ملخص
دِلْمُون بلاد وراء البحر في أخبار سومر وبابل. هي الأرض التي جرت فيها قصّة إنكي ونينهورساج، والأرض التي أسكن فيها الآلهةُ زيوسودرا بعد الطوفان حيّاً لا يموت. وهي أيضاً بلاد معروفة في التاريخ، كانت عاصمتها في الموضع الذي تقوم عليه قلعة البحرين اليوم، وكانت مرفأً تجارياً تأتيه السفن قروناً طويلة.
تبدأ قصيدة «إنكي ونينهورساج» بوصف دلمون: هي طاهرة، وبكر، ونقيّة. لا ينعب فيها الغراب، ولا يفترس الأسد، ولا يخطف الذئب الحمل، ولا يقول فيها مرض العين «أنا مرض العين»، ولا وجع الرأس «أنا وجع الرأس»، ولا تقول العجوز «أنا عجوز»، ولا الشيخ «أنا شيخ». ثم تشكو نِنْسِكِيلا إلى أبيها إنكي: أعطيتني مدينة لا رصيف لها على نهر، ولا حقول فيها ولا أرض محروثة ولا أخاديد. فيعدها إنكي: إذا صعد أوتو إلى السماء خرج لك الماء العذب من الأرض، من فم المياه الجارية تحت الأرض. وكان ما وعد: ارتفع الماء إلى أحواضها الكبيرة، وشربت المدينة منه، وصارت برك الماء المالح فيها عذبة، وأنبتت حقولها وأخاديدها الحَبّ، وصارت دلمون مرفأً تأتيه تجارة البلاد.
وفي هذه الأرض تجري بقيّة القصّة: يأكل إنكي النباتات الثمانية التي أنبتتها نينهورساج فتلعنه ويمرض، ثم ترجع إليه فتلد من كلّ عضو يؤلمه معبوداً يشفيه، منهم نينكاسي من فمه، ومنهم إِنْساغ الذي تقضي له بأن «يصير سيّد دلمون».
وفي خبر الطوفان السومري، بعد أن هدأت العاصفة وقرّب زيوسودرا القرابين، أعطاه آن وإنليل حياة كحياة إله، وأنزلا إليه الحياة الدائمة، ولأنّه حفظ الحيوان ونسل البشر أسكناه «في بلاد وراء البحر، في أرض دلمون، حيث تشرق الشمس».
والفكرة التي تدور عليها أخبار دلمون أنّها الأرض التي يحكم فيها الماء العذب. كانت قبل ماء إنكي مدينة بلا حرث ولا مرفأ، فلمّا جاءها الماء من تحت الأرض صار لها زرع وتجارة. وهي أيضاً الأرض التي غاب عنها ما يُميت الناس: لا وحش يفترس، ولا مرض، ولا شيخوخة. لذلك كانت الموضع الذي يُعطى فيه الناجي من الطوفان حياة لا تنتهي، في الشرق، وراء البحر، حيث تطلع الشمس.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يكتبه السومريون dilmun «دِلْمُون» بالدال، ويكتب الأكديون النسبة إليه بالتاء، tilmunnû «تِلْمُنُّو»، أي «الدلموني»، ويصفون بها نخل دلمون ونحاسها وسفنها. ولا تقرأ مقالات المشروع هذا الاسم، فنقرؤه قراءة مقترحة على المنهج: نفصل اللاحقة «ـون» التي تُبنى بها أسماء المواضع، كما بُني اسم «حبرون» من «حبر»، فيبقى «تِلْم». والتَّلَم في لسان العرب «مشقّ الكِراب في الأرض بلغة أهل اليمن وأهل الغَوْر»، أي الخطّ الذي يشقّه المحراث في الأرض، وجمعه أتلام، وفي العبرية telem «تِلِم» الخطّ نفسه في الحقل. فدلمون على هذه القراءة «أرض الأتلام»، وهو ما أعطاها إنكي في القصيدة: كانت «مدينة لا حقول فيها ولا أخاديد»، فلمّا جاء الماء «أنبتت حقولها وأخاديدها الحَبّ».
