فرشو كرتي

ملخص

فْرَشو كِرِتي اسم آخر الزمان في دين الزرادشتيين، ومعناه في الأفستية «جعل العالم بديعاً»، وفي الفارسية الوسطى فْرَشِگِرْد. وأوّل خبره في أناشيد زرادشت: «ولنكن نحن الذين يجعلون هذه الحياة بديعة». ثم يصفه نشيد «زامياد يشت»: يجدّد سوشيانت المنتصر وأعوانه العالمَ، فلا يهرم بعدها ولا يموت ولا يبلى ولا يفسد، حيّاً أبداً نامياً أبداً، ويقوم الموتى، ويأتي الخلود. ويطلع أستوت إرتا من بحيرة كَسَوْيا ومعه السلاح الذي حمله الأبطال قبله، فينظر إلى المخلوقات الحيّة كلّها بعين الوفرة فيعطيها الخلود، ويفرّ أمام أعوانه شيطان الغضب. ويضرب الفكرُ الحسن الفكرَ السيّئ، والكلمةُ الصادقة الكلمةَ الكاذبة، ويضرب الكمال والخلود الجوع والعطش، وينحني أنجرا ماينيو ويفرّ عاجزاً.

وأتمّ رواية له في الفصل الثلاثين من «البندهشن» في ترجمة وِسْت، وهو الفصل الرابع والثلاثون في البندهشن الإيراني. يسأل زرادشت أورمزد: كيف يعود جسد حملته الريح وجرفه الماء؟ فيقول: خلقت ما لم يكن، فكيف لا أعيد ما كان؟ ويُطلب العظم من روح الأرض، والدم من الماء، والشعر من النبات، والحياة من النار. فتقوم عظام كَيُومَرْث، الإنسان الأوّل، ثم الزوجين الأوّلين، ثم سائر الناس، في سبع وخمسين سنة، ويُعطى نصف نور الشمس لكيومرث ونصفه لسائر الناس فيعرف كلّ واحد أباه وأمّه وأخاه وزوجته. ثم يجتمع الناس كلّهم في مجلس واحد، فيرى كلّ منهم حسناته وسيّئاته، ويظهر الشرير بينهم كما تظهر الشاة البيضاء بين السود، ويُفصل الصالح عن الطالح، فيذهب هذا إلى الجنّة ويُرمى ذاك في الجحيم ثلاثة أيام بلياليها، ويبكي الناس حتى تسيل دموعهم إلى أرجلهم: الأب يُفصل عن زوجته، والأخ عن أخيه.

