نبتون

ملخص

نبتون «نِپْتُون» إله البحر والمياه عند الرومان، وأخو جوبيتر وبلوتو. أخذ الرومان كثيراً من أخباره عن بوسيدون الإغريقي: الحربة ذات الشعب الثلاث، والخيل، ومنازعته ربّة الحكمة على مدينة. أمّا ما هو روماني خالص فعيده Neptunalia «نِپْتُونَالِيَا»، ومأدبة دعته إليها روما سنة 399 ق.م حين نزل بها الوباء، وزوجته سَالاكِيَا التي يجعلها أوغسطين ماء البحر.

وأشهر قصّة رُويت عنه بلسان روماني في أوّل «الإنيادة» للشاعر فرجيل «ڤِرْجِيل». كانت جونو تكره الطرواديين، فرشت أَيُولُوس ملك الرياح بأجمل حورياتها ليطلق الرياح على أسطول إينياس. فهاج البحر حتى غلت مياهه من أعمق قاعها، فأحسّ نبتون بذلك، فرفع رأسه هادئاً فوق الماء، ورأى السفن مبعثرة. فوبّخ الرياح وقال لها: ليس لأيولوس سلطان البحر ولا الحربة، إنّما أُعطيتهما أنا بالقرعة. ثم سكّن الموج، ودفع تْرِيتُون وكِيمُوثُوِي السفن عن الصخر، ورفعها هو بحربته من الرمال. ويشبّه فرجيل هدوء البحر بجمهور هائج يسكت حين يرى رجلاً يحترمه.

والفكرة التي تدور عليها قصصه أنّ البحر طريق، وأنّ صاحب البحر هو الذي يفتح الطريق ويأخذ ثمن العبور. فحين طلبت فينوس منه أن يوصل أسطول ابنها سالماً، وعدها بأن يبلغ الأسطول ميناء أفرنوس «أَڤِرْنُوس»، وقال: نفس واحدة تُعطى عن الكثيرين. فسقط الملّاح بالينوروس «پَالِينُورُوس» في البحر نائماً، ووصلت السفن.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع نهاية الرفع اللاتينية «-us» «ـُس» من Neptunus «نِپْتُونُس»، فيبقى «نِپْتُون». والمقال الروماني في هذا المشروع يقرأ أوّله «نَبَط». والنَّبَط في لسان العرب الماء الذي يخرج من قعر البئر أوّل ما تُحفر، ونبط الماء أي نبع، وكلّ ما أُظهر فقد أُنبط. فنبتون على هذه القراءة صاحب الماء الذي يخرج من العمق، وهكذا يظهر في القصّة: يرفع رأسه من أعماق البحر حين تهيج مياهه، ثم يخرج السفن من الصخر والرمال.

الجذر اللغوي

الصيغة ما تبيّنه
Neptūnus «نِپْتُونُس» الاسم في الرفع، ونهايته «-us» «ـُس» لاحقة إعراب.
Neptūnī «نِپْتُونِي» صيغة الإضافة، تثبت أنّ الجذع «نِپْتُون» بنونه الأخيرة.

يبقى بعد نزع النهاية ن-پ-ت-ن. والپاء اللاتينية هي الباء العربية بلا جهر، فاللاتينية تنطق الباء المهموسة حيث تنطق العربية الباء المجهورة. والتاء تقابل الطاء، لأنّ اللاتينية لا طاء فيها. فـ«نَبَط» تقابل الحروف الثلاثة الأولى كلّها، وتبقى النون الأخيرة مع الحركة الطويلة قبلها زيادةً لا يفسّرها الجذر، وهو ما يحتاج إلى بحث في أبنية الأسماء اللاتينية المنتهية بـ«-ūnus» «ـُونُس». أمّا الصيغة الإتروسكية Nethuns «نِثُونْس» فليس فيها پاء: فيها θ «ث» حيث تجمع اللاتينية الپاء والتاء، فتقوم الباء في قراءة «نَبَط» على الصيغة اللاتينية وحدها.

ويذكر المقال الروماني قراءتين أخريين. الأولى «نَبَع»: نبع الماء أي خرج من العين وجرى، ومنه الينبوع، وتشهد العبرية נָבַע «نَابَع» للفيض والجريان. وهي توافق معنى الماء، لكنّ عينها لا تقابل التاء. والثانية «نَبَت»، من ن-ب-ت: خروج النبات من الأرض، وحروفها توافق ن-ب-ت، لكنّ معناها في النبات لا في الماء. وفي مشهد النسيج عند أوفيد يجتمع الأمران: يضرب نبتون الصخر بحربته فيخرج ماء البحر، وتُخرج مينرفا شجرة زيتون.