الجذر اللغوي
دلمون و«التَّلَم»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| dilmun «دِلْمُون» | دِلْمُون | السومرية، بالعلامتين NI.TUK «نِي-تُوك»، ومعهما علامة المكان ki «كِي» |
| kur dilmun «كُور دِلْمُون» | كُور دِلْمُون | «أرض دلمون» في مطلع «إنكي ونينهورساج» |
| dilmun-na «دِلْمُون-نا» | دِلْمُونا | بأداة الإضافة السومرية |
| tilmunnû «تِلْمُنُّو»، tilmannû «تِلْمَنُّو»، tulmannû «تُلْمَنُّو» | تِلْمُنُّو | الأكدية، صفة «الدلموني» للنخل والنحاس والسفن |
| NI.TUK.KI «نِي-تُوك-كِي» | دلمون | كتابة الاسم بالعلامات في حوليات سرجون الثاني |
يكتب السومريون الحرف الأوّل دالاً ويكتبه الأكديون تاءً، فقد كان يُسمع بين الحرفين، ونأخذ صورة التاء لأنّها صورة الكتابة الأكدية. ثم تبقى اللام والميم على حالهما، وتبقى «ـون» لاحقة كاللاحقة التي في أسماء مواضع كثيرة في الفروع، ومنها «حبرون» العبرية، ومعناها عند معجم براون ودرايفر وبريغز «الحلف، الجماعة» من «حبر». والتَّلَم في المعاجم العربية خطّ الحارث، وقيل كلّ أخدود من أخاديد الأرض، ويذكر ابن منظور أنّه لغة أهل اليمن وأهل الغور، وفي العبرية telem «تِلِم» الأخدود في الحقل، ويجمعه سفر هوشع «أتلام الحقل».
وإذا أُخذت صورة الدال كان الجذر «دَلِم»، وهو في معجم لين السواد الشديد مع الملاسة، يقال للجبل والصخر والليل، والقصيدة تصف دلمون بالطهر والنقاء، فلا توافقها هذه الصورة. وفي السومرية كلمة أخرى بالكتابة نفسها، dilmun «دِلْمُون»، معناها في المعجم السومري الظاهر والثقيل والمهمّ، وتُكتب مقطعياً dil-mu-un «دِلْ-مُو-أُن»، ولا يربطها المعجم باسم البلاد. وحدّ قراءة «التَّلَم» أنّ اسم البلاد أقدم من كلّ ما كُتب عنه، وقد يكون من لغة أهل الخليج الأوائل، وأنّ اللاحقة «ـون» مفترضة فيه.
السياق التاريخي
قلعة البحرين تلّ من تلال السكن، ارتفاعه اثنا عشر متراً، تشهد طبقاته على سكن متّصل من نحو 2300 قبل الميلاد إلى القرن السادس عشر للميلاد. كُشف ربعه تقريباً، فظهرت فيه بيوت ومبانٍ عامّة وتجارية ودينية وعسكرية، وكان مرفأً تجارياً على مرّ القرون، وهو عاصمة دلمون التي لم تكن تُعرف قبل التنقيب إلا من كتابات السومريين.
ويرد اسم دلمون في المعجم السومري من عصر فجر السلالات إلى العصر الهلنستي. ويذكره سرجون الثاني ملك آشور في حولياته: أُوبِيري «ملك دلمون، الذي يقع مسكنه على مسيرة ثلاثين ساعة مضاعفة في وسط البحر الشرقي كالسمكة»، سمع بقوّته فأرسل إليه هديّة. وفي الأكدية القديمة توصف بالدلموني صنوف من النخل والنحاس والسفن، ويقول فأل بابلي قديم: «سفينة دلمونية تغرق».
الأسماء المتّصلة بدلمون
| الاسم | الصلة بدلمون | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| إنكي | يأتيها بالماء العذب، ويطهّرها ويقيم عليها نينسكيلا | «إنكي ونينهورساج» 40–62؛ «إنكي ونظام العالم» 238–247 |
| نِنْسِكِيلا | ابنة إنكي التي أُعطيت المدينة | «إنكي ونينهورساج» 29–39 |
| نينهورساج | أمّ الولادة التي تجري قصّتها مع إنكي فيها | «إنكي ونينهورساج» 63–281 |
| إِنْساغ | يولد من جنب إنكي ويصير «سيّد دلمون» | «إنكي ونينهورساج» 271–280 |
| نينكاسي | تولد في المشهد نفسه من فم إنكي | «إنكي ونينهورساج» 262–263 |
| زيوسودرا | يُسكن فيها بعد الطوفان حيّاً لا يموت | الطوفان السومري، المقطع هاء 3–11 |
| أوتو | يخرج الماء العذب حين يصعد إلى السماء | «إنكي ونينهورساج» 40–54 |
السرديات الأسطورية الرئيسة
دلمون في «إنكي ونظام العالم»
يخرج إنكي في هذه القصيدة على قاربه ليقضي أقدار البلاد، فيقول: لتنظر إليّ أرض مَلُوخّا ومَجان ودلمون، ولتُحمَّل سفن دلمون بالخشب، ولتحمل سفن مجان حتى تبلغ السماء. ثم «طهّر أرض دلمون ونقّاها، وأقام عليها نينسكيلا»، وأعطى أرضها المزروعة النخل وأكل من تمرها.
