ملخص
إِتانا ملك كِيش في أخبار الرافدين، والملك الذي يُروى عنه أنّه صعد إلى السماء على ظهر نسر. تقول قائمة الملوك السومرية إنّ الطوفان لمّا جرف الأرض ونزل المُلك من السماء كان المُلك في كيش، ثم تعدّ ملوكها حتى تقول: «إتانا، الراعي الذي صعد إلى السماء وثبّت البلاد الأجنبية كلّها، صار ملكاً، وحكم ألفاً وخمسمئة سنة»، وبعده ابنه باليخ.
وتبدأ ملحمته بمدينة لم يكن لها ملك. خطّطت الآلهة مدينة كيش ووضعت أساسها، وبنى الإيگيگي آجرّها، وقالت: ليكن إتانا بانيها. ولم يكن للناس ملك بعد، ولا عُصبت عمامة ولا تاج، وكانت العصا والعمامة والتاج وعصا الراعي موضوعة أمام آنو في السماء، فنزل المُلك من السماء، وطلبت عشتار راعياً، وبحثت عن ملك في كلّ مكان.
وكان هناك معبد لأدد، وفي ظلّه نبتت شجرة حَوْر، في أعلاها نسر وفي أصلها حيّة. فتعاهد النسر والحيّة على الصداقة، وحلفا أمام شمش: من تجاوز حدود شمش فليسلّمه شمش إلى من يقتله. فصارا يصيدان بالتناوب، يصيد النسر الثور الوحشي والحمار، فتأكل الحيّة وصغارها، وتصيد الحيّة الوعل والغزال، فيأكل النسر وصغاره. فلمّا كبر صغار النسر أضمر الشرّ، وقال: سآكل صغار الحيّة، ثم أصعد فأسكن السماء. فقال له أصغر فراخه، وكان حكيماً: لا تأكل يا أبي، فشبكة شمش ستصطادك. فلم يسمع، ونزل فأكل صغار الحيّة. فلمّا رجعت الحيّة ووجدت عشّها خالياً بكت أمام شمش: شبكتك الأرض الواسعة، وفخّك السماء البعيدة، فلا يفلت منك هذا «الأنزو» الشرّير الذي أضمر السوء لصديقه. فقال لها شمش: اعبري الجبل، فقد أمسكت لك ثوراً وحشياً، فشقّي بطنه واكمني فيه. فجاءت الطيور تأكل، وأبى النسر أوّلاً، ثم نزل ودخل بين الأحشاء، فأمسكته الحيّة من جناحيه، وقطعت جناحيه وريشه، ونتفته، ورمته في حفرة ليموت جوعاً وعطشاً. فصار النسر يدعو شمش كلّ يوم، فقال له شمش: أنت شرّير، صنعت ما تكرهه الآلهة، فلن أقترب منك، ولكنّي سأرسل إليك رجلاً يعينك.
وكان إتانا يدعو شمش كلّ يوم: يا شمش، أكلت من أسمن نعاجي، وشربت الأرض دم حملاني، فأعطني نبتة الولادة، وأرني نبتة الولادة، وأزل عنّي عاري، وارزقني وارثاً. فقال له شمش: اعبر الجبل، تجد حفرة فيها نسر مرميّ، وهو يريك نبتة الولادة. فوجده، وفي الرواية القديمة أمسك بيده في الشهر السابع وأخرجه من الحفرة في الشهر الثامن، وصار النسر يأكل كالأسد الجائع حتى قوي، فقال لإتانا: يا صديقي، لنكن صديقين، فاطلب منّي ما تشاء. فقال إتانا: افتح عينيّ على ما خفي عنّي. فحمله النسر، فلمّا ارتفع به ميلاً قال: انظر يا صديقي كيف صارت الأرض. فقال: صار البحر الواسع كالحظيرة. فلمّا ارتفع ميلاً ثانياً قال: صارت الأرض كحقل صغير، وصار البحر الواسع بحجم حوض الماء. فلمّا ارتفع ميلاً ثالثاً قال إتانا: نظرت فلم أرَ الأرض، ولم تبلغ عيناي البحر، يا صديقي لن أصعد إلى السماء، أنزلني أرجع إلى مدينتي. فسقط، والنسر ينقضّ فيلتقطه بجناحيه مرّة بعد مرّة، حتى صار على ثلاث أذرع من الأرض. ثم رأى إتانا في المنام أنّهما عبرا أبواب آنو وإنليل وإيا، ثم أبواب سين وشمش وأدد وعشتار، ورأى بيتاً ففتح ختمه ودخل، فإذا عشتار جالسة على عرش وتحت العرش أسود. فقال النسر: أحلامك واضحة، تعال أصعد بك إلى السماء. فصعدا وعبرا الأبواب كما رأى، ثم ينكسر اللوح. ولا يبقى من الخاتمة إلّا ما تقوله قائمة الملوك: أنّ باليخ ابن إتانا حكم بعده.