ملخص
أدابا حكيم مدينة إِرِيدُو في أساطير الرافدين. خلقه إيا وجعله سيّداً بين الناس لا يُردّ أمره، وأعطاه الحكمة ولم يعطه الحياة الدائمة. وكان يخبز الخبز مع خبّازي إريدو، ويهيّئ الطعام والماء للمدينة كلّ يوم، ويرتّب المائدة بيديه الطاهرتين، ويقود السفينة ويصيد السمك لإريدو.
وقصّته في لوح وُجد في تلّ العمارنة بمصر. كان أدابا يصيد السمك لبيت سيّده في وسط البحر، فهبّت ريح الجنوب فأغرقته، فقال لها غاضباً: لأكسرنّ جناحك، فانكسر جناح ريح الجنوب كما قال، فلم تهبّ على البلاد سبعة أيام. فسأل آنو وزيره إِيلابْرات: لماذا لم تهبّ ريح الجنوب سبعة أيام؟ فقال: كسر جناحها أدابا ابن إيا. فقام آنو عن عرشه وأمر أن يُؤتى به. وكان إيا يعرف ما في السماء، فعلّم أدابا ما يصنع: أن يرخي شعره ويلبس ثوب الحداد، فإذا بلغ باب آنو وجد عنده دموزي وغِيشْزِيدا يسألانه: لمن تلبس الحداد؟ فيقول: لمعبودين غابا عن أرضنا، دموزي وغيشزيدا. فينظر أحدهما إلى الآخر ويضحكان، ويقولان لآنو كلمة طيّبة. وقال له إيا: سيقدّمون لك خبز الموت فلا تأكل، وماء الموت فلا تشرب، وثوباً فالبسه، وزيتاً فادّهن به. ففعل أدابا ما قيل له، وتشفّع له الحارسان، فسكن قلب آنو وقال: لماذا أطلع إيا إنساناً على باطن السماء والأرض، وجعل له قلباً عظيماً؟ وما دام قد صنعه كذلك فماذا نصنع نحن به؟ هاتوا له خبز الحياة فليأكل. فجاؤوه بخبز الحياة فلم يأكل، وبماء الحياة فلم يشرب، وبالثوب فلبسه، وبالزيت فادّهن به. فضحك آنو وقال: تعال يا أدابا، لماذا لم تأكل ولم تشرب؟ لن تحيا. فقال أدابا: إيا سيّدي قال لي لا تأكل ولا تشرب. فقال آنو: خذوه وردّوه إلى أرضه.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الإنسان أُعطي العلم ولم يُعطَ الخلود، وأنّ الطاعة نفسها حرمته الخلود حين عُرض عليه. أدابا حكيم يكسر الريح بكلمة، ويعرف ما يقال على باب السماء، ويخرج من غضب آنو سالماً، لكنّه يطيع سيّده طاعة حرفية فيردّ الخبز الذي كان سيجعله حيّاً أبداً. ولا يقول النصّ لماذا سمّى إيا خبز الحياة خبز الموت، أكان يخاف على أدابا أم أراد أن يبقيه إنساناً. ويقول روجرز إنّ آدم خسر الخلود لأنّه عصى، وأدابا خسره لأنّه أطاع. والذي بقي للبشر من أدابا هو الحكمة، فقد قال آشوربانيبال إنّه تعلّم «صنعة الحكيم أدابا»، أي فنون الكتابة وعلومها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب a-da-ab «أَ-دَ-اَب» وa-da-be «أَ-دَ-بِ» وa-da-pa «أَ-دَ-پَ»، فحروفه الهمزة والدال والباء: «أدب»، وهي أولى قراءات المقالة البابلية. والأدب في لسان العرب رياضة النفس على الخصال المحمودة، و«أدب الدرس» ما يلزم التلميذ مع معلّمه. ومن المادّة نفسها أَدَبَ القومَ إذا دعاهم إلى طعامه، والمأدُبة الطعام يُدعى إليه الناس. والمعنيان معاً في القصّة: أدابا التلميذ المؤدّب الذي يحفظ وصيّة معلّمه إيا حرفاً حرفاً، والضيف الذي دُعي إلى مائدة آنو فلم يأكل، وهو نفسه الذي كان يرتّب مائدة إريدو بيديه.
الجذر اللغوي
أدابا و«الأدب»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| a-da-ab «أَ-دَ-اَب» | أَدَب | في نصوص بابلية قديمة وهلنستية، ومنها قائمة معجمية من أوروك |
| a-da-be₂ «أَ-دَ-بِ» | أَدَبِ | الرقم الصغير يميّز العلامة ولا يُنطق |
| a-da-pa₃ «أَ-دَ-پَ» | أَدَپا | الصيغة التي جاء منها الاسم الحديث |
| ᵐA-da-pa «علامة الرجل ثم أَ-دَ-پَ» | أَدَپا | لوح العمارنة، تسبقه علامة أسماء الرجال |
تُظهر الكتابة a-da-ab «أَ-دَ-اَب» الباء صريحة، فلا تحتاج القراءة إلى تحويل حرف. والباء والپاء تتعاقبان في الكتابة المسمارية لأنّ العلامة الواحدة تُقرأ بهما. وفي معجم لين: «أدّبه» علّمه رياضة النفس ومحاسن الأخلاق، والأديب من أُدّب فحسن أدبه، وسُمّي الأدب أدباً لأنّه يدعو الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح. ثم: «أَدَبَ القومَ» دعاهم إلى طعامه، و«الآدِب» الداعي إلى الطعام، و«المأدُبة» الطعام الذي يُدعى إليه الضيوف. فالمادّة تجمع الدعوة إلى المائدة والتأديب.
