ملخص
الجبل المقدس في هذه الأساطير موضع مرتفع يسكنه المعبود أو يجتمع فيه مجلسه، أو يقوم عليه ترتيب العالم.
في دورة بعل من أُوغارِيت يغلب بعل يم، ثم يشكو أنه لا بيت له كسائر أصحاب المجلس. تتوسط أثيرة عند إيل فيأذن، ويأتي كوثر وحسيس بالخشب والمعادن فيبني القصر على جبل صفون، ويرسل بعل صوته من نافذته.
وفي أول «الإلياذة» «إِلْيَاذَة» تصعد ثِيتِيس إلى أُولُمْبُوس، فتمسك ركبتي زيوس وتطلب أن يعيد الكرامة إلى ابنها أخيل. يوافق زيوس فيومئ برأسه فيهتز الجبل، ثم يعود إلى قصره، فتخاصمه هيرا، ويصلح هيفايستوس بينهما ويصب الشراب.
وفي «بهاغافاتا بورانا» «بْهَاگَوَتَ پُورَانَ» الهندية يقوم مِيرُو، جبل من ذهب، في وسط العالم كقلب زهرة اللوتس. وفي قصة خضّ المحيط يلفّ الفريقان المتخاصمان الحية فاسوكي «ڤَاسُوكِي» حول جبل ماندارا «مَنْدَرَ» ويسحبانها، فيدور الجبل في الماء، فإذا غاص اتخذ فيشنو صورة سلحفاة وحمله على ظهره. بهاغافاتا بورانا 5.16.7، 8.7. وفي الرواية النوردية تقوم في موضع الجبل شجرة، يغدراسيل، تمتد جذورها في العوالم، وتسقيها النُّورْنات من بئر أُرد «أُورْد».
تتفق هذه القصص في أن الموضع المرتفع مكان للسلطان: فيه بيت المعبود، أو مجلسه، أو مركز العالم. وتفترق في ما يُفعل عليه. على صفون يُبنى بيت لملك جديد بإذن ووساطة وصنعة، وعلى أولمبوس تُطلب حاجة ويُتخذ قرار الحرب ويتخاصم الزوجان، وماندارا أداة يديرها خصمان معاً ويحملها فيشنو، ويغدراسيل شجرة حية تحتاج إلى من يسقيها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: «الطُّور» في العربية الجبل، ويقابله في السريانية ṭūrā «طُورا» بالمعنى نفسه، وفي العبرية ṣūr «صُور» للصخرة. وكتبت أوغاريت اسم جبل بعل ṣpn «ص-پ-ن»، والنقل العربي المألوف «صفون» بالفاء مكان الپاء، ويقرأ المقال الكنعاني «بعل صفون» على نسق «بعل حرمون» و«بعل حاصور»: سيد المكان، أي صاحب الجبل. وزيوس «زِوْس» صاحب أولمبوس هو «ذو»، صاحب الأمر. وأُولُمْبُوس، Ὄλυμπος، يقرؤه المقال الإغريقي «عَلَم»: ننزع اللاحقة -ος «-وس» فيبقى ὀλυμπ- «أُولُمْب»، فالعين تسقط في أوله كما تسقط الحلقيات في اليونانية، واللام لام، والميم والباء المتجاورتان «مْب» تقابلان الميم. والعَلَم في معجم لين «الجبل»، أو «الجبل الطويل». فأولمبوس هو الجبل العَلَم، المرتفع الذي يُرى من بعيد ويجتمع عليه مجلس الآلهة. ومِيرُو، मेरु meru، لا يعطي له المعجم السنسكريتي معنى غير اسم الجبل الأسطوري. ونقرؤه، «قراءة مقترحة على المنهج»، مع «مَرْو»: الميم ميم، والراء راء، والواو واو. وفي «تاج العروس»: المَرْو «حجارة بيض برّاقة تُوري النار»، الواحدة مَرْوة، وبها سُمّيت المروة في مكة لبياض حجارتها وبريقها؛ وفي «المحيط» للصاحب بن عبّاد: «المروة جبل». فميرو على هذه القراءة الجبل البرّاق، وهو ما تصفه «بهاغافاتا بورانا»: جبل من ذهب في وسط العالم. ويغدراسيل «إِغْدْراسِيل» يُقرأ «عقد الدرس الإلهي»: الشجرة التي تشد العوالم بعضها إلى بعض. ط-و-ر
الجذر اللغوي
كتبت أوغاريت اسم الجبل ṣpn، «ص-پ-ن، رسم صامتي»، وتحفظ كتابة مقطعية صيغة Ṣapūnu (صاپونو تقريباً). وتستعمل الموسوعة «صفون» نقلاً عربياً مألوفاً، وفيه فاء بدل الپاء التي تظهر في النقل المقطعي. لا تظهر الحركات في الرسم الأوغاريتي الأول. وتصف القصيدة بعل بأنه صاحب صفون وصاحب المرتفعات، وتقرن موضعه بألقاب السحاب والمطر.
