ملخص
تشي يو 蚩尤 / Chīyóu «تْشِي يُو» الخارج على هوانغدي في أخبار الصين القديمة، وأوّل من أثار الفوضى في الأرض كما يقول «كتاب الوثائق». حارب هوانغدي في سهل جوو لو، واستعان بالريح والمطر، فهُزم بالجفاف وقُتل، ثم صار بعد قرون معبود الحرب الذي يقرّب له الملوك القرابين.
يقول «سجلّ المؤرّخ الكبير» 史記 / Shiji «شِي جِي» إنّ بيت شن نونغ ضعف في زمن شوان يوان، فصار الأمراء يغزو بعضهم بعضاً ويظلمون الناس، وكان تشي يو أشدّهم عنفاً، لا يقدر أحد على قتاله. ثم خرج على أمر الحاكم ولم يعمل به، فجمع هوانغدي جيوش الأمراء، وقاتله في سهل جوو لو، فأسره وقتله، فجعله الأمراء ابن السماء.
ويروي «كتاب الجبال والبحار» 山海經 / Shanhaijing «شَانْ هَايْ جِينْغ» الحرب حرباً على الطقس. صنع تشي يو السلاح وزحف على هوانغدي، فأمر هوانغدي التنين ينغ لونغ أن يهاجمه في سهل إقليم جِي، فخزن ينغ لونغ الماء. فدعا تشي يو سيّد الريح وسيّد المطر، فأطلقا ريحاً عظيمة ومطراً. فأنزل هوانغدي من السماء امرأة اسمها «با»، وهي الجفاف، فتوقّف المطر، وقُتل تشي يو. لكنّ با لم تقدر على أن تصعد إلى السماء بعد ذلك، فكلّ أرض تقيم فيها لا ينزل فيها مطر، فأخبر شو جون الحاكم الأعلى، فوضعها في شمال النهر الأحمر، وصار شو جون «جدّ الحقول». وكلّما هربت با من موضعها طردها الناس بقولهم: «أيّتها الروح، اذهبي إلى الشمال!»، وينظّفون قبل ذلك مجاري الماء ويفتحون القنوات. «كتاب الجبال والبحار»، الباب 17. ويقول الكتاب في باب آخر إنّ ينغ لونغ نفسه، بعد أن قتل تشي يو وكوا فو، لم يقدر على الصعود، فكثر الجفاف في الأرض، وإذا جفّت الأرض صنع الناس صورة ينغ لونغ فنزل المطر الغزير.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ النصر على العاصفة يترك الأرض بلا توازن. تشي يو يقاتل بالريح والمطر، والملك يقاتله بالماء المحبوس ثم بالجفاف، فيغلب، لكنّ الجفاف الذي نزل من السماء لا يعود إليها، والتنين الذي حبس الماء لا يصعد، فيبقى على الناس أن يديروا الطقس بأيديهم: يطردون الجفاف إلى الشمال بعد أن يفتحوا القنوات، ويصنعون صورة التنين ليأتي المطر. فالحرب الأولى على الحكم صارت حرباً بين المطر والجفاف لا تنتهي.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج: كان 蚩 «تْشِي» يُقرأ في الصينية الوسيطة بتاء مهموسة نفّاخة، وجزؤه الصوتي 之 «جْه» في الصينية القديمة *tə «تَ»، وكان 尤 «يُو» *[ɢ]ʷə «غْوَ»، بحرف مجهور من اللهاة. فالحروف تاء ثم غين ثم حرف علّة، وهي حروف «طَغَى» العربية. وطغى في معجم لين جاوز الحدّ المعروف، وخصوصاً في العصيان، وطغى الماء أو السيل علا حتى جاوز حدّه، وطغى البحر هاجت أمواجه، وفي القرآن ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. فتشي يو على هذه القراءة «الطاغي»، وهو ما تجعله أخباره: أوّل من خرج على الحدّ في الأرض، والذي أطلق الريح والمطر حتى جاوزا حدّهما. ومعنى 尤 نفسه في الصينية «الخطأ والذنب»، فيلتقي المعنى الصيني بالقراءة العربية.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى أو الموضع |
