پراجاپتي

ملخص

پراجاپتي «سيّد المخلوقات» في الكتب الڤيدية، الخالق الذي خرج منه كلّ شيء، ثم تفكّك بعد أن خلق، فأعاده القربان إلى تمامه. وصار عمل المذبح الڤيدي كلّه إعادة بنائه.

يختم النشيد 10.121 من «الريگڤيدا» أبياته كلّها بسؤال: «لأيّ إله نقدّم قرباننا؟»، يصف فيه الجنين الذهبي الذي كان في البدء ربّاً وحيداً لكلّ ما وُجد، ثبّت الأرض والسماء، وله الجبال والبحر، ثم يجيب في البيت الأخير: «يا پراجاپتي، لا أحد غيرك يحيط بكلّ هذه المخلوقات». ثم تروي «شتاپتها براهمانا» قصّته كاملة. في البدء كان الماء وحده، فتعب الماء وحمي فخرجت منه بيضة ذهبية طفت سنة، وفي آخر السنة خرج منها رجل هو پراجاپتي فكسرها، وبعد سنة أخرى أراد أن يتكلّم فقال «بهوه» فصارت الأرض، و«بهوڤه» فصار الهواء، و«سڤه» فصارت السماء، ولذلك يتكلّم الطفل في آخر سنته الأولى. ثم خلق الآلهة بنَفَس فمه فصار له ضوء النهار، وخلق «الأسورا» بنَفَسه السفلي فصار له ظلام. وفي رواية أخرى من الكتاب نفسه أراد پراجاپتي أن يتكاثر، فاتّحد بالأرض بواسطة أجني فخرجت بيضة، ثم بالهواء بواسطة الريح، ثم بالسماء بواسطة الشمس، ثم اتّحد بعقله بالكلام فحمل بالڤاسو والرودرا والآديتيا.

فلمّا خلق المخلوقات كلّها «كمن جرى السباق كلّه» تفكّكت مفاصله، فخرج منه النَّفَس، وتركته الآلهة. فقال لأجني: أعِدني، فأعاده أجني، ولذلك يسمّونه أجني وهو پراجاپتي. ويقول الكتاب إنّ الأجزاء الخمسة التي تفكّكت من جسده، الشعر والجلد واللحم والعظم والمخّ، هي الطبقات الخمس لمذبح النار، وهي الفصول الخمسة، وإنّ پراجاپتي الذي تفكّك هو السنة. وفي رواية أخرى قال پراجاپتي للآلهة: أعيدوني، فداووه في النار بالقرابين، فكلّ قربان قدّموه صار لَبِنة مشويّة ودخل فيه، ولذلك تُشوى لبنات المذبح في النار. فمن يبني المذبح يبني پراجاپتي من جديد.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الخالق ينفق نفسه في الخلق، وأنّ القربان يردّ إليه ما أنفق. فما تفرّق منه في العالم، أرضاً وهواء وسماء وفصولاً، يُجمع في المذبح لبنة بعد لبنة، كما تتفرّق السنة في فصولها ثم تجتمع سنة جديدة. وهذا يجعله قريباً من بوروشا الذي تقسم الآلهة جسده في النشيد 10.90 فيصير منه العالم، أمّا پراجاپتي فلا يذبحه أحد: يتعب حتى يتفكّك، ثم يُعاد بناؤه. ويقول الكتاب نفسه إنّ سبعة «رجال» صُنعوا في البدء رجلاً واحداً، وإنّ هذا الرجل صار پراجاپتي، وهو المذبح الذي يُبنى. والقصّة من البيضة الكونية، ومن نمط الجسد الكوني، ومن المياه الأولى. «شتاپتها براهمانا» 6.1.1.1–5.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Prajāpati «پْرَجاپَتِي» كلمتان، prajā «پْرَجا» أي الذرّية والمخلوقات والناس، وpati «پَتِي» أي السيّد والمالك والزوج. والقراءة تتناول الكلمة الأولى: pra «پْرَ» تقابل «بَرَأَ» و«بَرا» العربيتين، والپاء تقابل الباء، ومنها «البَرِيّة»، وهي في معجم لين الخلق، أي المخلوقات، والناس خاصّة. وjā «جا» في السنسكريتية من فعل jan «جَن»، وُلد، ويقابلها في العربية «الجَنين»: الولد في بطن أمّه. فپراجا على هذه القراءة المقترحة على المنهج «البريّة والجنين»، المخلوق والمولود، وهو معناها في السنسكريتية نفسها: الذرّية والمخلوقات والناس. وپراجاپتي سيّد البريّة، وهو ما تجعله قصّته: الذي خرجت منه المخلوقات كلّها. وحدود القراءة في الجذر اللغوي.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق المعنى عند مونير ويليامز المقابل العربي
prajā پْرَجا التوالد، الذرّية، المخلوق، الناس البريّة؛ الجنين
pati پَتِي السيّد، المالك، الزوج لم يُقرأ بعد
Prajāpati پْرَجاپَتِي سيّد المخلوقات، الخالق؛ ويُطلق على الأب والملك

