ملخص
حَتْحُور معبودة مصرية تُرسم بقرةً، أو امرأةً على رأسها قرنا بقرة بينهما قرص الشمس، ويُرسم وجهها وحده بأذنَي بقرة على الصلاصل وعلى رؤوس الأعمدة في معبدها بدَنْدَرَة، وهو أكبر مراكز عبادتها. وهي عند المصريين أمّ الملك الحاكم، لأنّ الملك هو حورس، وسيدة الحبّ والموسيقى، والبقرة السماوية التي تلد الشمس كلّ يوم. وفي البرديات الجنائزية تخرج بقرةً من الجبل الغربي بين نبات البردي لتستقبل الموتى.
وأشهر قصصها «هلاك البشر»، أوّل «كتاب البقرة السماوية» المنقوش في مقابر ملوك الدولة الحديثة. شاخ رع وتآمر عليه الناس، فجمع مجلسه سرّاً، فأشار عليه نون أن يرسل عينه عليهم، فنزلت العين في هيئة حتحور وقتلتهم في الصحراء. فلمّا رجعت قال لها رع: «تعالَي في سلام يا حتحور، أيّتها العين التي صنعت ما جئتُ له»، فقالت: «بحياتك، لقد غلبتُ البشر، وكان ذلك بلسماً لقلبي». فقال رع: «سأقوى عليهم ملكاً بأن أقلّلهم»، فكانت من هذه الكلمة سخمت، «القويّة». ثم أراد رع أن يُبقي على من بقي، فأرسل رسلاً إلى إِلِفَنْتِين يأتونه بالمغرة الحمراء، فطحنها كبير كهنة أُون، وجرشت الجواري الشعير للجعة، وأُلقيت المغرة في الجعة فصارت كدم البشر، وصُنعت منها سبعة آلاف جرّة، وصُبّت في الليل على الحقول التي كانت ستقتل فيها الناس، فغمرتها قدر ثلاث قبضات. فلمّا جاءت في الصباح وجدت الحقول مغمورة فأعجبها ما رأت، فشربت وطاب قلبها، ورجعت سكرى لم تعرف البشر. فقال لها رع: «تعالَي في سلام أيّتها اللطيفة»، فكانت من هذه الكلمة الجميلات في بلدة إيمُو.
ولها في «نزاع حورس وست» موقفان. أهان أحد المعبودات رع في المجلس، فقام إلى خيمته واستلقى على ظهره حزيناً وحده يوماً كاملاً، فجاءته حتحور، سيدة الجمّيزة الجنوبية، ووقفت أمام أبيها وكشفت له عورتها، فضحك، وقام فجلس مع المجلس وأمر الخصمين أن يتكلّما. وحين اقتلع ست عيني حورس وجدته حتحور يبكي في الصحراء، فأمسكت غزالة وحلبتها وصبّت اللبن في عينيه فبرئتا. ليشتهايم 2، ص 216 و219. وتسمّيها أناشيد دندرة «زوجة حورس»، وكان حورس إدفو يسافر في الأعياد الكبرى ليزورها في دندرة، حيث وُلد ابنهما حَرْسَمْتَاوِي، ويسمّى إيحي أيضاً.
