ملخص
دَيْدَالُوس الصانع الأوّل في أساطير الإغريق، رجل من أثينا يُنسب إليه أوّل صنع التماثيل، وهو باني المتاهة في كريت للملك مِينُوس، وصانع الجناحين اللذين طار بهما هو وابنه إِيكَارُوس. تقول «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور إنّه «كان بنّاءً ماهراً، وأوّل من صنع التماثيل»، وتختلف الروايات في أبيه، ويجعله بلوتارخ ابن ميروبي ابنة إِرِيخْثِيُوس ملك أثينا، فهو من قرابة ثيسيوس. «المكتبة» 3.15.8، بلوتارخ، «سيرة ثيسيوس» 19.
كان لديدالوس في أثينا تلميذ هو ابن أخته، تسمّيه «المكتبة» تَالُوس ويسمّيه أوفيد بِيرْدِيكْس. وجد الفتى فكّ حيّة، أو عظم سمكة كما يقول أوفيد، فنشر به عوداً رقيقاً، وصنع منه المنشار، وصنع البيكار بذراعين من حديد تدور إحداهما حول الأخرى. فخاف ديدالوس أن يسبقه في صنعته، فرماه من الأكروبول. فلمّا وُجدت الجثّة حوكم في الأريوباغوس وحُكم عليه، فهرب إلى مينوس في كريت. ويروي أوفيد أنّ أثينا لم تترك الفتى يموت، فجعلته حجلاً، وهو طائر لا يعلو في طيرانه، لأنّه يذكر سقوطه.
وفي كريت صنع لملكها وأهل بيته. أحبّت بَاسِيفَاي، امرأة مينوس، ثوراً أخرجه بوسيدون من البحر، فصنع لها ديدالوس بقرة من خشب على عجلات، مجوّفة، مخيطة في جلد بقرة، وتركها في المرج الذي يرعى فيه الثور، فدخلتها، فولدت المينوتور. وبنى لمينوس المتاهة التي حبس فيها المينوتور، بيتاً «تحيّر طرقُه الملتوية الخارجَ منه». ويقول أوفيد إنّ ممرّاتها تلتوي كنهر مِيانْدِر في فريجيا، يجري ذهاباً وإياباً حتى يلقى نفسه، وإنّ ديدالوس نفسه كاد لا يجد طريق الرجوع فيها. وفي «الإلياذة» صنع في كْنُوسُوس ساحة رقص لأريادني ابنة مينوس. ولمّا جاء ثيسيوس مع فتيان أثينا، سألت أريادني ديدالوس أن يدلّها على طريق الخروج من المتاهة، فأشار عليها أن تعطي ثيسيوس خيطاً يربطه بالباب ويجرّه وراءه.
فلمّا علم مينوس بهرب ثيسيوس وأصحابه حبس ديدالوس وابنه إيكاروس في المتاهة. فصنع ديدالوس لنفسه ولابنه جناحين، ويصفهما أوفيد ريشاً مرتّباً من الصغير إلى الكبير، مربوطاً بالخيط في وسطه، ملصقاً بالشمع في أسفله. وقال ديدالوس: إن كان مينوس يملك البرّ والبحر فالهواء ليس له. وأوصى ابنه ألّا يعلو فتذيب الشمس الشمع، وألّا ينخفض فتثقل الرطوبة الريش، وأن يطير في الوسط. فعلا إيكاروس حتى ذاب الشمع، فسقط في البحر الذي سُمّي باسمه البحر الإيكاري، ودفنه أبوه في جزيرة سُمّيت إيكاريا، ووصل ديدالوس سالماً إلى كَامِيكُوس في صقلّية.
