء علمهم. وتجعل المقالتان البابلية والسومرية أدابا أوّلهم.
وأتمّ وصف لهم وصلنا باليونانية، من كاهن بابلي اسمه بيروسوس كتب تاريخ بابل في القرن الثالث قبل الميلاد، وحُفظت مقتطفاته عند الإسكندر بوليهستور ثم عند يوسابيوس وسنكلّوس. يقول: كان في بابل في أوّل الزمان أقوام كثيرة يعيشون بلا نظام كالبهائم. ففي السنة الأولى خرج من البحر الإريتري، أي الخليج، حيوان عاقل اسمه أُوانِّس، جسمه جسم سمكة، وتحت رأس السمكة رأس آخر، وله رجلان كرجلي الإنسان متّصلتان بذيل السمكة، وصوته ولغته صوت إنسان ولغته، وصورته باقية إلى اليوم. وكان يكلّم الناس في النهار ولا يأكل شيئاً، فعلّمهم الحروف والعلوم وكلّ صنعة، وعلّمهم بناء البيوت وتأسيس المعابد ووضع القوانين ومبادئ الهندسة، وأراهم كيف يميّزون البذور ويجمعون الثمار. وعلّمهم كلّ ما يليّن الطباع، حتى لم يُزد على ما علّمه شيء بعده. فإذا غربت الشمس غطس في البحر وبات في اللجّة. ثم خرجت بعده كائنات أخرى مثله، نصفها سمك ونصفها إنسان، في عهود ملوك ما قبل الطوفان، وآخرها في عهد الملك العاشر جاء الطوفان.
ويعرفهم الشعر الأكدي من الجهة الأخرى، بعد الطوفان. ففي «إرّا وإيشوم» يقول مردوخ لإرّا: حين غضبت مرّة وقمت عن عرشي وأرسلت الطوفان، «أنزلتُ أولئك الصنّاع إلى الأبسو ولم آمر بصعودهم». ثم يسأل: أين شجرة الميسو، لحم المعبودات، التي تمتدّ جذورها في البحر إلى قاع العالم السفلي ويبلغ رأسها سماء آنو؟ أين نِنِلْدو النجّار الأكبر؟ أين كوسيبندا صانع صور المعبودات والناس؟ أين نِناغال الذي يلين النحاس في يده كالجلد؟ «أين الحكماء السبعة من الأبسو، الشبابيط الطاهرة، الكاملون في حكمتهم كإيا سيّدهم، مطهّرو جسدي؟».
والفكرة التي تدور عليها أخبارهم أنّ الحضارة جاءت من الماء ورجعت إليه. الحكماء خرجوا من البحر يعلّمون، وبنوا أساس أوروك بالآجرّ المشويّ كما يقول جلجامش في أوّل ملحمته وآخرها، فلمّا جاء الطوفان أُنزلوا إلى الأبسو ولم يرجعوا، وبقي للناس ما علّموه. لذلك يذكرهم الكتبة كلّما أرادوا أن يقولوا إنّ علمهم قديم: آشوربانيبال يقول إنّه تعلّم «صنعة الحكيم أدابا»، وعلى لوح برونزي في اللوفر يقوم حول سرير المريض رقاة في صورة رجال السمك، وهي الصورة التي يعطيها بيروسوس للحكماء.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الكلمة الأكدية apkallu «أَبْكَلُّو» مأخوذة من السومرية abgal «أَبْگَل»، والواو في آخرها علامة الإعراب الأكدية، واللام مشدّدة كما تُشدّد في الأكدية. فيبقى ab-gal «أَبْ-گَل». وتقرؤه المقالتان «أب» و«جلّ»، والسومرية تقول: «الآباء العظام»، وتقرأ البابلية الجزء الثاني «كلّ»: «أبو كلّ شيء»، الحكيم الشامل. وفي معجم لين «أبّ» لغة في «أب»، و«جلّ» عظم قدراً، والگاف السومرية تقابل الجيم كما في اسم نرغال. والقصّة تشهد للمعنى: معلّمون أوائل يُرجع إليهم في كلّ صنعة، كاملون في الحكمة «كإيا سيّدهم».