ويذكر المقال كذلك الأكدية nabû «نَابُو»، ومعناها «سمّى ونادى»، وهي من باب الكلام لا الماء. وفسّر الرومان أنفسهم الاسم تفسيرين: قرّبه شِيشِرُون من nando «نَانْدُو»، أي السباحة، وربطه فارّو «ڤَارُّو» بالتغطية لأنّ البحر يغطّي الأرض.

السياق التاريخي

يضع ليفيوس «لِيڤِيُوس» نبتون في أوّل مأدبة دينية رومانية من نوع lectisternium «لِكْتِسْتِرْنِيُوم» سنة 399 ق.م أثناء وباء: دُعيت ستة معبودات إلى مأدبة على ثلاثة أسرّة ثمانية أيام. وكتب ليفيوس بعد الواقعة بقرون، لكنّه يحفظ صورة مدينة تلجأ إلى نبتون مع غيره في محنة عامّة. وعيده Neptunalia «نِپْتُونَالِيَا» من الأعياد العامّة التي يذكرها فارّو في تقويم روما.

وتحمل قطعة نقدية لسكستوس بومبيوس «سِكْسْتُوس پُومْپِيُوس»، مؤرّخة بين 42 و40 ق.م، رأساً خلفه حربة ثلاثية يعرّفه المتحف البريطاني بنبتون. فقد كانت صورته متداولة على النقد في أواخر الجمهورية.

وعرفه الإِتْرُوسْكِيُّون باسم Nethuns «نِثُونْس» تقريباً. ففي «كتاب الكتّان» الإتروسكي المحفوظ في زغرب ترد صيغة Nethunsl «نِثُونْسْل»، أي «لنِثُونْس»، في عبارة من تقويم الشعائر تترجمها مارِيِيتا بابِين: في اليوم السادس والعشرين من سبتمبر تُقدَّم القرابين لنبتون.

ويسمّي أوغسطين سالاكيا زوجته ويجعلها ماء البحر، بينما تنقل المصادر أَمْفِيتْرِيت من زواج بوسيدون حين تطابقه بنبتون، فهما شاهدان من تقليدين. أمّا اشتراكه مع مينرفا في سرير طقسي سنة 217 ق.م فعبادة مشتركة لا زواج.

السرديات الأسطورية الرئيسة

وبعد أن هدأ البحر في أوّل «الإنيادة» اتّجه الناجون من طروادة إلى خليج محمي على ساحل ليبيا. وفي الكتاب الخامس، بعد وعد نبتون، يأتي إله النوم إلى بالينوروس في هيئة إنسان فيسقطه في البحر، فيبقى فقد الرجل الذي كان يحرس الطريق جزءاً من ثمن العبور.

وفي الصورة التي تنسجها مينرفا في مسابقة النسيج عند أوفيد «أُوڤِيد»، يتنازع نبتون والربّة على مدينة: هو يُخرج بضربة حربته ماء البحر، وهي تُخرج زيتونة مثمرة. وهذه قصّة أخذها الرومان من تنازع بوسيدون وأثينا على مدينة أثينا.

القراءة الرمزية

يظهر سلطان نبتون في إعادة الحركة بعد تعطّلها. يهدّئ البحر، ويُخرج السفن من الصخور والرمال، ويقود خيله فوق الماء؛ وفي المأدبة الدينية يلجأ إليه أهل المدينة زمن الوباء. تجمع هذه الأفعال حاجة الناس إلى عبور الخطر واستعادة الطريق.

وتنقل مطابقة بوسيدون بنبتون أخبار البحر والخيل والتنافس على المدينة، ويبقى للاسمين Poseidōn «پُوسِيدُون» وNeptūnus «نِپْتُونُس» تاريخان لغويان مختلفان. ويقدّم إنكي ماء العمق في سياق رافدي، ويدخل يم صراعاً أوغاريتياً على الملك، وتسبق مياه نون وتيامات العالم المرتّب في حكايات الخلق. أمّا بحر نبتون في هذه الشواهد فطريق سفر وميدان سلطة.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. لويس وشورت، نبتون؛ شيشرون 2.66؛ فارّو 5.72 و6.19.

  2. فرجيل، الإنيادة 1 و5.

  3. أوفيد، التحولات 6.

  4. ليفيوس 5 و22؛ المتحف البريطاني؛ ماريّيتا بابين، كتاب الكتّان.

  5. أوغسطين، مدينة الله 7.22.

  6. معجم لين، نبط ونبع؛ المعجم العربي، نبت.

  7. براون ودرايفر وبريغز، نبع