والفكرة التي تدور عليها قصص حتحور أنّ القوّة التي تقتل هي نفسها التي تُرضى فتصير لطفاً وفرحاً. لم يحارب رع عينه ولم يطردها، وإنّما سقاها حتى سكرت ورضيت، فرجعت «اللطيفة»، وأضحكته هي حين حزن فرجع إلى مجلسه. ولذلك كانت عبادتها تعيد القصّة بأيدي الناس: يقول لها نشيد في معبد المدامود «تعالَي أيّتها الذهبية.. الموكب في موضع السُّكْر»، ويذكر أبناء الملك وهم يرضونها بما تشتهي، والسكارى يقرعون لها الطبول في برد الليل، والبنات بالأكاليل؛ ويسمّيها نشيد الحتحورات السبع في دندرة «سيدة السُّكر الذي لا ينتهي»؛ ويأتيها الملك في دندرة يرقص ويغنّي ويقدّم لها جرّة الخمر. وهي في أغاني الحبّ «الذهبية» التي يدعوها العاشق أن ترسل إليه حبيبته.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Ḥw.t-Ḥr.w «حُوت حُر»، وهو مركّب من كلمتين: ḥw.t «حُوت»، الدار الكبيرة والضيعة والمعبد، وفي آخرها تاء التأنيث، وḤr.w «حُر»، اسم حورس. فمعناه في المصرية نفسها «دار حورس»، وبهذا الاسم نفسه سُمّي معبد حورس في إدفو أيضاً. فإذا نزعنا التاء بقي ḥw «حُو»، وهو «حَوى» العربية: حوى الشيء جمعه وضمّه، و«الحِواء» جماعة بيوت متقاربة، كما قرأناه في اسم نفتيس، «ربّة الحِواء». وبقي Ḥr «حُر»، وهو «الحُرّ» العربي، الصقر والحرّ الكريم الأصل، كما قرأناه في اسم حورس. فحتحور على هذه القراءة «حِواءُ الحُرّ»: الدار التي تضمّ الصقر. وهذا ما تجعلها القصص: البقرة السماوية التي يطير فيها الصقر وتلد الشمس كلّ صباح، والأمّ التي يخرج منها الملك الذي هو حورس، والزوجة التي يأتيها حورس في دارها بدندرة.
الجذر اللغوي
«حِواءُ الحُرّ»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Ḥw.t-Ḥr.w «حُوت حُر» | اسم المعبودة | معجم المصرية |
| ḥw.t «حُوت» | دار كبيرة، ضيعة، معبد؛ والتاء للتأنيث | معجم المصرية |
| Ḥr.w «حُر» | حورس | معجم المصرية |
| Ḥw.t-Ḥr.w «حُوت حُر» | اسم الشهر الثالث من فصل الفيضان، واسم عيد | معجم المصرية |
| ϩⲁⲑⲱⲣ «هَاتُور» | الشهر الثالث في التقويم القبطي، موروث من الاسم المصري | المعجم القبطي |
الحاء المصرية في ḥw.t «حُوت» حاء عربية، والواو واو، والتاء علامة تأنيث تُنزع كما تُنزع من nb.t «نِبِت» في اسم نفتيس. فيبقى ḥw «حُو»، وهو «حوى» العربية بعد سقوط حرف العلّة الأخير. وفي معجم لين: حوى الشيء جمعه وضمّه وملكه، و«الحِواء» جماعة بيوت متقاربة، أو بيوت قوم على ماء. فمعنى الكلمة المصرية، الدار الكبيرة والضيعة والمعبد، هو معنى الكلمة العربية: المكان الذي يضمّ أهله. أمّا Ḥr.w «حُر» فهو «الحُرّ»، وفي لسان العرب: «والحُرّ: الصقر»، والحُرّ خلاف العبد، والواو المكتوبة بعد الراء هي موضع البحث الباقي في قراءة اسم حورس.
وبقي اسمها في التقويم. فالشهر الثالث من فصل الفيضان عند المصريين يسمّى باسمها، ومنه الشهر القبطي ϩⲁⲑⲱⲣ «هَاتُور». وكتب بلوتارخ أنّ أوزيريس حُبس في الصندوق في السابع عشر من شهر Athyr «أَثِير»، أي شهر حتحور.