ما تحمله السفن إلى دلمون
وفي نسخة من «إنكي ونينهورساج» وُجدت في أور زيادة على وعد إنكي: لتسلّمك أرض تُوكْرِيش الذهب واللازورد، ولتحمل لك مَلُوخّا العقيق الأحمر وخشب مِسْ من مجان في السفن الكبيرة، ولتعطك مجان النحاس القويّ والديوريت، ولتسلّمك عيلام صوفها، ولتحمل لك أور السمسم والثياب، «وليعطك البحر الواسع ثروته». ثم تقول: بيوت دلمون بيوت حسنة، حبّها حبّ صغير، وتمرها تمر كبير.
الناجي عند «فم الأنهار»
لا تسمّي الملحمة الأكدية الأرض التي أُسكن فيها أوتنابشتم، وإنّما يقول إنليل: «ليسكن أوتنابشتم بعيداً، عند فم الأنهار»، فأخذوه وأسكنوه هناك. ومن هناك يدلّ جلجامش على نبتة تُعيد الشيخ شابّاً، فيربط حجارة ثقيلة بقدميه فتجرّه إلى الأبسو، ويقتلع النبتة، ثم يقطع الحجارة فيقذفه البحر إلى شاطئه.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير سومر دلمون ذاكرةً لعصر أخضر قديم. فالبحرين عندها كانت في الألف الرابع قبل الميلاد واحة خضراء كثيرة الينابيع العذبة والنبات، و«أرض بلا مرض» بيئة صحّية ماؤها نقيّ. و«إنكي سقاها» عندها كشف المياه الجوفية، والبحرين معروفة بينابيعها التي تخرج حتى في قاع البحر. والنباتات الثمانية التي أكلها إنكي فمرض أوّل تجربة للناس مع النبات السامّ، وشفاء نينهورساج له بثمانية معبودات أوّل طبّ بالأعشاب، وتجعل المقالة نِنْتِي، «سيّدة الضلع والحياة»، أصل حوّاء المخلوقة من الضلع، لأنّ الكلمة السومرية ti «تِي» تعني الضلع والحياة معاً.
وفي القصيدة نفسها ما يسند قراءة الماء: الماء العذب يخرج «من فم المياه الجارية تحت الأرض»، وتصير برك الماء المالح عذبة، وهذا وصف لعيون عذبة في أرض يحيط بها البحر المالح. ونسخة أور تصل هذا الماء بالتجارة مباشرة، فالمدينة التي صار لها ماء وحرث صارت مرفأً تأتيه سفن البلاد بالذهب والنحاس والعقيق.
التوازيات عبر الحضارات
تسمّي المقالة السومرية فصل دلمون «ذاكرة الجنة المفقودة». وفي سفر التكوين جنّة يخرج منها نهر يسقيها ثم يتفرّع أربعة رؤوس، وفيها شجرة الحياة التي أُقيم الكروبيم يحرسون طريقها بعد أن أُخرج الإنسان، وخبرها في صفحة شجرة العالم. والفرق أنّ دلمون لا يُطرد منها أحد، والإنسان الوحيد الذي يدخلها في الأخبار هو الناجي من الطوفان، يدخلها بعد النجاة ولا يخرج.
وماء دلمون يخرج من الماء الذي تحت الأرض، وهو الماء الذي يسمّيه السومريون الأبسو، وفي صفحة الماء الأوّل أخباره في الأساطير الأخرى.
وفي إيران أرض أخرى يُحفظ فيها الناس من الهلاك، حظيرة جمشيد، لا يدخلها مريض ولا أبرص، ويعيش أهلها أسعد عيش، وفي عهد ييما نفسه، كما في نشيد الهوم، لم يكن برد ولا حرّ ولا شيخوخة ولا موت.
وفي «الأوديسة» يخبر بروتيوس منيلاوس أنّه لن يموت في أرغوس، وأنّ الخالدين سيحملونه إلى السهل الإليزي عند أطراف الأرض، حيث الحياة أيسر ما تكون، لا ثلج فيه ولا عاصفة ولا مطر، لأنّه زوج هيلين، صهر زيوس. فكما يُسكن زيوسودرا دلمون لأنّه حفظ الحياة، يُحمل منيلاوس إلى أرض لا موت فيها بنسبه إلى زيوس.