الجذر اللغوي
«أب» و«جلّ»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ABGAL «أَبْگَل» | أَبْگَل | الكتابة السومرية، وتُكتب أيضاً بعلامتي NUN.ME «نُون-مِه» |
| apkallu «أَبْكَلُّو» | أَبْكَلُّو | الأكدية، ومعناها «الحكيم الخبير»، ولقب لبعض المعبودات ولأدابا |
| sebet apkallū «سِبِتْ أَبْكَلُّو» | سبعة أبكلّو | «الحكماء السبعة»، كما في «إرّا وإيشوم» وجلجامش |
| purādū «پُورَادُو» | الشبابيط | «إرّا وإيشوم» 162، وصف الحكماء بأنّهم سمك طاهر |
| Ὠάννης / Ōannēs «أُوانِّس» | أُوانِّس | عند بيروسوس، أوّل الخارجين من البحر |
نفصل أوّلاً ما ليس من الأصل: الواو في apkallu «أَبْكَلُّو» علامة إعراب أكدية تسقط في الجمع وفي الإضافة، والباء صارت پاء والگاف كافاً لأنّ الأكدية تهمس الحرفين إذا تجاورا. فالأصل السومري abgal «أَبْگَل». وgal «گَل» في السومرية «عظيم» بلا خلاف، والقراءة «جلّ» تجري فيه كما تجري في اسم نرغال: الگاف السومرية تقابل الجيم، واللام لام، والكلمة العربية مضعّفة. وفي معجم لين: «جلّ» عظم قدره ومنزلته، و«الجلال» العظمة التي لا تكون إلّا لله. وأمّا ab «أَبْ» فتقرؤه المقالتان «أب»، وفي معجم لين «أبّ» لغة في «أب». غير أنّ الكتابة لا تبيّن كيف ينقسم الاسم، فإنّه يُكتب بعلامة واحدة ABGAL «أَبْگَل» وبعلامتي NUN.ME «نُون-مِه»، فقسمته إلى «أب» و«جلّ» اقتراح المقالتين، وليس في الكتابة ما يشهد له أو ينفيه.
قراءات أخرى في المقالتين
تعدّ المقالة السومرية بعد «أب + جلّ» قراءة «أبّ + قال»، أي مصدر الكلام والحكمة، وتجعلها متوسّطة، ثم «أبجد»، أي مانحو الكتابة، وتجعلها تأويلية، ثم «أبحر»، أي أهل البحر، وتجعلها ضعيفة. والثالثة تلقى القصّة من جهة واحدة، فالحكماء عند بيروسوس وفي «إرّا وإيشوم» من البحر حقّاً، لكنّ الحاء ليست في الاسم. والثانية تلقى ما يصفه بيروسوس من كلام أوانّس، لكنّها تحتاج القاف في موضع الگاف. وتجعل المقالة البابلية الجزء الثاني «كلّ»، وهو قريب من «جلّ» في اللفظ، وتجعل معناه الشمول: حكيم يعلم كلّ شيء، وهذا ما يقوله بيروسوس حين يقول إنّ أوانّس علّم كلّ صنعة ولم يُزد عليه شيء. فالقراءتان تلتقيان: «جلّ» في اللفظ والقدر، و«كلّ» في سعة العلم.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الخارجون من البحر بعد أوانّس