وتبعه مينوس، وكان يحمل في كلّ بلد يبحث فيه صدفة حلزونية، ويعد بجائزة كبيرة لمن يُدخل فيها خيطاً، لأنّه عرف أنّ ديدالوس وحده يقدر على ذلك. فلمّا بلغ قصر كُوكَالُوس ملك كاميكوس أعطاه الصدفة، فأعطاها كوكالوس ديدالوس سرّاً، فربط ديدالوس الخيط بنملة، وثقب الصدفة، وترك النملة تمشي فيها. فلمّا رأى مينوس الخيط عرف أنّ ديدالوس عند كوكالوس، وطلب تسليمه. فوعده كوكالوس، وأقام له وليمة، فهلك مينوس بعد حمّامه بأيدي بنات كوكالوس، ويقال إنّه مات بماء مغليّ صُبّ عليه.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ صنعة الصانع تخدم غيره وتنقلب عليه. يصنع للملكة البقرة، وللملك الحبس، ولابنة الملك الخيط الذي يُخرج منه، ولنفسه الجناحين اللذين يُخرجانه من حبسه. ثم تقتل صنعتُه ابنه، ويكشفه في صقلّية حلّ لم يقدر أن يمتنع عنه، خيط في صدفة. وأوّل خطيئته كانت من الصنعة نفسها: قتل تلميذه حين خاف أن يكون أمهر منه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالات لا تقرأ اسمه. Δαίδαλος / Daidalos «دَيْدَالُوس» آخره -ος «ـوس» علامة الرفع، فيبقى Δαιδαλ- «دَيْدَال»، وهو حرفان مكرّران: د-ل ثم د-ل، كما تُكرّر العربية حرفي المادّة في «زلزل» و«صلصل». وفي معجم لين من مادّة د-ل-ل: دَلْدَلَ الشيءَ المعلّق حرّكه، ودلدل الرجل رأسه وأطرافه في مشيه، وتدلدل الشيء تحرّك متدلّياً. وأصل المادّة دلّه على الطريق، أي أرشده إليه، والدليل الذي يرشد إلى ما يُطلب. وفي القصّة الأمران: ديدالوس هو الذي دلّ أريادني على طريق الخروج من المتاهة، وتماثيله، كما يقول أفلاطون، تهرب إن لم تُربط، كأنّها تحرّك أطرافها وتمشي.
الجذر اللغوي
ديدالوس و«دَلْدَل» و«دَلّ»
| الصيغة | النطق | المعنى والموضع |
|---|---|---|
| Δαίδαλος | دَيْدَالُوس | اسم الصانع، «الإلياذة» 18.592 |
| δαίδαλος | دَيْدَالُوس | صفة: مصنوع بحذق ودقّة، عند بندار وإسخيلوس |
| δαίδαλα | دَيْدَالَا | أعمال الصنعة الدقيقة، «الإلياذة» 5.60؛ والتماثيل الخشبية عند باوسانياس 9.3.2 |
| Δαίδαλα | دَيْدَالَا | عيد هيرا وزيوس في بلاتايا، باوسانياس 9.3.2–5 |
فالاسم في اليونانية «الصانع الحاذق»، ويقول المعجم إنّه الاسم الذي حفظه التقليد لأوّل النحّاتين. ويرى باوسانياس أنّ الناس سمّوا التماثيل الخشبية «دَيْدَالَا» قبل أن يولد ديدالوس، وأنّه لم يُسمّ بهذا الاسم عند مولده، وإنّما لُقّب به بعدُ من هذه التماثيل.
وفي معجم لين: دلّه على الطريق أرشده إليه أو أراه إيّاه، والدليل المرشد إلى ما يُطلب، ودلدل الشيء المعلّق حرّكه، ودلدل الرجل رأسه وأطرافه في مشيه، وتدلدل الشيء تحرّك متدلّياً، وتدلدل القوم بين أمرين تردّدوا.
والمقابلة في الصوت: الدال δ «دِلْتَا»، واللام λ «لَامْبْدَا»، والحرفان مكرّران في اليونانية كما في العربية، وδαι- «دَيْ» في أوّله صورة التكرار اليونانية التي تأتي في أفعال كثيرة. وحدّ هذه القراءة أنّها تلقى القصّة، الإرشاد إلى الطريق والتماثيل التي تمشي، ولا تلقى معنى الكلمة اليونانية، وهو الصنعة الدقيقة والزخرف.
السرديات الأسطورية الرئيسة
التماثيل التي تهرب
يقول سقراط لمينون في محاورة أفلاطون إنّ تماثيل ديدالوس إن لم تُربط هربت كالعبد الآبق، وإن رُبطت بقيت، فقيمتها في ربطها. ويضرب بها مثلاً للرأي الصحيح الذي لا يبقى عند صاحبه حتى يربطه بالعلم.