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ المُلك الذي نزل من السماء لا يبقى إلّا بوارث، وأنّ الوارث لا يُنال إلّا بالصعود إلى حيث نزل المُلك. والطريق إليه يمرّ بعهد مكسور: النسر الذي خان صديقه سقط إلى الحفرة، والملك الذي يريد أن يصعد يحتاج إلى جناحيه، فكلّ منهما ينقذ الآخر، وشمش الذي يحكم بين الحيّة والنسر هو الذي يدلّ الملك على الطريق. والصعود نفسه امتحان للنظر: تصغر الأرض حتى تصير حقلاً، ويصغر البحر حتى يصير حوضاً، ثم تختفي الأرض من العين، فيخاف الرجل ويسقط، ولا يعود إلى الصعود إلّا بعد أن يرى في منامه أين ينتهي الطريق.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يُكتب e-ta-na «إي-تا-نا»، وتقرؤه المقالة السومرية من أَتَنَ أو وَطَنَ، أي استقرّ وأقام. وفي معجم لين: «أتن بالمكان» أقام فيه ولزمه وثبت فيه، و«الوطن» منزل الإقامة الذي يتّخذه الرجل مسكناً. فإتانا «المقيم الذي يثبّت»، وهذا ما تقوله النصوص عنه: الآلهة تبني كيش وتقول «ليكن إتانا بانيها»، وفي الأكدية itinnu «إِتِنُّو» الباني، ويقول محرّرو النصّ في المكتبة البابلية الإلكترونية إنّ هذه الكلمة قد تكون تفسيراً قديماً لاسمه، وقائمة الملوك تقول إنّه «ثبّت البلاد كلّها». والذي يطلبه في القصّة وارث يُقيم بيته ومُلكه بعده.
الجذر اللغوي
| الكتابة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| e-ta-na «إي-تا-نا» | إيتانا | الرواية البابلية القديمة وقائمة الملوك |
| ᵈe-ta₂-na «علامة الإله ثم إي-تا-نا» | إيتانا | نصّ بابلي قديم، بالعلامة DA «دا» التي تُقرأ ta «تا» أيضاً |
| etana lū itinšina «إِتانا لُو إِتِنْشِينا» | «ليكن إتانا بانيهم»، النسخة المعيارية 1: 7 |
قراءات المقالة
تعرض المقالة السومرية ثلاث قراءات: أتن ووطن بمعنى استقرّ وأقام، وهما عندها الأوّل، وعتن بمعنى اشتدّ وصلب، وتذكر أيضاً «الوتين»، العرق الذي يقوم به القلب. وتضع المقالة البنيوية السومرية «وطن» في قصّة الصعود: المستقرّ المؤسّس الذي يطلب الخلود ليستقرّ ملكه. وفي معجم لين: أتن بالمكان أقام به وثبت واستقرّ، والوطن منزل الإقامة. ولا يذكر لين «عتن»، وفي تاج العروس: عتنه إلى السجن دفعه دفعاً شديداً، والعُتُن الأشدّاء.
والمعنى يقدّم «أتن» و«وطن»: الآلهة تجعل إتانا «باني» مدينتها، وقائمة الملوك تقول إنّه «ثبّت البلاد». أمّا الحروف فتحتاج إلى كلام. الكسرة الممالة في أوّل الاسم، e «إي»، تدلّ في الأكدية عادة على حرف حلق سقط، عين أو حاء، كما تقول قوانين المشروع، والهمزة وحدها لا تُميل الحركة، فالحرف الأوّل أقرب إلى العين، وهذا يقوّي «عتن» في الحروف ويضعفها في المعنى. والواو في أوّل الكلمة تبقى في الأكدية البابلية القديمة، فـ«وطن» تحتاج إلى سقوطها. وتُكتب التاء في إحدى الكتابات بالعلامة التي تُقرأ أيضاً طاءً، فلا تمنع الكتابة «وطن». فالقراءة الأولى أقرب إلى القصّة، والحروف لا تحسم بعد.