ثم تذيب النار معدن «الملك المرغوب» في التلال والجبال، فيبقى على الأرض كالنهر، ويعبر فيه الناس كلّهم فيطهرون: يحسّه الصالح كأنّه يمشي في لبن دافئ، ويحسّه الشرير كأنّه يمشي في معدن ذائب. ثم يجتمع الناس بأشدّ المحبّة، ويسأل الأب ابنه والأخ أخاه: أين كنت هذه السنين، وما كان الحكم على روحك؟ ويقرّب سوشيانت آخر قربان فيذبح الثور هَذَيوش، ويصنع من شحمه ومن الهوم الأبيض شراباً يسقيه الناس فيصيرون خالدين، ويُعاد الكبير ابن أربعين سنة والصغير ابن خمس عشرة. ثم يمسك أورمزد الروح الشرّير، ويمسك كلّ واحد من أمشا سبنتا خصمه من الدايفا، فيفرّ أهريمن من الثقب الذي دخل منه إلى الظلمة، وتحترق الحيّة في المعدن الذائب، ويحترق في المعدن نتن الجحيم ودنسه فيطهر، ويُردّ الجحيم ليتّسع به العالم. وتصير الأرض سهلاً لا جليد فيه ولا منحدر، ويُخفض الجبل الذي يقوم عليه رأس جسر تشنڤات فلا يبقى.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ آخر الزمان ردّ لأوّله. كلّ ما أُعطي في الخلق الأوّل يُطلب: العظم من الأرض والدم من الماء، والإنسان الأوّل أوّل من يقوم، والأرض تعود سهلاً كما كانت قبل هجوم أهريمن، والجبال عند مترجم البندهشن من عمل الروح الشرّير فتزول بزواله. غير أنّ الردّ لا يعيد البدء كما كان: يقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ الزمان لا يبقى بعد فرشو كرتي، وإنّ أهريمن لا يستطيع أن يهاجم مرّة أخرى لأنّه هُزم مرّة واحدة إلى الأبد، وإنّ كتاب زادسپرم يجعله سقف البيت الذي يُتمّ به أورمزد بناءه، ويقول البندهشن الإيراني إنّ الإله يستريح بعده من عمله. ويطهر في النهر نفسه الصالح والطالح، فلا يُصنع العالم الجديد إلّا بعد أن يمرّ كلّ إنسان في المعدن الذي يحرسه الملك المرغوب.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فالمقالة الفارسية تضع فرشو كرتي أمام يوم القيامة ولا تقرأ لفظه، والمقالة الثانية تقرؤه رؤية للتقدّم. الكلمة في الأفستية جزءان: fraša «فْرَشَ»، أي البديع الفاخر، وkərəti «كِرِتي»، أي الجَعْل. والجزء الأوّل حروفه الفاء والراء والشين، حروف «الفَرْش»، وهو في معجم لين الأرض الواسعة السهلة الليّنة التي لا تقطعها الجبال، ويقال: من العرش إلى الفرش، أي من السماء العليا إلى الأرض. والجزء الثاني حروفه الكاف والراء، حروف «الكَرّة»، وهي في معجم لين الرجعة، ومنها رجوع الحياة بعد الموت، أي البعث، وتجديد الخلق بعد فنائه. فالاسم على هذه القراءة «كرّة الفَرْش»: رجوع الخلق على أرض سهلة ممدودة، وهذا ما يرويه البندهشن: يقوم الموتى، وتصير الأرض سهلاً لا جبل فيه.

الجذر اللغوي

صيغ الكلمة

الصيغة النطق اللسان الموضع والمعنى
fərašəm kar فِرَشِم كَر الأفستية القديمة «يجعل الحياة بديعة»، يسنا 30.9
frašəm kar فْرَشِم كَر الأفستية الأحدث زامياد يشت 19.11 و89
frašō.kərəti فْرَشو كِرِتي الأفستية الأحدث اسم التجديد
frašō.carətar فْرَشو چَرِتَر الأفستية الأحدث «صانعو البديع»، أعوان التجديد
fraša، frašam akunavam فْرَشَ، فْرَشَم أَكُنَوَم الفارسية القديمة «جعلته بديعاً»، يقولها دارا عن قصره في سوسة
frašegird فْرَشِگِرْد الفارسية الوسطى التجديد

تقول ألموت هينتسه في الموسوعة الإيرانية إنّ الكلمة مركّبة من صفة fraša «فْرَشَ» ومصدر من الفعل kar «كَر»، أي جعل وصنع، وإنّ معناها على الأرجح «جعل الشيء بديعاً فاخراً»، وإنّ أصل fraša «فْرَشَ» ومعناه الأوّل ليسا واضحين، وقد يقابلها الفيدي pṛkṣá «پْرِكْشَ»، أي القويّ. وفي الفارسية القديمة يصف دارا بهذه الصفة أجمل قصر أمر ببنائه في سوسة، ويقول عن عمله فيه: «جعلته بديعاً»، فالكلمة لا تدلّ في غير الدين على آخر الزمان. وتترجمها الترجمة السنسكريتية للأفستا «جعل الزيادة» و«الذي لا يفنى».

«الفَرْش» و«الكَرّة»

في معجم لين: فرش الشيء بسطه، والفَرْش الأرض الواسعة، أو الأرض السهلة المستوية الليّنة التي لا تعترضها الجبال، والفَرْش أيضاً ما ينبسط على الأرض من النبات ولا يقوم على ساق، ويقال: من العرش إلى الفرش. وفي القرآن: «والأرض فرشناها فنعم الماهدون». فالفاء والراء والشين في fraša «فْرَشَ» حروف «فرش» في ترتيبها، والقراءة تلقى ما يرويه البندهشن وبلوتارخ عن آخر الزمان: أرض سهلة لا جبل فيها. وفي معجم لين أيضاً: الكَرّة الرجعة، كما في «لو أنّ لنا كرّة»، ومنها، عن تاج العروس، رجوع الحياة والبعث وتجديد الخلق بعد فنائه، والكَرّ الرجوع إلى القتال بعد الانصراف. والكاف والراء في kərəti «كِرِتي» حرفا «كرّ»، والتاء لاحقة المصدر في الأفستية. فإذا جمعنا الجزأين كانت الكلمة «كرّة الفرش».

