ملخص
سْرَوْشا في الأفستا «أَڤِسْتا» اسم معناه «السمع والطاعة»، وهو من أعظم الكائنات التي يعبدها الزرادشتيون، ويسمّيه زرادشت في الغاثات «أعظم الجميع». وبقي اسمه في إيران بعد الإسلام اسماً لملاك، سُرُوش. ولا نظير له في «الريغفيدا»، فهو إيرانيّ خالص عند علماء الإيرانيات.
وأتمّ ما وصلنا من خبره نشيده في يَسنا 57. هو أوّل من بسط حزمة الأغصان المقدّسة في خلق أهورا مزدا، وأوّل من عبده بها، وأوّل من أنشد الغاثات الخمس التي أنشأها زرادشت. وبنى للفقراء من الرجال والنساء بيتاً عظيماً. وبيته هو على أعلى قمّة من جبل هَرَئِتي، له ألف عمود، مضيء من داخله، مرصّع بالنجوم من خارجه، وهناك قرّب له الهَوْم. وتجرّ عربته أربعة خيول بيض لامعة، حوافرها من قرن مكسوّ بالذهب، أسرع من الريح والمطر والطير والسهم، تحمله من الشرق إلى الغرب. وعمله الأكبر بالليل: بعد غروب الشمس يرفع سلاحه ويحرس العالم كلّه، ويضرب أَيْشْما، شيطان الغضب ذا الهراوة الدامية، ضرباً يسيل منه الدم، ولم ينم منذ خلق الروحان، الخيّر والخبيث، عالميهما، فيقاتل الشياطين النهار كلّه والليل كلّه، فتفرّ منه إلى الظلمة. وينزل ثلاث مرّات في اليوم وثلاثاً في الليل إلى الإقليم الأوسط من الأرض، وفي يده فأس حادّة يشقّ بها رؤوس الشياطين.
ويوقظ سروشا الديك. يسأل زرادشت في «الڤنديداد»: من الذي ينفّذ أمر سروشا؟ فيجيبه أهورا مزدا: الطائر پَرُودَرْش، أي «الذي يرى الفجر قبل مجيئه»، يرفع صوته في آخر الليل: قوموا أيّها الناس وصلّوا، فهذه بوشْياسْتا الطويلة اليدين، شيطانة النوم، تأتي لتعيد العالم إلى النوم بعد أن استيقظ. وسروشا هو الذي يوقظ هذا الطائر.
وله عمل بعد الموت. في الكتب الفهلوية يحرس سروشا روح الميّت ثلاثة أيام، وهي حائرة يهدّدها الشياطين، ثم يقودها فجر اليوم الرابع إلى جسر تشنڤات، فيجلس هناك مع ميثرا ورَشْنُو للحكم عليها. وفي آخر الزمان يرافق أورمزد في حساب الأرواح، ويضرب خصمه الأكبر، الغضب.
والفكرة التي تدور عليها أخباره أنّ الذي يسمع الكلمة ويطيعها هو الذي يسهر حين ينام الناس. فالليل في هذه الأناشيد ساعة الشياطين، ساعة الغضب والنوم الذي يأخذ الناس عن صلاتهم، وسروشا يبدأ عمله حين تغيب الشمس وينهيه بصياح الديك. والطاعة عنده ليست قعوداً: هو أقوى الشباب وأسرعهم، وله هراوة وفأس، يحرس البيت والقرية والقبيلة والبلد التي يُكرَم فيها ويُطعَم، ويحرس الروح في لياليها الثلاث الأولى بعد الموت، وهي حائرة يهدّدها الشياطين.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالتان الفارسيتان لا تذكرانه. يأتي في الرفع sraošō «سْرَوْشُو»، والواو في آخره علامة إعراب، وsraoša «سْرَوْشَ» عند علماء الإيرانيات من الفعل sru «سْرُو»، أي سمع، زيدت عليه شين. فإذا حذفنا العلامة واللاحقة بقي «سْرَو»: سين وراء وواو، وهي حروف «سَرَى» العربية. والسُّرى في معجم لين السير بالليل، في أوّله ووسطه وآخره، ويقال في المثل «ذهبوا إسراءَ قنفذ»، لأنّ القنفذ يسري الليل كلّه لا ينام. فسروشا على هذه القراءة «الساري»، الذي يسير بالليل ولا ينام، وهذا ما يجعله نشيده: يحرس الخلق بعد غروب الشمس، ولم ينم منذ خلق الروحان عالميهما.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الصيغة | موضعها |
|---|---|
| sraoša «سْرَوْشَ»، وفي الغاثات səraoša «سِرَوْشَ» | الأفستية، اسماً للإله ولفظاً عامّاً للطاعة |
| sraošō «سْرَوْشُو» | الرفع |
| səraošānē «سِرَوْشانِي» | فعل في الغاثات: «سأكون مطيعاً» |
| śruṣṭi «شْرُشْطِي» | السنسكريتية الفيدية: الطاعة، من الفعل نفسه |
| Srōš «سْرُوش» | الفارسية الوسطى |
| سُرُوش | الفارسية الحديثة، اسم الملاك |
ويشرح مالاندرا في الموسوعة الإيرانية أنّ الفعل sru «سْرُو» معناه في الأصل سمع ثم أطاع، وأنّ من المادّة نفسها في الأفستا لفظاً للعقاب، ولفظاً لمن يقيم الطاعة ويعاقب عليها، ومنه يُسمّى الديك. فالاسم في أصله السماع الذي يتبعه العمل.
