داجان

ملخص

داجان معبود كبير من أعالي الفرات في سوريا. أقدم أخباره في ألواح إِبْلا في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، وأكبر بيوته في تُوتُول على الفرات، ثم في ماري وتِرْقا. كان في تلك البلاد «أبا الآلهة» و«سيّد البلاد»، ويُلقَّب بعل في ألواح أُوغارِيت «ابن داجان»، ويظهر في التوراة باسم داجون معبوداً للفلسطيين في أشدود وغزّة.

وليست له أسطورة طويلة باقية، فقصّته في الأخبار التي تذكره. يقول سرجون الأكدي إنّه سجد لداجان في توتول، فأعطاه داجان «البلاد العليا»: ماري ويَرْمُوتي وإبلا حتى غابة الأرز وجبال الفضّة. وفي ماري، في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، كان المتنبّئون يتلقّون رسائله في معبده فتُرفع إلى الملك، وأهدى إليه الملك زِمْرِي لِيم عرشاً، وأُمر الملك أن يقبّل قدمه، وكان تمثاله يُحمل في السفن من مدينة إلى مدينة. هيلي، ص 216، أوتو، ص 1–3. وفي أوغاريت لا يفعل داجان شيئاً في القصص، لكنّ اسمه يلازم ابنه: يطلب رسل يم من مجلس إيل أن يُسلَّم إليهم «بعل، ابن داجان، الذي آخذ ذهبه». ويأتي داجان في قوائم الآلهة بعد إيل وقبل بعل، وتُذكر له القرابين على حجرين قائمين وُجدا عند أحد معبدَي الأكروبول.

وتحفظ رواية متأخّرة خبراً يفسّر اللقب. يقول فيلون الجبيلي، وهو كاتب من القرن الأوّل أو الثاني للميلاد، إنّ أورانوس، أي السماء، تزوّج أخته جي، أي الأرض، فولدت له أربعة أبناء: إيلوس الذي هو كرونوس، وبيتيلوس، وداجون «الذي هو سيتون»، أي القمح، وأطلس. فلمّا حارب كرونوس أباه وغلبه أُسرت في الحرب سريّة أورانوس وهي حامل، فزوّجها كرونوس لداجون، فولدت في بيته ابن أورانوس، وسمّته ديماروس. ويقارن الباحثون اسم ديماروس بلقب من ألقاب بعل، فإن كان هو بعلاً فهو في هذه الرواية ابن بيت داجان لا ابن صلبه. ويقول فيلون أيضاً إنّ داجون اكتشف القمح والمحراث فسُمّي «زيوس صاحب الحرث».

وفي التوراة صار داجان داجون، معبود الفلسطيين في أشدود. يحمل الفلسطيون تابوت العهد الذي غنموه إلى بيت داجون ويضعونه إلى جانبه، فيصبحون فيجدون داجون ساقطاً على وجهه أمام التابوت، فيردّونه إلى مكانه. ثم يصبحون فيجدونه ساقطاً، ورأسه وكفّاه مقطوعة على العتبة، ولم يبقَ منه إلّا جذعه، «ولذلك لا يطأ كهنة داجون ولا الداخلون إلى بيته عتبة داجون في أشدود». ويجتمع أمراء الفلسطيين ليذبحوا لداجون ذبيحة عظيمة لأنّه أسلم إليهم شمشون، ويعلّقون رأس شاؤول في بيته، ثم يحرق يوناثان المكابي معبده في أزوتوس، أي أشدود، في القرن الثاني قبل الميلاد.

والفكرة التي تدور عليها أخبار داجان أنّه الأب الذي يقعد ويترك العمل لابنه. كان في الألف الثالث قبل الميلاد يُصوَّر واقفاً بسلاحه، يعطي الملوك البلاد، ثم صار في الألف الثاني يُصوَّر شيخاً ملتحياً على عرشه، يتقدّم إليه صاحب العاصفة وصاحب الشمس على الأختام. فانتقل الفعل إلى بعل، وبقي لداجان مقام الأب، كما بقي لإيل في أوغاريت. وصلته بالأرض صلة الأب بما يملك: هو «سيّد البلاد» على الفرات، واسمه في لغة الساحل اسم الحَبّ، وابنه صاحب المطر الذي يسقي الحَبّ.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: كتبه أهل الفرات بالمسمارية Da-ga-an «دَاجَان»، وكتبته أوغاريت بالصوامت dgn «د-ج-ن»، وجعلت العبرية ألفه الطويلة واواً فقالت Dāgôn «دَاجُون». والحرف g في هذه اللغات تقابله الجيم العربية، فالاسم من مادّة «د-ج-ن». وفي معجم لين: «الدَّجْن» أن يُلبس الغيمُ السماء، وهو أيضاً المطر الكثير، و«سحابة داجنة» تمطر مطراً دائماً، ويروي ابن الأعرابي «دَغَنَ» بالغين في هذا المعنى، وهي التي تذكرها المقالة. والحروف نفسها في العبرية dāgān «دَاجَان» الحَبّ والقمح، وفي نقش أشمونعزر ملك صيدا تُسمّى سهول شارون «أراضي القمح» بهذه الكلمة. فالمادّة في الفرعين تجمع الغيم الممطر والحَبّ الذي ينبت تحته، وهذا ما تجمعه المقالة الكنعانية حين تبدأ بالحبّة والحنطة ثم تجعل داجان «إله السحاب والمطر الذي ينبت الحبوب». وهذا ما تجعله الأخبار: أبو صاحب المطر، و«سيتون» عند فيلون، والذي علّم الناس الحرث.

