ملخص
فيستا «وِسْتَا» ربّة الموقد عند الرومان، أي النار التي في وسط البيت وفي وسط المدينة، وهي ابنة سَاتُورْن وأوپس «أُوپْس»، وأخت جوبيتر وجونو وسيريس. ويقابلها عند الإغريق هيستيا، وقد قارن شِيشِرُون بين الاسمين. لكنّ عبادتها رومانية في أكثرها: لم يكن في معبدها المستدير تمثال، كما يقول الشاعر أوفيد «أُوڤِيد»، بل نار لا تنطفئ، تحرسها كاهنات عذارى.
ويُنسب تنظيم عبادتها إلى نُومَا، الملك الذي خلف رُومُولُوس. فقد عيّن للنار كاهنات تُختار الواحدة منهنّ بين السادسة والعاشرة، وتخدم ثلاثين سنة: عشراً تتعلّم، وعشراً تعمل، وعشراً تعلّم القادمات. وكانت المختارة تخرج من سلطة أبيها، ويصير لها أن تكتب وصيّتها. فإذا انطفأت النار بإهمال الحارسة جُلدت، وإذا نقضت إحداهنّ عهد العفّة دُفنت حيّة.
بل إنّ قصّة روما نفسها تبدأ في خدمة فيستا. يروي ليفيوس «لِيڤِيُوس» أنّ أَمُولِيُوس اغتصب الملك من أخيه نُومِيتُور، وقتل أبناء أخيه الذكور، ثم جعل ابنة أخيه ريا سيلفيا «رِيَا سِلْڤِيَا» من كاهنات فيستا، في صورة التكريم، ليحرمها الولد بالعذرية الدائمة. لكنّها ولدت توأمين، وقالت إنّ أباهما مارس، وهما رومولوس ورِيمُوس.
والفكرة التي تدور عليها عبادتها أنّ في وسط المدينة ناراً يجب ألّا تنطفئ، وأنّ بقاء المدينة مربوط ببقائها. ولهذا كانت الحراسة عملاً شديد الضبط، ولهذا حُفظت في معبدها الأشياء التي قيل إنّ سلامة روما معلّقة بها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع ألف التأنيث اللاتينية من آخر Vesta «وِسْتَا»، فيبقى «وِسْت»، وهو «وَسْط» العربية، والتاء اللاتينية مقابل الطاء لأنّ اللاتينية لا طاء فيها. ووسط الشيء عند لين ما بين طرفيه، ووسط القومَ جلس في وسطهم، وواسطة القلادة الجوهرة التي في وسطها وهي أجودها وأنفس خرزها، ووسط الرجلُ قومَه إذا نزل منهم المنزلة الوسطى، أي أفضلها. ففيستا على هذه القراءة الوسط، النار التي في قلب البيت وقلب المدينة، وأنفس ما تحفظه المدينة، وهو ما تجعله عبادتها.
الجذر اللغوي
| الصيغة | ما تبيّنه |
|---|---|
| Vesta «وِسْتَا» | الاسم اللاتيني، وكانت v «ڤِي» اللاتينية تُنطق واواً. |
| Vestae «وِسْتَاي» | صيغة الإضافة، تثبت أنّ التاء من الاسم لا من النهاية. |
| ἑστία / hestía «هِسْتِيَا» | الكلمة اليونانية للموقد والبيت، وبها سُمّيت هيستيا. |
تقابل الواو الواو، والسين السين، والتاء الطاء. وعند لين: وسط الشيء ما بين طرفيه، ووسط المكانَ صار في وسطه، وواسطة القلادة الجوهر الذي في وسطها وهو أجودها، والوسط من كلّ شيء أعدله وخيره. فيجتمع في الجذر المكان والقيمة معاً، وهما ما للموقد في البيت ولنار فيستا في المدينة.
ويقترح المقال الروماني قراءة ثانية هي «وسيلة»، أي ما يُتقرّب به، لأنّ القرابين كانت تُحرق في نار فيستا. لكنّ الوسيلة من الجذر و-س-ل، فهي تشرح عمل النار ولا تقابل حروف الاسم. ويذكر المقال كذلك صيغة عبرية بمعنى الوسط، والذي في معجم جَاسْتْرُو أنّ וֶסֶת «وِسِت» العبرية والآرامية וֶוסְתָּא «وِسْتَا» معناهما العادة والموعد المنتظم للحيض، فلا تشهدان لمعنى الوسط.