|---|---|---|
| 蚩尤 Chīyóu | «تْشِي يُو» | اسمه |
| 蚩 chī | «تْشِي» | دودة، حشرة، وكلّ من لا يعقل |
| 尤 yóu | «يُو» | الخطأ، الذنب، وما يزيد على غيره |
| tsyhi | «تْشِي» | 蚩 في الصينية الوسيطة |
| *tə | «تَ» | 之، الجزء الصوتي في 蚩، في الصينية القديمة |
| *[ɢ]ʷə | «غْوَ» | 尤 في الصينية القديمة |
يقول «شوو ون جيه دزي» 說文解字 / Shuowen jiezi «شُوَو وِنْ جْيِه دْزِ» إنّ 蚩 «تْشِي» حشرة، وإنّ جزأه الصوتي 之، ويقول عن 尤 إنّه «المختلف»، أي الخارج عن المألوف. وينقل معجم كانغ شي أنّ 蚩 «تْشِي» يُقرأ في كتب القوافي بتاء مهموسة نفّاخة، وأنّ كلّ من لا يعقل يُسمّى به، ويجعل قائمة باكستر وساغار لـ尤 معنى «الخطأ» ومعنى «أكثر من ذلك». فالاسم في الصينية قريب من «الحشرة المذنبة» أو «الخارج المذنب»، وهو اسم يطلقه الغالب على المغلوب.
وفي المقابلة بـ«طغى» تأخذ الطاء مكان التاء الصينية، لأنّ الطاء والتاء والذال والظاء مجموعة واحدة تصير تاءً أو دالاً في اللغات الأخرى، وتأخذ الغين مكان الحرف المجهور من اللهاة، والغين أقرب الحروف العربية إليه مخرجاً وجهراً، ويقابل حرفُ العلّة في آخر «طغى» الحركةَ التي تختم المقطعين. والحروف الثلاثة على ترتيبها، والمعنى العربي يجمع العصيان وطغيان الماء، أي الشيئين اللذين تجعلهما الأخبار لتشي يو. وموضع الحاجة إلى البيان أنّ 蚩 «تْشِي» لا يرد في قائمة باكستر وساغار بنفسه، فصورته القديمة تؤخذ من جزئه الصوتي 之 «جْه» ومن نطقه الوسيط.
ولا تذكر المقالتان الصينيتان في المشروع تشي يو، فالقراءة مقترحة على المنهج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
أوّل من أثار الفوضى
في فصل «عقوبات لو» 呂刑 / Lǚ xíng «لُو شِينْغ» من «كتاب الوثائق» يقول الملك: يروي التعليم القديم أنّ تشي يو أوّل من أثار الفوضى، فسرت إلى الناس العاديين، فلم يبقَ منهم إلّا لصّ وقاطع طريق. ثم صنع قوم مياو خمس عقوبات قاسية وسمّوها قانوناً وقتلوا الأبرياء، فلم يشمّ الحاكم الأعلى من الناس رائحة فضيلة، وإنّما رائحة العقوبات، فأشفق «الحاكم الجليل» على الأبرياء، وأمر تشونغ ولي أن يقطعا الطريق بين الأرض والسماء، فلا ينزل أحد ولا يصعد، وهو من شواهد فصل السماء عن الأرض. ثم أمر ثلاثة أمراء: بو يي يضع الشرائع، ويو يسوّي الماء والأرض ويسمّي الجبال والأنهار، وجي يزرع الحبوب.