عيد الدايدالا
ويروي باوسانياس أنّ هيرا غضبت على زيوس وذهبت إلى إيوبيا، فأشار عليه كِيثَيْرُون حاكم بلاتايا أن يصنع تمثالاً من خشب ويلفّه ويحمله على عربة يجرّها ثور ويقول إنّه يتزوّج بلاتايا ابنة النهر أَسُوبُوس، فجاءت هيرا ومزّقت الثوب فوجدت تمثالاً، فرضيت. ومن هذا عيد «الدايدالا» في بلاتايا: يقطعون شجرة من غابة بلّوط يقف عليها غراب حمل لحماً، ويصنعون منها التمثال، الذي يسمّونه هو أيضاً «دايدالون».
ديدالوس وثيسيوس عند بلوتارخ
وفي رواية كليديموس عند بلوتارخ هرب ديدالوس من كريت إلى أثينا في سفينة تجارية، فتبعه مينوس بسفن الحرب، فرمته العاصفة إلى صقلّية فمات فيها. ثم طلب ديوكاليون بن مينوس من أثينا أن تسلّمه ديدالوس، فأبى ثيسيوس لأنّه قريبه، وأبحر إلى كريت وديدالوس دليله، فقتل ديوكاليون عند باب المتاهة.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية» خبر إيكاروس وديدالوس، في جدوله الشامل، محاولة بشرية للطيران، وذوبان الشمع بحرارة الشمس، فيضعه مع القصص التي يرى فيها معرفة بالطبيعة مرمّزة في حكاية. وفي النصّ نفسه وصيّة الأب تحمل هذه المعرفة: الشمس فوق تذيب الشمع، والرطوبة تحت تثقل الريش، والطريق في الوسط.
ويقرأ المقال الكنعاني صانع الآلهة في أوغاريت، كوثر وحسيس، صورة لطبقة الحرفيين، ويجعل مقامه في كفتور اعترافاً بأنّ بعض الصنعة جاء من بحر إيجة. وديدالوس على هذه القراءة صورة الحرفيّ في الجهة الأخرى من البحر: رجل يعمل للملوك ولا يملك، يُحاكم وينفى، ويُطلب من ملك إلى ملك لأنّ صنعته لا توجد عند غيره.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب الصنّاع إليه كوثر وحسيس في أوغاريت، ومقامه في كفتور، التي تُعرَّف بكريت أو قبرص أو بأفق إيجي أوسع. كلاهما يصنع لملك بيتاً: يبني كوثر لبعل قصراً ويقترح فيه نافذة يخرج منها صوت بعل، ويبني ديدالوس لمينوس متاهة لا يجد الداخل فيها طريق الخروج. وكلاهما يصنع ما لا يملك مصيره: قوس كوثر يُقتل بسببه أقهت، وجناحا ديدالوس يُقتل بهما ابنه.
ويقارن هوميروس صنعة ديدالوس بصنعة هيفايستوس نفسه: على درع أخيل صنع هيفايستوس ساحة رقص «مثل التي صنعها ديدالوس في كنوسوس لأريادني». فالمعبود الأعرج والصانع البشري يتقاسمان الصنعة في القصائد.
ويقابل المقال السومري صعود إتانا إلى السماء على ظهر النسر بإيكاروس. وفي القصّتين إنسان يرتفع إلى السماء بجناح غيره، ويفترقان في الطالب والمطلوب: إتانا ملك يطلب نبتة الولادة ليكون له وارث، وإيكاروس فتى يهرب مع أبيه من حبس مينوس فيعلو أكثر ممّا أُذن له.
واختراعاته، المتاهة والتماثيل والجناحان، ومنشار تلميذه وبيكاره، تضعه في الأبطال الحضاريين. والبقرة الخشبية التي خدع بها الثور، والنملة التي أدخلت الخيط في الصدفة، تضعانه في المحتال. وعيد الدايدالا الذي سُمّي بالتماثيل التي أُخذ منها اسمه يحيي صلح زيوس وهيرا، وهو من شواهد الزواج المقدّس.