وفسّر الرومان الاسم بتفسيرات أخرى: ربطه أوفيد بعبارة vi stando «وِي سْتَانْدُو»، أي الثبات بالقوّة، وقارنه شيشرون بـ«هستيا» اليونانية، ويسوق المعجم مقارنة بالسنسكريتية vas «وَس»، أي احترق. ويقرأ المقال الإغريقي في هذا المشروع اسم هيستيا «الأُسّ»، أي أساس البيت وموقده، ويذكر معه «وَسَط» قراءةً ثانية تلتقي بقراءة فيستا، والقراءتان قائمتان معاً. ويقول شيشرون إنّ الرومان يحملون اسماً هو تقريباً الاسم اليوناني نفسه، ويجعل معجم لويس وشورت Ἑστία «هِسْتِيَا» من أصل فيستا، ويصف معجم ليدل وسكوت هذه الصلة بأنّها غير مؤكّدة لأنّ اللهجات اليونانية لا تكتب الاسم بالواو، ثم يذكر الاستثناء: اسم علم من مانْتِينِيا مكتوب ϝιστίαυ «وِسْتِيَاو» بالواو في أوّله، وصيغة γιστία «گِسْتِيَا». وللصلة نظير في كلمة المساء: اليونانية ἕσπερος «هِسْپِيرُوس» واللاتينية vesper «وِسْپِر»، وفيهما تقابل الهاءُ اليونانية الواوَ اللاتينية في أوّل الكلمة. فإن كان الاسمان كلمة واحدة صلحت «الوسط» قراءةً لهما معاً، وهو ما يوافق مقام هيستيا في وسط البيت.
السياق التاريخي
يصف أوفيد معبداً مبكّراً لفيستا سقفه من القشّ وجدرانه من الأغصان المضفورة، ويجعل عيدها «الڤستاليا» Vestalia «وِسْتَالِيَا» في التاسع من يونيو، ويذكر أنّ أقذار معبدها تُحمل إلى نهر التِّيبَر في الخامس عشر منه. وكتب أوفيد وبلوتارخ «پْلُوتَارْخ» بعد عصر نوما بقرون، فوصفهما رواية لا وثيقة بناء.
ويقدّم دينار ضُرب سنة 55 ق.م شاهداً مؤرّخاً: على وجهه رأس فيستا محجّباً، وعلى ظهره معبدها وكرسي ووعاء ولوح. فالعملة تصوّر المعبودة، ونصّ أوفيد يصف داخل معبدها الخالي من التمثال.
السرديات الأسطورية الرئيسة
حين حاصر الغَالِيُّون الكَابِيتُول واشتدّ الجوع، جمع جوبيتر المعبودات، ووصف مارس ما أصاب الرومان، وطلبت فيستا وفينوس وكْوِيرِينُوس حماية بلادهم. فأمر جوبيتر فيستا أن تطحن ما بقي من الحبوب وتعجنه وتخبزه، وأوحى إلى القادة في المنام أن يلقوا إلى العدوّ آخر ما يريدون التفريط فيه. فألقوا الخبز من الأسوار، فظنّ المحاصرون أنّ المدينة غنية بالطعام، ويئسوا من إخضاعها بالجوع.
ويروي أوفيد أنّ كِيبِيلِي أقامت وليمة عند جبل إِيدَا، فنامت فيستا على العشب، واقترب بريابوس «پْرِيَابُوس» ليعتدي عليها. فنهق حمار سِيلِينُوس، فاستيقظت واجتمع الحاضرون وهرب بريابوس. ولهذا، كما يقول، يُزيَّن الحمار بعقود الخبز وتُراح الطواحين في عيدها، ويذكر سبباً عملياً أيضاً: الحمار يدير الرحى.
وتحفظ فيستا البَالَادِيُوم، صورة مينيرفا التي قيل إنّها هبطت على طروادة وربط الوحي حفظها بحفظ المدينة. ويورد أوفيد أسماء ديوميديس وأوديسيوس وإينياس بدائلَ في خبر حملها. وحين احترق معبد فيستا دخل الكاهن الأكبر مِيتِيلُوس الموضع المحظور على الرجال وأنقذ الوديعة.
القراءة الرمزية
تظهر فيستا في أفعال يومية: يرسل الناس إليها الطعام في طبق نظيف، ويضعون الأكاليل على أحجار الطحن، ويريحون الحمار، وينضجون الخبز تحت الرماد. والموقد وسط عملي لأنّه يحوّل الحبوب إلى قوت ويجمع حوله من يطحن ويخبز ويأكل.
ويعلّل أوفيد عذرية فيستا بأنّ اللهب لا يلد أجساماً، ويذكر بلوتارخ نيراناً يونانية دائمة تحرسها أرامل تجاوزن سنّ الزواج، فتتغيّر هيئة الحارسات ويبقى دوام النار هو العمل. ويفسّر أوفيد استدارة المعبد باستدارة الأرض ووقوعها في وسط العالم، بينما ينسب بلوتارخ إلى الفِيثَاغُورِيِّين ناراً في وسط الكون تدور الأرض حولها؛ نموذجان كونيان مختلفان يلتقيان في وصل النار بالمركز.
وتقابل هيستيا فيستا في الموقد والطعام: يمنحها النشيد الهوميري أوّل الشراب وآخره، ويدعوها مع هرمس إلى الإقامة في البيت. أمّا قصّة موسى في سورة طه فتبدأ بحاجة المسافر إلى قبس ثم تتحوّل إلى نداء وتكليف، وهي صلة أخرى بين النار وحاجة الإنسان.