البريّة

يقول مونير ويليامز إنّ «پراجا» من pra «پْرَ» وja «جَ»، وإنّ معناها التوالد والولادة، ثم الذرّية والأولاد والنسل، ثم المخلوق والإنسان والناس، ثم الرعيّة. ويقول في «پراجاپتي» إنّه في «الريگڤيدا» لقب لساڤيتر وسوما وأجني وإندرا، ثم صار اسماً لإله أعلى في النشيد 10.121 وحده من الريگڤيدا، ثم في الأثرڤاڤيدا والبراهمانات، وإنّه أُطلق بعد ذلك على العشرة الذين خلقهم براهما أوّلاً، ومنهم پولاستيا الذي ينحدر منه كوبيرا ورافانا. وفي معجم لين «البريّة» الخلق، أي المخلوقات، والناس خاصّة، وأصلها مهموز من «برأ» عند بعضهم، أو من «البَرا» وهو التراب عند الفرّاء، و«براه الله» خلقه. ويلتقي المعنيان، التراب والخلق، في قصص الخلق من الطين.

الجنين

وjā «جا» من jan «جَن»، وُلد. وفي معجم لين «الجَنين» كلّ مستور مخفيّ، والمدفون، ثم الولد في البطن. فالمقابلة بين الجيم والنون في الجذر السنسكريتي والجيم والنون في العربية منتظمة، وفي «پراجا» سقطت النون كما تسقط في صيغ هذا الفعل. وحدّ القراءة أنّها تجعل البادئة السنسكريتية pra «پْرَ»، ومعناها «إلى الأمام»، كلمةً عربية تامّة، وأنّ لفعل jan «جَن» أقارب في اليونانية واللاتينية بمعنى النسل والقبيلة. أمّا pati «پَتِي» فيذكر مونير ويليامز أقاربها: اليونانية «پوسيس»، الزوج، واللاتينية «پوتيس»، القادر، ولم نجد لها بعد مقابلاً عربياً منتظماً بمعنى السيّد أو الزوج، فالقراءة تتناول نصف الاسم الأوّل وحده.

السرديات الأسطورية الرئيسة

پراجاپتي وابنته

تروي «شتاپتها براهمانا» أنّ پراجاپتي اشتهى ابنته، السماء أو الفجر، فاتّحد بها، فرأت الآلهة في ذلك إثماً، وقالوا لرب الماشية، رودرا: اطعنه، فرماه رودرا فطعنه، فسقط نصف نطفته على الأرض. فلمّا سكن غضب الآلهة داووا پراجاپتي ونزعوا منه سهم رودرا، لأنّ پراجاپتي هو القربان نفسه، ثم لم يعرفوا ما يصنعون بالجزء الذي خرج مع السهم: أعطوه لبهاگا فأعمى عينيه، ولپوشان فكسر أسنانه، حتى سكن بإذن ساڤيتر. وفي موضع آخر من الكتاب يولد طفل باكٍ من البذرة التي وضعتها السنة والفصول في الفجر، فيسمّيه پراجاپتي رودرا. وتقرأ المقالة الهندية في هذا المشروع اسم الفجر «أوشاس» من «أضاء» وتجعلها الراجحة، وتذكر «العِشاء» قراءةً متوسّطة.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير الهندية» في هذا المشروع أجزاء پراجاپتي المقسّمة بأنّها «عمليات التجزئة»، وتضعها في جدول الاختراعات الهندية المشفّرة في الأسطورة بجانب الصفر والنظام العشري وهندسة المذابح. وفي الكتاب نفسه ما يقرّب هذا: أجزاء پراجاپتي الخمسة هي الفصول الخمسة، وهو السنة المقسومة إلى فصولها، ومذبحه يُبنى بعدد معلوم من اللبنات وطبقات معدودة.

التوازيات عبر الحضارات

وفي الشمال يقتل أودين وأخواه العملاق يمير ويصنعون من لحمه الأرض ومن دمه البحر ومن جمجمته السماء، وفي الصين يموت بانغو فتصير أنفاسه الريح وعيناه الشمس والقمر، وفي «الريگڤيدا» تقسم الآلهة جسد بوروشا فيخرج منه العالم. وپراجاپتي يشبههم في أنّ العالم من جسده، ويخالفهم في أنّه لا يُقتل، وأنّ جسده يُعاد بناؤه كلّ سنة على المذبح، كما تجمع هذه القصص صفحة نمط الجسد الكوني. «شتاپتها براهمانا» 6.1.2.17–22، «خداع غيلفي» 8.

وكما يخرج پراجاپتي من البيضة الذهبية بعد سنة، يخرج بانغو من بيضة كبيضة الدجاج، ويخرج إيروس الإغريقي من بيضة الليل، كما في البيضة الكونية. «شتاپتها براهمانا» 11.1.6.1–2.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «الريگڤيدا» 10.121

  2. «خداع غيلفي» 8

  3. «شتاپتها براهمانا»، ترجمة إگلنگ: 1.7.4، 6.1.3، 6.1.1، 6.1.2، 11.1.6

  4. مونير ويليامز: پراجاپتي، پراجا، پتي

  5. معجم لين: برو، البريّة، الجنين