شجرة القيقب
ويقول «كتاب الجبال والبحار» إنّ على جبل سونغ شجرة اسمها القيقب، وإنّ القيقب هو الموضع الذي رمى فيه تشي يو أغلاله، فصارت شجرة القيقب. ويقول في باب آخر إنّ ينغ لونغ، بعد أن قتل تشي يو وكوا فو، ذهب فسكن الجنوب، ولذلك يكثر المطر في الجنوب.
سيّد الحرب
ويقول «سجلّ المؤرّخ الكبير» في باب «القرابين الكبرى» إنّ لدولة تشي ثمانية أرواح يُقرَّب لها منذ القديم، ثالثها «سيّد الحرب»، ويُقرّب له في شخص تشي يو، وموضعه في الحدّ الغربي لتشي. ولمّا قام ليو بانغ، مؤسّس أسرة هان، أميراً على پَيْ قرّب القرابين لهوانغدي ولتشي يو في ساحة پي، ولطّخ الطبول والرايات بالدم، ثم أمر بعد أن استقرّ له الملك أن يُقام لتشي يو معبد في العاصمة تشانغ آن. فالمغلوب في حرب جوو لو صار معبوداً للمحاربين، يقرّب له المنتصرون قبل القتال. «سجلّ المؤرّخ الكبير»، الباب 8 والباب 28. ويذكر معجم كانغ شي نجماً يُسمّى «راية تشي يو»، يشبه المذنّب وذيله منحنٍ، ويُقال إنّ الحرب تقع في الجهة التي يظهر فيها.
القراءة الرمزية
لا تذكر إعادة القراءة تشي يو، لكنّها تقرأ التنين الصيني رمزاً للأعاصير والرياح الموسمية. وفي حرب جوو لو يقف التنين في جهة الملك، يخزن الماء ثم يذهب إلى الجنوب فيكثر المطر هناك، ويقف تشي يو في جهة الريح والمطر الطاغيين، وتنزل با، الجفاف، فتبقى في الشمال. فالخبر يقسم البلاد بين جنوب ممطر وشمال جافّ، ويشرح لماذا يطرد الناس الجفاف وينظّفون القنوات ويصنعون صورة التنين، وهي أعمال الفلّاح في كلّ سنة. وهو من صور العاصفة وسلطان الماء، لكنّ صاحب العاصفة هنا هو المغلوب. ومعنى الاسم في القراءة العربية، الطغيان، يجمع الوجهين: عصيان الحاكم، وماء يجاوز حدّه.
التوازيات عبر الحضارات
يخرج تيفون في «الثيوغونيا» على زيوس بعد أن استقرّ له الملك، ومنه تأتي الرياح الهوجاء التي تفسد الزرع وتغرق السفن، فيضربه زيوس بالصاعقة. ويخرج تشي يو على هوانغدي، ويطلق الريح والمطر، فيُغلب. يجتمع الخبران في خصم أخير للملك الجديد يقاتل بالعاصفة، ويفترقان في أنّ زيوس يغلب بسلاح العاصفة نفسها، الصاعقة، وهوانغدي يغلب بالجفاف.
وفي الشعر الأوغاريتي يبتلع موت، الموت والجفاف، بعلاً صاحب المطر، فتجفّ الأرض حتى يعود بعل. وفي الصين يقف الجفاف في جهة الملك، تنزل با من السماء فتوقف مطر الخارج عليه. فالجفاف في الخبرين شخص له مسكن، لكنّه عدوّ صاحب المطر في أوغاريت، وجنديّ الملك في الصين.
وحرب هوانغدي وتشي يو بالماء والريح من صور الصراع مع البحر والتنين، والتنين فيها مع الملك، كما يقاتل إندرا في الهند فريترا الذي حبس المياه، أمّا في الصين فالذي يحبس الماء تنين الملك نفسه.
ويقول «كتاب الجبال والبحار» إنّ تشي يو «صنع السلاح»، كما صنع تسانغجيه الكتابة وصنع بو يي البئر، فهو صاحب صنعة من صنائع الأبطال الحضاريين، وصنعته الحرب.