ويبقى في القراءة أمران لم يُحسما: fraša «فْرَشَ» في الإيرانية البديع الفاخر، يوصف به القصر والجمل الجيّد، لا الأرض المبسوطة، وkərəti «كِرِتي» من الفعل الإيراني العامّ للجعل والصنع، الذي يقابله السنسكريتي kṛ «كْرِ»، لا من الرجوع.

قراءة المقالتين

لا تقرأ المقالتان لفظ الكلمة. تضعها المقالة الفارسية في جدول ما انتقل من الزرادشتية إلى الأديان السامية أمام «يوم الربّ» في العبرية و«يوم القيامة» في الإسلام، وتقول في جدول أنجرا ماينيو وإبليس إنّ مصير الأوّل أن يُهزم في فرشو كرتي، ومصير الثاني أن يُهزم يوم القيامة، وتضع البعث أمام بعث الأجساد. وتسمّيه المقالة الثانية «الإصلاح الأخير»، وتقرؤه رؤية مبكرة للتقدّم.

السرديات الأسطورية الرئيسة

المنقذون الثلاثة والشتاء

وتجعل الكتب الفهلوية الطريق إلى فرشو كرتي ثلاث مراحل، لكلّ مرحلة منقذ من بذرة زرادشت، وتقترب الخليقة كلّها في كلّ مرحلة من التجديد، ولا يتمّ إلّا بالثالث، سوشيانت المنتصر. وفي ألف الأوّل منهم يأتي شتاء مهلك يُعاد بعده إعمار العالم من حظيرة جمشيد. ويختلف عدد أعوان سوشيانت بين الكتب: ستّة، أو خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة فتاة، أو ألف.

مصير الأشرار

وتختلف الكتب الفهلوية في مصير الأشرار. ففي الرواية الفهلوية يبقى الأشرار في العذاب أبداً، وتفنى أرواح من أسلموا أنفسهم لأهريمن والشياطين، وفي البندهشن الإيراني يتطهّر الأشرار بألم شديد في نهر المعدن الذي يعبره الناس كلّهم، ثم يمدحون أورمزد وأمشا سبنتا. ويقول مقال الموسوعة الإيرانية إنّ في النصوص شكوى من أن يُعامل الصالح والطالح سواء، ولعلّ هذا ما جعل بعضها يزيد عذاب الخاطئين قبل النهاية.

عند اليونان

وينقل بلوتارخ عن ثيوبومبوس، في القرن الرابع قبل الميلاد، أنّ أريمانيوس يُهلك في الوقت المقدّر بالوباء والمجاعة اللذين يأتي بهما، ثم تصير الأرض سهلاً مستوياً، ويكون للناس السعداء عيش واحد وحكم واحد ولسان واحد، ولا يحتاجون إلى طعام ولا يكون لهم ظلّ، ويستريح الإله الذي دبّر هذا كلّه زمناً قصيراً.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية فرشو كرتي رؤية مبكرة لما يُسمّى اليوم التقدّم: نهر المعدن الذائب الثورة الصناعية وصهر المعادن، وتطهير الأشرار إزالة الجهل بالتعليم، وزوال المرض والموت الطبّ وإطالة العمر، وذوبان الجبال التعدين الذي يسوّي الأرض. والنصّ القديم يجعل المعدن معدن «الملك المرغوب»، حارس المعادن الذي يُصنع منها السلاح والنقد والآنية، فالصورة في البندهشن صورة معدن يُذاب ليطهّر، والقراءة الحديثة تجعل الإذابة نفسها صناعة.