السياق التاريخي
يقول محرّرو الملحمة في المكتبة البابلية الإلكترونية إنّ خبر إتانا كان معروفاً على الأرجح في الألف الثالث قبل الميلاد، وإنّ أقدم ما بقي من الملحمة ألواح من بابل ومن سُوسَة في النصف الأوّل من الألف الثاني، ثم أربعة ألواح آشورية من آشور في نصفه الثاني، ثم نسخ مكتبات آشوربانيبال في نينوى في الألف الأوّل. ويقول «فهرس النصوص والمؤلّفين» البابلي إنّ مؤلّفها الحكيم لو-نانّا. ويذكر نصّ حكمي بابلي قديم صعوده وعقمه، وتذكر نصوص الفأل صعوده إلى القرن الثاني قبل الميلاد. وفي ملحمة جلجامش يرى إنكيدو في منامه دار التراب، «وفيها جلس إتانا، وفيها جلس شَكّان»، وفيها جلست إريشكيغال ملكة العالم السفلي.
| الاسم | الصلة بإتانا | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| شمش | يحكم بين النسر والحيّة، ويدلّ إتانا على النسر | اللوحان الثاني والثالث |
| النسر | يخون الحيّة فيُرمى في الحفرة، ثم ينقذه إتانا فيحمله إلى السماء | اللوحان الثاني والثالث |
| الحيّة | صديقة النسر، تنتقم منه بأمر شمش | اللوح الثاني |
| عشتار | تطلب ملكاً للناس، ويراها إتانا على عرشها في السماء | اللوحان الأوّل والثالث |
| آنو | أمامه شارات المُلك في السماء، وأوّل أبواب الصعود بابه | اللوحان الأوّل والثالث |
| باليخ | ابنه ووارثه في قائمة الملوك | قائمة الملوك السومرية |
| زوجته | ترى حلماً عنه | النسخة المعيارية، اللوح الأوّل، المقطع الثاني |
السرديات الأسطورية الرئيسة
الرواية البابلية القديمة
في لوح مورغان البابلي القديم تبدأ القصّة بالآلهة الكبار، الأنوناكي، يتشاورون في أمر البلاد، والإيگيگي يقيمون للناس عيداً، ولم يكونوا قد جعلوا لهم ملكاً، وكانت الأبواب السبعة مغلقة دون الأقوياء. وفي لوح سوسة يقسم النسر والحيّة: «ليضلّ عنه الطريق ولا يجد سبيلاً، ولتمنعه الجبال مداخلها»، ثم يلدان معاً، الحيّة في ظلّ الحَوَرة والنسر فوقها. وفي العمود السادس من لوح مورغان يُخرَج النسر من الحفرة في الشهر الثامن، ويطلب إتانا أن تُفتح عيناه على ما خفي عنه.
النسر الذي سمّته الحيّة «أنزو»
في شكوى الحيّة أمام شمش تسمّي النسر anzû «أَنْزُو»، «فاعل الشرّ أنزو، الذي أضمر السوء لصديقه». فالطائر الذي سرق في ملحمة أخرى لوح الأقدار من إنليل اسم يُسمّى به هنا كلّ طائر عظيم يخون. انظر أنزو. النسخة المعيارية، اللوح الثاني، 72.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة البنيوية السومرية صعود إتانا «الطموح البشري» إلى تجاوز الموت والحدود الأرضية، وتقابله بقصص الصعود إلى السماء في التراث السامي، المعراج وإدريس، وتقابله المقالة السومرية بإيكاروس الإغريقي. والنصّ يجعل الطموح طلباً محدّداً: وارثاً يرث المُلك، ونبتة للولادة لا للخلود. والقراءة التي يسندها النصّ من حياة الناس أنّ الملك راعٍ، تسمّيه القائمة «الراعي»، وأنّ قطيعه وبيته لا يبقيان بلا ولد، فيذبح نعاجه وحملانه لشمش ويطلب الولد، كما يطلب صاحب كلّ بيت.
التوازيات عبر الحضارات
النسر في أعلى الشجرة والحيّة في أصلها صورة من صور شجرة العالم: في يغدراسيل نسر في الرأس وتنّين عند الجذر وبينهما سنجاب ينقل كلام العداوة، وفي شجرة إنانا حيّة عند الجذر وفرخ أنزو في الأغصان. وفي قصّة إتانا يتعاهد الاثنان ثم يغدر الطائر.
ويعادي غارودا ملك الطيور في الهند الحيّات، ويطير إلى السماء يأخذ شراب الخلود ليفدي به أمّه من رقّ الحيّات، كما يطير نسر إتانا بالملك إلى السماء يطلب نبتة الولادة.
ويحمل نسر زيوس الفتى الطروادي إلى السماء في رواية أوفيد، فيصير ساقي الآلهة، في صفحة غانيميديس. أوفيد، التحوّلات 10.155–161.
ونزل المُلك من السماء إلى كيش ومعه العصا والتاج، والآلهة تجعل إتانا بانيها وملكها، فقصّته من قصص ما يأتي إلى الناس من السماء، كما في حملة الصنائع. وصعد أدابا أيضاً إلى سماء آنو ووقف عند بابها، فعُرض عليه خبز الحياة فردّه، وصعد إتانا يطلب نبتة الولادة.