أما الطور فلفظ للجبل، وتقارنه الدراسة بالسريانية ṭūrā (طورا) وبالعبرية ṣūr (صور)، «الصخرة». تتعلق هذه المقارنة بألفاظ المكان، ولا تشتق منها أسماء صفون أو أولمبوس أو ميرو.
الشواهد بحسب الحضارة
بعد انتصاره على يم، يشكو بعل أنه لا يملك بيتاً كسائر أصحاب المجلس. تتوسط أثيرة عند إيل، فيأذن بالبناء، ويأتي كوثر وحسيس بالخشب والمعادن ويقيم القصر، ثم يخرج صوت بعل من نافذته. تقرأ المقالة الكنعانية الجبل خزاناً للماء أو موضعاً لرصد السحب، لكن النص لا يصف محطة أرصاد أو منشأة مائية مكتشفة؛ الذي يثبته هو الإذن والمواد والصانع والنافذة وصوت صاحب المطر.
في أول الإلياذة تصعد ثيتيس إلى أولمبوس، وتمسك ركبتي زيوس وتطلب أن يعيد الكرامة إلى ابنها أخيل. يوافق زيوس، فتتحرك القمة مع إيماءة رأسه. وحين يعود إلى قصره يقف له أهل المجلس، ثم تخاصمه هيرا، ويسعى هيفايستوس إلى تهدئتهما ويصب الشراب. ينتقل الشعر من طلب الأم إلى هيبة الرئيس وخصومة الزوجين ثم الوليمة. وتقرأ المادة الإغريقية هذا البيت من صورة الأسرة والسلطان التي عرفها الناس.
وفي بهاغافاتا بورانا يوصف ميرو جبلاً من ذهب في وسط العالم، كقلب زهرة اللوتس. أما ماندارا في قصة خضّ المحيط فله عمل آخر: يلف الجمعان الحية فاسوكي حوله ويسحبانه، فيدور الجبل وسط الماء. وحين يغوص لافتقاره إلى ما يحمله، يتخذ فيشنو صورة سلحفاة ويحمله على ظهره. الأول يرتب صورة العالم، والثاني أداة ضخمة في عمل يشترك فيه خصمان. تقرأ المادة الهندية هذه الصور في صلة الإنسان بالمكان والماء والعمل، مع بقاء الجبل الذهبي والسلحفاة من أوصاف الحكاية.
أما يغدراسيل في الرواية النوردية فهو شجرة؛ تمتد جذوره إلى مواضع مختلفة، وعند أحدها بئر أُرد ومجلس. تسقي النورنات الشجرة من البئر، فتصل الحكاية بين قيام العالم والماء الذي يحفظه. يشترك ارتفاع الشجرة واتصالها بالعوالم في بعض معاني صورة الجبل، ويضيف الخبر النوردي سقي بنية حية تحتاج إلى الماء.
التحليل البنيوي
يحتاج قصر بعل إلى إذن ووساطة وخشب ومعدن وصانع. ويحتاج طلب ثيتيس إلى الوصول إلى صاحب السلطان والإمساك بركبتيه، ثم يظهر أثر الطلب في قرار الحرب. ويحتاج ماندارا إلى فريقين يسحبان الحية وإلى ظهر يحمل الجبل. أما يغدراسيل فتسقيه النورنات من البئر. تحدد هذه الأفعال وظيفة الموضع: بيت للملك، وقصر للمشورة والخصام، وأداة لعمل مشترك، وشجرة تحفظ بالسقي.