وتجعل المقالة الفارسية فرشو كرتي القالب الذي صبّت فيه الأديان اللاحقة يوم القيامة. وفي القرآن صورة الأرض التي تُسوّى: «ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربّي نسفاً، فيذرها قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً»، كما تصير الأرض في البندهشن سهلاً لا منحدر فيه، ويُخفض الجبل فلا يبقى. ويختلف الخبران في أنّ الحساب في القرآن بعد البعث لا يُطهّر فيه الجميع، وفي البندهشن يعبر الناس كلّهم نهر المعدن ويطهرون.

التوازيات عبر الحضارات

وأقرب الروايات إلى فرشو كرتي راغناروك عند أهل الشمال: يحترق العالم بنار سُرْتْر، ثم ترى العرّافة الأرض تخرج من البحر مرّة ثانية خضراء، وتنبت الحقول بلا بذر، ويعود بالدر من دار الموتى فيسكن هو وهُودْر معاً. والخبران يجعلان النار تأتي قبل الأرض الجديدة، والأرض الجديدة لا شرّ فيها. ويفترقان في أنّ الآلهة في الشمال تموت في المعركة ويبقى أبناؤها، ولا يأتي منقذ، وأنّ العالم الزرادشتي يتجدّد بيد ابن النبيّ وتبقى آلهته كلّها. وقبل راغناروك يأتي الشتاء العظيم، كما يأتي في الكتب الفهلوية شتاء مهلك في ألف المنقذ الأوّل، قبل فرشو كرتي.

وفي الهند يُفنى العالم في آخر كلّ يوم من أيّام براهما، واليوم عندهم ألف دورة من العصور الأربعة. يقول «ڤيشنو پورانا» إنّ القحط يدوم مئة سنة، ثم يدخل ڤيشنو في صورة رودرا أشعّة الشمس السبعة فيشرب ماء الأرض كلّه، فتصير الأشعّة سبع شموس تحرق العوالم الثلاثة حتى تبقى الأرض جرداء كظهر السلحفاة، ثم ينفث سحباً تمطر مئة سنة فتغرق كلّ شيء، ثم ينام ڤيشنو على الحيّة شيشا فوق الماء ليلاً طوله طول ذلك اليوم، فإذا استيقظ خلق العالم من جديد. والنار في الخبرين تحرق الأرض وتطهّرها، غير أنّ الفناء في الهند يتكرّر عصراً بعد عصر، وفرشو كرتي يقع مرّة واحدة، ثم لا يبقى زمان.

وينقل شيشرون عن الرواقيين أنّ العالم كلّه يشتعل في آخر الأمر حين تفنى الرطوبة، فلا يبقى إلّا النار، ومن النار، لأنّها حيّة وإلهية، يتجدّد العالم ويعود نظامه كما كان، ويقول إنّ بانايتيوس شكّ في ذلك. والنار هنا تعيد العالم نفسه، وفي فرشو كرتي تعيد عالماً لا شرّ فيه.

ويجتمع في فرشو كرتي ما يُروى في صفحات أخرى: الحساب الذي يُفصل فيه الصالح عن الطالح كما في حساب الموتى، وحرق الحيّة في المعدن الذائب كما في صراع المعبودات مع التنين، وطلب العظم من الأرض والدم من الماء كما في نمط الجسد الكوني مقروءاً من آخره، وخفض الجبل الذي يقوم عليه الجسر كما في الجبل المقدّس.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. الأفستا، الجزء الثالث: اليسنا، ترجمة ميلز، كتب الشرق المقدّسة 31: يسنا 30.9.

  2. الأفستا، الجزء الثاني: اليشتات، ترجمة دارمستيتر، كتب الشرق المقدّسة 23: زامياد يشت 19.89–96.

  3. النصوص البهلوية، الجزء الأوّل: البندهشن، ترجمة وِسْت، كتب الشرق المقدّسة 5: الفصل 30.

  4. الموسوعة الإيرانية، «فرشو كرتي»، ألموت هينتسه، و«سوشيانت».

  5. بلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس» 47.

  6. «نبوءة العرّافة»، «خداع غيلفي»، 53.

  7. «ڤيشنو پورانا»، الكتاب السادس، الفصلان 3 و4، ترجمة ويلسون، والفصل 4؛ مونير وليامز، pralaya «پْرَلَيَ».

  8. شيشرون، «في طبيعة الآلهة» 2.118.

  9. معجم لين: فرش، كرر.

  10. الذاريات 48، طه 105–107.