قراءات أخرى في المقالتين
تضع المقالتان البابلية والسومرية بعد «أدب» قراءة «آدم»، بإبدال الباء ميماً لأنّهما شفويتان، وتقول البابلية إنّ هذه القراءة «مثيرة جداً وراجحة صوتياً». وكان روجرز قد كتب في أوّل القرن العشرين «أدابا، وربّما أدامو». وفي معجم لين آدم أبو البشر، وأديم الأرض وجهها الظاهر. غير أنّ الكتابة بالباء لا تحتاج إلى الميم، فلا تكون «آدم» قراءة لحروف الاسم. لكنّها تلقاه في المعنى: في قائمة معجمية من أوروك تُشرح a-da-ab «أَ-دَ-اَب» بكلمة amēlu «أَمِيلُو»، أي الإنسان، وآدم في العربية والعبرية اسم الإنسان الأوّل. فالحروف حروف «أدب»، والقائمة تجعل معناه «الإنسان»، فتجتمع القراءتان: أدب في اللفظ، وآدم في الصورة. وتذكر المقالة البابلية «عَتَبَ»، فيكون أدابا «المُعاتَب»، وتصفها بالضعف لأنّها تحتاج إلى تبديل حرفين.
السياق التاريخي
تحفظ قصّة أدابا أربع كسر: ثلاث من مكتبة آشوربانيبال في نينوى، وواحدة من أرشيف أمنحوتب الرابع في تلّ العمارنة بمصر من القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وفي هذه الأخيرة نقاط بالحبر الأحمر تفصل بين الكلمات، فكانت تُستعمل لتعليم اللغة البابلية في مصر. وتجعل المقالتان أدابا أوّل الحكماء السبعة، الأبكالّو «أَبْكالُّو»، الذين أرسلهم إنكي قبل الطوفان ليعلّموا الناس. وفي القرن السابع قبل الميلاد يقول آشوربانيبال: «تعلّمتُ صنعة الحكيم أدابا، السرّ المكنون، فنون الكتابة كلّها، فأعرف علامات السماء والأرض، وأناقشها في مجمع العلماء».
الصلات
| الاسم | الصلة بأدابا | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| إيا، إنكي | خالقه وسيّده، ويسمّيه اللوح «ابن إيا» | العمارنة 11 و68؛ روجرز ص 69 |
| آنو | يستدعيه إلى السماء ويعرض عليه خبز الحياة | العمارنة 7–70 |
| إيلابرات | وزير آنو | العمارنة 8–12 |
| دموزي وغيشزيدا | حارسا باب آنو، يتشفّعان له | العمارنة 20–28 و39–56 |
| ريح الجنوب | أغرقته فكسر جناحها | العمارنة 1–13 و50–52 |
السرديات الأسطورية الرئيسة
خادم مائدة إريدو
تبدأ الكسرة الأولى من نينوى بصفة أدابا قبل القصّة: كان أمره كأمر آنو، وأعطاه إيا «أذناً واسعة» يكشف بها قدر البلاد، وكان أعقل الأنونّاكي، طاهر اليدين، ممسوحاً بالزيت، حافظاً للشرائع. وكان كلّ يوم يغلق باب إريدو، ويركب السفينة من الرصيف الطاهر، رصيف القمر الجديد، فيمضي بها إلى البحر الواسع. فالرجل الذي ردّ خبز آنو كان صاحب خبز المعبد وماءه في مدينته.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة البابلية أدابا «آدم السامي»، الإنسان الأوّل المتعلّم الذي فقد الخلود، وترى في القصّتين خسارة الخلود باختيار يتعلّق بالطعام. وفي النصّ يظهر الطعام في كلّ مرحلة: خبز إريدو الذي يخبزه أدابا، وخبز الموت الذي حذّره منه إيا، وخبز الحياة الذي عرضه آنو. والذي يحسم قدره ليس الخبز نفسه، بل الكلمة التي سمعها من معلّمه وحفظها.
التوازيات عبر الحضارات
في الرافدين ثلاث قصص يُعرض فيها على إنسان ما يجعله حيّاً: أوتنابشتم يُعطى الحياة الدائمة بعد الطوفان، وجلجامش يأخذ نبتة الشباب فتأكلها الحيّة، وأدابا يُعرض عليه خبز الحياة فيردّه. ويأكل إنكيدو الخبز ويشرب الجعة فيصير إنساناً، ويردّ أدابا خبز السماء فيبقى إنساناً. وتقارن المقالة الإغريقية بروميثيوس بأدابا، فكلاهما وقف أمام المعبودات بعلم البشر وخسر. وأمّا آدم في التوراة والقرآن فقد خسر الجنّة بأكل ما نُهي عنه، وأدابا خسر الخلود بترك ما أُذن له فيه.
وأدابا الذي ردّ خبز الحياة فبقي للناس منه العلم دون الخلود يقف مع بروميثيوس وأودين فيمن دفعوا ثمن المعرفة من الأبطال الحضاريين.