قراءات أخرى في المقال
يقرأ المقال المصري في هذا المشروع الاسم «حتّ» و«حور»، ويجعل «حتّ» بمعنى البيت، و«حور» بمعنى الضوء أو المراقبة. وهو يوافقنا في المعنى، «بيت حورس»، لكنّ «حتّ» في العربية ليس اسماً للبيت، والتاء في الكلمة المصرية علامة تأنيث لا حرف أصلي. ويقارن المقال العبرية חתן «حَاتَان»، أي العريس، وفيها نون لا مقابل لها في الاسم، ويذكر كلمة أكدية hate «حَاتِه» بمعنى البيت لم نجد لها شاهداً. ويضع المقال المصري الآخر حتحور مع إلهات الحبّ والموسيقى والسُّكر.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الحتحورات السبع
تظهر حتحور سبعاً عند الولادة، يقضين بمصير المولود. في قصّة «الأمير المقضيّ عليه» جاءت الحتحورات إلى ابن الملك حين وُلد فقلن: يموت بالتمساح أو بالحيّة أو بالكلب. وفي قصّة «الأخوين» طلب رع من خنوم أن يصنع لباتا زوجة حتى لا يعيش وحده، فصنعها أجمل من كلّ امرأة في الأرض، فجاءت الحتحورات السبع ونظرن إليها وقلن بصوت واحد: تموت بالسكّين.
خارج مصر
عُبدت حتحور في النوبة وفي جُبَيل وفي سيناء، وبُني لها معبد باسم «سيدة الفيروز» عند مناجم الفيروز في سرابيط الخادم، وكان من ألقابها «سيدة القاشاني». المتحف المصري العالمي، حتحور. وسمّى هيرودوت معبودة بلدة أَتَرْبِيخِيس، التي يُرجَّح أنّ اسمها من اسم حتحور، «أفروديت»، في الفقرة التي يقول فيها إنّ البقر عند المصريين أقدس الماشية.
الغاضبة واللطيفة
ويقول نصّ عن حتحور دندرة إنّها «غاضبة كسخمت، لطيفة كباستت»، فيضع وجهيها في اسمين: اللبؤة الغاضبة والقطّة الأليفة. المتحف المصري العالمي، باستت. وأداتها في العبادة الصلصلة، وفي المصرية تُسمّى إحدى الصلاصل sḫm «سِخِم»، بالحروف التي يُكتب بها اسم سخمت.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال المصري في هذا المشروع حتحور قراءة اجتماعية: هي معبودة الحبّ والموسيقى والسُّكر، ويرى فيها أنّ المرأة في الأساطير المصرية تملك حقّ المتعة.
وفي النصوص نفسها يُرضى غضب العين بما يصنعه الناس من حقولهم: جعة من الشعير، ومغرة من أرض إلفنتين، ورقص وطبول وأكاليل. ويقول نشيد على باب معبد دندرة لحتحور إنّها تجعل الفيضان يجري في موسمه بلا كوارث، وتجعل الأرض المرويّة تنطبق على البذر، وتجعل الناس يعملون في فرح ويحصدون في فرح. فالمعبودة التي كادت تفني البشر هي التي يُطلب منها في دندرة أن يأتي الماء في وقته ويخرج الزرع.
التوازيات عبر الحضارات
قرار الإهلاك في مجلس رع ثم الرجوع عنه يضع قصّة حتحور بين قصص الطوفان، ويقول ليشتهايم إنّ موضوعها، شرّ البشر يثير غضب الآلهة فيُهلك بعضهم، هو موضوع قصص الطوفان في بلاد الرافدين والتوراة. والفرق أنّ الماء في القصّة المصرية لا يُهلك أحداً، وإنّما ينقذ: جعة حمراء تغمر الحقول فتسكر العين. ويجتمع المجلس السرّي حول رع كما يجتمع مجلس المعبودات في قصص الشرق القديم.
ويقول ليشتهايم إنّ أناشيد دندرة تُظهر الوجه الذي جعل حتحور نظيرة أفروديت: الذهبية، معبودة الحبّ التي تُعبد بالخمر والموسيقى والرقص، وهذا ما فعله هيرودوت حين سمّى معبودة أتربيخيس أفروديت. ويضعها المقال البابلي في هذا المشروع مع عشتار وإيزيس في الأنوثة والأمومة؛ وعشتار مثلها تجمع الحبّ إلى الحرب.
وزيارة حورس إدفو لزوجته في دندرة، وولادة ابنهما في بيت الولادة، شاهد مصري على الزواج المقدّس. وعين رع التي تغضب ثم تُسترضى وتعود هي أيضاً تفنوت في قصّة «عين الشمس»، التي ذهبت إلى النوبة غاضبة ثم رجعت.