الجذر اللغوي

داجان و«الدَّجْن»

الصيغة النطق الموقع
Da-ga-an «دَاجَان» دَاجَان إبلا وماري، بالمسمارية؛ ويُكتب في إيمار أحياناً بعلامة الجبل
dgn «د-ج-ن» دَجَن، والحركات غير مكتوبة أوغاريت، اسم المعبود
bn dgn «ب-ن د-ج-ن» ابن داجان لقب بعل، اللوح 1.2
dgn ttl «د-ج-ن ت-ت-ل» داجان توتول اللوحان 1.24 و1.100
Dagan-takala «دَاجَان تَكَالَا» اسم رجل رسائل تل العمارنة
דָּגוֹן Dāgôn «دَاجُون» داجون العبرية، معبود الفلسطيين
דָּגָן dāgān «دَاجَان» داجان العبرية، الحَبّ والقمح
ʾrṣt dgn «أ-ر-ص-ت د-ج-ن» أراضي القمح الفينيقية، نقش أشمونعزر، السطر 19
Siton «سِيتُون» القمح فيلون الجبيلي، ترجمة الاسم باليونانية

المقابلة لا تحتاج إلى حذف حرف. الدال دال، والجيم العربية تقابل g في الأكدية والأوغاريتية والعبرية كما تقابلها في «جمل» وgāmāl «جَامَال»، والنون نون. وواو داجون العبرية من تحوّل كنعاني تصير فيه الألف الطويلة واواً، فليست حرفاً من الجذر. وفي معجم لين للمادّة معنيان: الأوّل الغيم والمطر، فـ«الدَّجْن» إلباس الغيم السماء والمطر الكثير، و«الدُّجُنّة» الغيم الذي يطبق السماء كلّها ممتلئاً ماءً مظلماً لا مطر فيه، وهي أيضاً الظلمة؛ والثاني الإقامة، فـ«دَجَنَ بالمكان» أقام به ولزمه، ومنه «الدواجن»، الشاء والحمام وغيرها التي تلزم البيوت. فالمعنى الجامع غيم يقيم فوق الأرض فيمطرها، وبيت يقيم فيه الناس وماشيتهم.

وحدّ القراءة في التاريخ. يقول هيلي إنّ أصل الاسم غير معروف، وإنّ معنى الحَبّ في dgn «د-ج-ن» غربيّ لا يعرفه أهل الرافدين، فلم يكن عابدو داجان في ماري يسمعون فيه القمح، ويرى بعض الباحثين أنّ كلمة القمح أُخذت من اسم المعبود، ويعدّ المقابلة بالعربية «دَجَن» بعيدة. والاسم مشهود في إبلا قبل أن تُشهد أيّ كلمة للقمح بحروفه بألف سنة. فالقراءة تجمع لفظاً عربياً ثابتاً ولفظاً كنعانياً ثابتاً، ويبقى أن يُعرف ما كان الاسم يعني في إبلا وماري.

قراءات أخرى في المقالة

تضع المقالة الكنعانية في أوّل حديثها عن داجون «الحبة والحنطة»، ثم تضع «دَجَنَ» أي أظلم وغيّم أوّلاً في جدولها، وهما معاً القراءة التي بدأنا بها. وتذكر ثالثة متوسّطة: «دا» و«غان»، العطاء والقوّة، من مصدرين سامي وأكدي، وهي تقسم مادّة واحدة كلمتين بلا شاهد على أنّ الاسم مركّب. وتقرأ المقالة «الدُّجُنّة»، أي الظلمة، صورةً لباطن الأرض الذي ينبت منه الحَبّ، وهو من المادّة نفسها. أمّا قراءة الاسم من العبرية dāg «دَاج»، أي السمك، فقديمة عند جيروم وبعض شرّاح اليهود، وبنى عليها فلهاوزن تصحيحاً لنصّ صموئيل الأوّل 5:4 يجعل الباقي من داجون «جزءه السمكي»، وتركها الباحثون لأنّ الترجمات القديمة فهمت الكلمة جذعاً أو بدناً.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الجبل الكبير وسلاح داجان

تسمّي رسالة ثنائية اللغة من ماري داجان «الجبل الكبير، أبا الآلهة الكبار»، ويُكتب اسمه في إيمار بعلامة الجبل. ومنذ عهد سرجون تذكر النصوص «سلاح داجان» الذي يعين الملوك على أعدائهم، ويقول يَخْدُون لِيم ملك ماري إنّه ملك ضفاف الفرات بسلاح داجان القويّ. وكانت لداجان حجارة قائمة في توتول وماري، وكان أهل إيمار يخرجون بتمثاله في موكب من المعبد إلى حجارة خارج المدينة. وزوجته شالا، التي تُذكر معه منذ ألواح إبلا.