السُّرى
في معجم لين: «سَرى يسري سُرىً ومَسْرىً وسَرْيةً: سار بالليل»، عامّة الليل، وعند أبي زيد في أوّله ووسطه وآخره، ويقال أسرى بمعناه. ويقال في المثل «ذهبوا إسراءَ قنفذ» لأنّ القنفذ يذهب الليل كلّه لا ينام. ثم قيل سرى عرق الشجرة إذا دبّ تحت الأرض، وسرى فيه السمّ إذا دبّ في جسده، وسرى عليه الهمّ إذا جاءه بالليل.
والمقابلة في الصوت: السين سين، والراء راء، والواو في srao- «سْرَو» حرف لين تقابله الياء في «سرى»، والواو والياء تتعاقبان في آخر المادّة العربية نفسها، يقال سَرَوْتُ الثوب عنّي وسَرَيْتُه، كما في معجم لين. وتسقط الشين لأنّها لاحقة في التحليل الإيراني، وتسقط الواو الأخيرة لأنّها علامة الرفع. أمّا معنى السماع والطاعة، وهو أصل الكلمة الإيرانية، فليس في «سرى»، فالقراءة تقرأ الاسم بما يفعله صاحبه.
السرديات الأسطورية الرئيسة
مع ميثرا في المعركة
في نشيد ميثرا يُلقي ميثرا الرعب في جيش ناقضي العهد، ويُلقي رشنو عليهم رعباً مقابلاً، ويبدّدهم سروشا من كلّ جهة. ويشدّ ميثرا خيله إلى عربته ومعه سروشا القويّ، ويسير سروشا عن يمينه ورشنو عن يساره.
حارس الجسد وصاحب الدنيا
وفي الكتب الفهلوية يرتفع مقامه حتى يصير قريباً من أورمزد في سلطان الأرض: يقول «البندهشن» الإيراني إنّ أورمزد حارس الروح في العالم الروحي، وسروش حارس الجسد في العالم المادّي، وإنّه يمسك العالم المادّي بالحماية التي أمره بها أورمزد. ويحمل ملوك الأرض لقباً منسوباً إليه، فيُسمّون «عمود مجد العالم المادّي».
ضارب العائق
ومن ألقاب سروشا في نشيده verethrājan «ڤِرِثْراجَن»، أي ضارب العائق، وهو اللقب الذي صار في إيران اسم إله النصر ڤرثرغنا، وفي الهند لقب إندرا قاتل فريترا. النصّ الأفستي ليَسنا 57.19، الموسوعة الإيرانية، «سروشا».
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الفارسية الخصومة بين أهورا مزدا وأنجرا ماينيو خصومةً بين المجتمع الزراعي المستقرّ، الذي يزرع الأرض ويربّي الماشية ويحفظ الماء والنار، وبين ما يهلكه من جفاف وآفات وغارات. وسروشا في نشيده حارس هذا المجتمع بالليل: «تبتعد عن هذا البيت وهذه القرية وهذه القبيلة وهذا البلد المخاوفُ الشرّيرة المهلكة» حيث يُكرم سروشا ويُطعم.
وفي الخبر صورة من حياة الناس: بيت فيه نار تحتاج من يقوم إليها قبل الفجر، وصلاة يجب أن تُقال حين يصيح الديك، ونوم يغري الناس بالبقاء في الفراش. فالحارس الإلهي هنا يعمل في الساعات التي يحتاج فيها الناس إلى من يوقظهم.
التوازيات عبر الحضارات
في الشمال يحتاج هايمدال إلى نوم أقلّ من نوم الطائر، ويسمع العشب ينمو، ويحرس الطريق إلى بيت الآلهة، وسروشا السامع لا ينام منذ خُلق العالم ويحرس الخلق بالليل. وعند الإغريق يقود هرمس الأرواح إلى العالم السفلي، وفي مصر يأخذ أنوبيس الميّت بيده إلى الميزان، وسروشا يقود الروح إلى الجسر الذي يزن عنده رشنو أعمالها، وهي من شواهد النزول إلى العالم السفلي. وفي الهند يحرس يما طريق الموتى بكلبيه، ولجسر تشنڤات كلبان أيضاً.