يقول أبولودوروس، فيما نقله عن بيروسوس، إنّ أوانّس خرج في عهد الملك الرابع أمِّينون، وإنّه سُمّي «الأنيدوتوس»، ثم خرج في عهد الملك السادس داونوس الراعي أربعة آخرون لهم الصورة نفسها، نصف سمك ونصف إنسان، ثم خرج في عهد السابع واحد اسمه أوداكون. وكلّهم، كما يقول، فصّلوا للناس ما كان أوانّس قد أخبرهم به. ويختلف النقلة في العدد والترتيب، فيجعل أبيدينوس ظهور الأنيدوتوس الثاني في عهد الملك الثالث، ويسمّي أربعة منهم. ويقول بيروسوس أيضاً إنّ أوانّس كتب في أصل الناس وأحوال عيشهم ونظام مدنهم، ثم يروي عنه خبر الخلق: ظلمة ولجّة ماء فيها كائنات عجيبة، تحكمها امرأة اسمها Omoroca «أُومُورُوكا»، حتى قسمها بيلوس نصفين فجعل نصفها أرضاً ونصفها سماء. تيامات
سور أوروك
يبدأ جلجامش ملحمته ويختمها بالكلام نفسه: اصعد على سور أوروك وامشِ عليه، وانظر في أساسه، وتفحّص آجرّه: أليس آجرّاً مشويّاً، ألم يضع الحكماء السبعة أساسه؟ ثم يقيس المدينة: شارٌ مدينة، وشارٌ بستان نخل، وشارٌ حفر طين، ونصف شار معبد عشتار. فالبطل الذي طلب الخلود ولم يجده يرجع إلى ما بناه الحكماء، والسور هو الباقي. أورشنابي
قوائم الملوك والحكماء
وفي لوح من أوروك من العصر السلوقي قائمة تضع بجانب كلّ ملك من ملوك ما قبل الطوفان حكيماً، وأوّل الحكماء فيها أُوانّا، وهو الاسم الذي كتبه بيروسوس باليونانية أوانّس، ثم تمضي بعد الطوفان إلى العلماء الذين خدموا الملوك، فتصل علم الكتبة في زمنها بالحكماء الأوّلين.
القراءة الرمزية
تقول المقالة البابلية إنّ الأبكالّو يقابلون الأنبياء في التراث السامي، ويقابلون بروميثيوس معلّم البشر، وتقول السومرية إنّ صورتهم نصف سمكة تربطهم بإنكي معبود الحكمة والمياه. والنصوص تؤيّد الصورتين: هم رسل يأتون بالعلم من عند معبود، وهم في «إرّا وإيشوم» مطهّرو جسد مردوخ، يردّون الطهارة كما يردّها الرقاة. والفرق بينهم وبين بروميثيوس أنّهم لم يسرقوا شيئاً، بل أرسلهم سيّدهم، ولم يُعاقبوا على ما علّموا، بل أُنزلوا إلى الأبسو حين غضب مردوخ على الأرض كلّها.
التوازيات عبر الحضارات
الأبكالّو أوضح صورة في الرافدين لـالأبطال الحضاريين الذين علّموا الناس الصنائع، ويرتبطون بـالطوفان من جهتين: جاؤوا قبله، وأُخذوا به.
وفي مصر يُنسب علم الكتابة والحساب إلى تحوت، كاتب المعبودات ومعلّم الكتبة، كما يُنسب العلم في بابل إلى الحكماء الذين أرسلهم إيا. وفي الصين يُنسب اختراع الكتابة إلى تسانغ جيه، الذي نظر إلى آثار الطير والحيوان فصنع الحروف. فالكتابة في الثلاثة هبة من معلّم أوّل، وفي بابل وحدها يأتي المعلّم من الماء.
وتضع المقالة الهندية الحكماء السبعة، الرِّشي، بجانب الأبكالّو، وتقرأ «رِشي» «رئيس» و«رائي». وفي قصّة الطوفان الهندية تأمر السمكة ماتسيا مانو أن يركب السفينة ومعه الحكماء السبعة والبذور، فيحمل السفينة إلى الجبل. ففي الهند سمكة تنقذ الحكماء من الطوفان، وفي بابل حكماء على صورة السمك يُنزلون إلى الماء به. مانو.