ملخص
نِنْشُوبُور وزيرة إنانا في أساطير سومر، ورسولها الذي تثق به. تسمّيها إنانا «وزيرتي الأمينة في إي-آنّا، وزيرتي ذات الكلام الحسن، ورفيقتي ذات الكلام الصادق». وكانت في الألف الثالث قبل الميلاد معبودة أنثى، يسمّيها الناس «الأمّ»، ومركز عبادتها بلدة أَكِّيل، وأشهر ألقابها «وزيرة السماء».
وأتمّ قصّة عنها في قصيدة «نزول إنانا إلى العالم السفلي». تترك إنانا معابدها في المدن، وتأخذ القوى الإلهية السبع، وتلبس تاجها وخرزها وثوب السيادة، وتمشي نحو العالم السفلي ونينشوبور خلفها. وفي الطريق تعطيها وصيّتها: إذا بلغتُ العالم السفلي فاندبيني على أطلال البيوت، واضربي لي الطبل في المعابد، وطوفي لي على بيوت المعبودات، واخدشي عينيك وأنفك، والبسي ثوباً واحداً كالفقيرة، وادخلي وحدك إي-كور بيت إنليل، وقولي له: يا أبي إنليل، لا تدع أحداً يقتل ابنتك في العالم السفلي، لا تدع معدنك الثمين يُخلط بتراب العالم السفلي. فإن لم يُعنك فاذهبي إلى نانّا في أور، فإن لم يُعنك فاذهبي إلى إنكي في إريدو، فإنّه يعرف نبات الحياة وماء الحياة، وهو الذي يعيدني إلى الحياة. ثم تدخل إنانا أبواب العالم السفلي السبعة، ويُنزع منها عند كلّ باب شيء من زينتها، حتى تقف عارية أمام أختها إريشكيغال، فتنظر إليها نظرة الموت، وتُعلّق جثّتها على وتد.
وبعد ثلاثة أيام وثلاث ليال تفعل نينشوبور ما أُمرت به حرفاً حرفاً: تندب وتضرب الطبل وتطوف وتخدش وجهها وتلبس الثوب الواحد، وتدخل إي-كور. فيغضب إنليل ويقول: ابنتي اشتهت السماء العظيمة واشتهت الأرض السفلى، ومن أخذ قوى العالم السفلي بقي فيه. ويقول نانّا مثل قوله. أمّا إنكي فيقول: ماذا صنعت ابنتي؟ لقد أقلقتني. ويأخذ وسخاً من تحت ظفره فيصنع منه كائنين، الكُورْغَرّا والغَلاتُورا، ويعطي أحدهما نبات الحياة والآخر ماء الحياة، فيدخلان العالم السفلي كالذباب ويرشّان الجثّة فتقوم إنانا. ولمّا صعدت كان الشياطين معها يريدون بدلاً منها، فرأوا نينشوبور ملقاة عند بابها في التراب وفي ثوب وسخ، فقالوا: اذهبي إلى مدينتك، وسنأخذها. فقالت إنانا: هذه وزيرتي ذات الكلام الحسن، لم تنسَ وصيّتي، وهي التي أعادتني إلى الحياة، فكيف أسلّمها إليكم؟ ومضت حتى وجدت زوجها دموزي جالساً على عرشه لم يحزن عليها، فأسلمته.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ الكلمة التي تُحفظ تنقذ صاحبها. إنانا لا تنجو بقوّتها، فقد نزعت أبواب العالم السفلي قواها كلّها، وإنّما تنجو لأنّها تركت وراءها من يحفظ الوصيّة ويؤدّيها كما قيلت. والحزن الذي تقيمه نينشوبور ليس حزناً على ميّت فقط، وإنّما هو طلب: تطوف به على المعبودات الثلاثة حتى يسمعه واحد. ولذلك يبقى الوزير في كلّ ما يأتي بعد ذلك صاحب الكلام بين السيّد ومن يقصده، يحمل الطلب إليه ويحمل الجواب منه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءةً مقترحة على