داجان في ألواح أوغاريت خارج دورة بعل

في عرس يرخ القمر، اللوح 1.24، يُذكر «داجان توتول» في سطر مكسور، فيظنّ بعض الباحثين أنّه هناك أبو يرخ. وفي رقية الحيّة، اللوح 1.100، تنادي فرسٌ لُدغ مهرها أمَّها شبش أن تحمل صوتها إلى الآلهة واحداً بعد واحد، كلّ في مدينته: إيل عند منبع النهرين، وبعل على صفون، وداجان في توتول، ويرخ في لَرُغَت، وشحر وشالم في السماء، فلا يجيبها إلّا حُورُون الأخير. فداجان في أوغاريت ما زال يسكن توتول البعيدة. ويذكر الحجران القائمان قرباناً يُسمّى pgr «پ-ج-ر»، اسمه من الجثّة، وكان في ماري يُقدَّم لداجان، ويصله بعض الباحثين بعبادة الموتى.

ملوك يحملون اسمه

حمل ملوك إيسين في جنوب الرافدين اسمه: إدّين داجان، أي «داجان أعطى»، وإشمي داجان. وفي نشيد إدّين داجان لإنانا أقدم رواية كاملة لـالزواج المقدّس: تقول إنانا للملك على السرير «يا إدّين داجان، أنت حبيبي حقّاً». وفي الجنوب سوّى الكتبة داجان أحياناً بـإنليل. نشيد إنانا وإدّين داجان، 169–216، هيلي، ص 216.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الكنعانية داجان إلهاً للحبوب والزراعة وحامياً للحصاد، وترى في «الدُّجُنّة» صورة الأرض الخفية تحت السطح التي يخرج منها الحَبّ من الظلمة، فتقرنه بقوله «يحيي الأرض بعد موتها». وتجعله المقارنة البنيوية الرومانية ثالث ثلاثة في الشرق: إيل للسيادة، وبعل للقوّة، وداجون أو عشتار للشعب والخصب.

وفي الشواهد يظهر داجان أباً للأرض أكثر منه زارعاً لها. يقبّل الملك قدمه ويأخذ منه البلاد، وتُقدَّم عند حجارته قرابين يصلها بعض الباحثين بعبادة الموتى، فهو صاحب الأرض الذي يعطيها ويستقبل من سكنها. والحَبّ في اسمه يجعل الأب والأرض والقوت شيئاً واحداً، والمطر يأتي من ابنه بعل. وقصّة أشدود تقرأ التمثال الساقط: أدخل الفلسطيون التابوت بيت معبودهم علامةً على غلبته، فسقط معبودهم أمامه ساجداً ثم مكسوراً.

التوازيات عبر الحضارات

يقف داجان في بلاد الفرات حيث يقف إيل في أوغاريت وإنليل في الرافدين: أب للآلهة يجلس على عرشه ويتقدّم إليه ابنه صاحب العاصفة، وفي الجنوب سُوّي بإنليل أحياناً. وتُصوّر الأختام هذا المجلس: داجان جالس، وصاحب العاصفة وصاحب الشمس واقفان أمامه. وعند فيلون داجون أخو كرونوس ابن أورانوس، فيدخل في نسب الخلافة الذي تحكيه الثيوغونيا الإغريقية.

وتقارنه المقالة الكنعانية بـديميتر الإغريقية وسيريس الرومانية، ربّتي الحَبّ، وتصله بـأوزيريس ونينورتا. ويجمع داجون فيلون بديميتر أنّ كليهما أعطى الناس القمح، ويفترقان في أنّ ديميتر تحبس البذر في الأرض حين تفقد ابنتها، وداجان لا يغضب ولا يحبس شيئاً في أخباره. وهو عند فيلون مكتشف القمح والمحراث، فهو من أبطال الحضارة الذين علّموا الناس عملاً من أعمال العيش.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. هيلي، «داجون»، معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، ص 216–219.

  2. أوتو، «داجان»، معجم صور المعبودات، وبونيه، «ملقرت».

  3. وايت، «نصوص دينية من أوغاريت»، اللوح 1.2، ص 58، واللوح 1.24، ص 338، واللوح 1.100، ص 378–380.

  4. يوسابيوس، «الإعداد للإنجيل» 1.10، ترجمة غيفورد: رواية فيلون الجبيلي.

  5. صموئيل الأوّل 5، والقضاة 16، وأخبار الأيام الأوّل 10، ترجمة الجمعية اليهودية 1917.

  6. اللوفر، تابوت أشمونعزر، وأوراك، أعلام رسائل العمارنة، ونشيد إنانا وإدّين داجان.

  7. معجم لين، دجن، وبراون ودرايفر وبريغز، dāgān «دَاجَان» وداجون.

  8. هيلي، ص 217
  9. هيلي، ص 218