المنهج، فلا تقرأ المقالة السومرية اسمها، وإنّما تقرأ اسم إنانا التي تخدمها. يُكتب ᵈnin-šubur «نِنْ-شُوبُور». نترك nin «نِنْ» لقب السيّدة كما تركناه في اسم نينورتا، فيبقى šubur «شُوبُور». وأقرب ما يلقاه في العربية «سَفِير»: في معجم لين السفير الرسول، والمُصلح الذي يمشي بين القوم فيصلح بينهم، و«سَفَرْتُ بين القوم» أصلحت بينهم، لأنّ من يفعل ذلك يكشف ما في نفس كلّ فريق. والشين السومرية تقابل السين، والباء تقابل الفاء، والراء راء. وهذا عمل نينشوبور كما ترويه القصائد: تمشي بين إنانا والمعبودات، وتحمل كلامها إلى إنليل ونانّا وإنكي حتى يُقبل.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ᵈnin-šubur | نِنْشُوبُور | الكتابة المعتادة |
| -su:bar، -su-bu-ra «-سُوبَر، -سُوبُورا» | كتابة صوتية للجزء الثاني في نصّ من فارة وفي نصّ بلهجة النساء | |
| Nincubura | نِنْشُوبُورا | صيغة مدوّنة أكسفورد في قصيدة النزول، بالحالة الإضافية |
| ᵈŠubur | شُوبُور | الاسم وحده بلا لقب |
| Ilabrat، ᵈI-la-ab-ra-at «إِيلَبْرات» | النظير الأكدي الذكر | |
| Papsukkal «پَپْسُكَّل» | الوزير الذي حلّ محلّه منذ العصر الكاشي |
يقول ڤيغرمان إنّ الجزء الثاني يُكتب أحياناً بالصوت su:bar «سُوبَر» وsu-bu-ra «سُوبُورا»، وإنّ الاسم يقصر أحياناً إلى ᵈŠubur «شُوبُور» وحده، وإنّ نصّاً معجمياً بابلياً قديماً يضع šubur بإزاء الكلمة الأكدية wardum «وَرْدُم»، العبد. ومن ذلك يفهم الاسم «سيّدة سوبارتو» أو «سيّدة الخدم». ويذكر أنّ نصّين من الألف الأوّل يشرحانه «ربّ الأرض» أو «ربّ العالم السفلي»، ويقول إنّ هذا تفسير لا ترجمة، لأنّ šubur لا يأتي بمعنى الأرض في أيّ نصّ سومري.
السفير
نفصل nin «نِنْ» لقباً، فتغطّي القراءة الجزء šubur «شُوبُور». حروفه ثلاثة: الشين والباء والراء. والسومرية لا تفرّق تفريق العربية بين السين والشين في كلّ موضع، والكتابة الصوتية في نصّ فارة تكتب الجزء بالسين: su:bar «سُوبَر». والباء والفاء من مخرج واحد، والأكدية لا فاء فيها، فما كان فاءً في العربية كُتب فيها باءً أو پاءً. والراء راء. فتجتمع الحروف في «س-ف-ر». وفي معجم لين: «سَفَرَ بين القوم» أصلح بينهم، والسفير الرسول المصلح، وجمعه سُفَراء. وهذا يلقى ما يقوله ڤيغرمان عن عمل نينشوبور: هي الوسيط بين إنانا والناس، وتظهر في الأختام واقفة تقدّم العابد إلى سيّدته وتتشفّع له، وعملها في الدولة عمل السفير في خدمة إنانا ومدينتها.
ويبقى أنّ šubur في السومرية العبد والخادم، واسم بلاد سوبارتو في الشمال، فالقراءة تأخذ عمل صاحبة الاسم ولا تأخذ معناه المشهود. وما بين الكلمتين قريب: الخادم الذي يُرسل في حاجة سيّده رسول، والرسول عند سيّده خادم. ولا نعرف حتى الآن زوجاً سومرياً عربياً آخر تقابل فيه الباء الفاء في كلمة من هذا الباب، فتبقى القراءة مفتوحة.
إيلابرات
النظير الأكدي إِيلَبْرات ذكر، وقد فُهم اسمه «معبود بلدة يَبْرات» أو «معبود الناس البسطاء»، ويقول ڤون زودن ودِلّر إنّه قد لا يكون ساميّاً أصلاً. وفي قصّة أدابا يُذكر إيلابرات وزيراً لـآنو في لوح العمارنة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
قارب السماء
في قصيدة «إنانا وإنكي» تشرب إنانا مع إنكي في إريدو، فيعطيها وهو سكران القوى الإلهية، فتحملها في قارب السماء إلى أوروك. فإذا صحا إنكي سأل وزيره إسيمود عن القارب، وأرسل خلفها مرّة بعد مرّة من يستردّه: الإنكوم، ثم عمالقة إريدو الخمسين، ثم مخلوقات الماء. وفي كلّ مرّة تقول إنانا إنّ كلام أبيها لا يُنقض، وتنادي نينشوبور: تعالي يا وزيرتي الصالحة في إي-آنّا، يا وزيرتي ذات الكلام الحسن، يا رسولتي ذات الكلام الصادق، فتنقذ نينشوبور القارب. حتى إذا بلغ القارب «باب الفرح» في أوروك قالت نينشوبور: اليوم جئت بقارب السماء إلى أوروك، اليوم يفرح أهل مدينتنا.
من نينشوبور إلى إيلابرات وپپسكّل
يقول ڤيغرمان إنّ نينشوبور في كلّ نصوص الألف الثالث أنثى، وإنّها في النصوص الأكدية ذكر يُقرأ اسمه إيلابرات. وفي آخر الألف الثالث وأوّل الثاني عاشت الصورتان معاً، وفي ترنيمة بابلية قديمة تلبس المعبودة ثوب رجل على الجانب الأيمن وثوب امرأة على الأيسر. ثم حلّ محلّه منذ العصر الكاشي پَپْسُكَّل، وصار هو وزير عشتار في النسخة الأكدية من قصّة النزول. وكان الوزير يحمل عصاً هي رمز عمله، ويحرس أبواب المعابد والبيوت، وتُدفن تماثيله الصغيرة من الطين تحت أرض المعابد، ويُرسم على حجارة الحدود طائراً يمشي. وفي آخر ما يذكره ڤيغرمان يُجعل نينشوبور كوكبة سِيپازِيانّا «الراعي الصادق للسماء»، وهي الجبّار.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة السومرية الرمزية نزول إنانا قراءتين: كوكب الزهرة يختفي من السماء أيّاماً حين يمرّ بين الأرض والشمس ثم يظهر نجمة صباح، والأرض الخصبة تجفّ في الصيف ثم تعود في الخريف. وفي هذا المشهد تقوم نينشوبور مقام الناس أنفسهم: تفعل ما يفعله أهل الميت، تندب وتخدش وجهها وتلبس الخرقة، ثم تحمل حزنها إلى المعبودات طلباً. فالطقس الذي يقيمه الناس على موتاهم يصير في القصيدة هو الطريق إلى ردّ الحياة.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب صورة إليها في سومر جشتينانا، أخت دموزي، التي تحفظ أخاها فلا تدلّ الشياطين عليه، ثم تنزل بدله نصف السنة. فالقصّة نفسها تجعل المنقذ مرّة الوزيرة ومرّة الأخت، وتجعل الوفاء هو ما يردّ الغائب أو يحمل عنه. النزول إلى العالم السفلي.
وفي الشمال يركب هيرمود فرس أودين تسع ليال إلى هيل ليطلب ردّ بالدر، كما تطوف نينشوبور على المعبودات الثلاثة تطلب ردّ إنانا. والفرق أنّ هيرمود ينزل بنفسه إلى ملكة الموتى، أمّا نينشوبور فتبقى فوق وتطلب ممّن يقدر، فينجح طلبها ويفشل طلب هيرمود لأنّ باكية واحدة أبت أن تبكي.
وعند الإغريق هرمس رسول المعبودات الذي يحمل العصا، وهو الذي يُرسل إلى هاديس ليردّ پرسيفوني إلى أمّها. والعصا عند الوزير الرافدي رمز عمله كما هي عند هرمس، والطريق بين الرمزين غير معروف.