ملخص
سَوْشْيانْت في دين الزرادشتيين المنقذ الذي يأتي في آخر الزمان فيقيم الموتى ويجدّد العالم، واسمه الخاصّ في الأفستا «أَسْتْوَت إِرِتا». يولد من بذرة زرادشت نفسه. يقول «البُنْدَهِشْن» إنّ زرادشت اقترب من زوجته ثلاث مرّات، فسقطت بذرته على الأرض كلّ مرّة، فأخذ الملَك نيريوسنگ نورها وقوّتها وسلّمها إلى أناهيتا لتحفظها حتى تجمعها بأمّ في الوقت المعلوم، ويحرسها تسعة وتسعون ألفاً وتسعمئة وتسعة وتسعون من أرواح الصالحين حتى لا تفسدها الشياطين. ومن هذه البذرة يولد ثلاثة أبناء، كلّ واحد على رأس ألف سنة، وآخرهم سوشيانت. وتقول الأفستا إنّ أمّه فتاة تسمّى «الغالبة على كلّ شيء»، لأنّها تلد من يغلب كيد الشياطين والناس، وإنّه يخرج من بحيرة كَسَوْيا في سيستان.
فإذا قرب مجيئه كفّ الناس عن أكل اللحم، ثم عن اللبن، ثم عن النبات، حتى يعيشوا على الماء، ثم يبقون عشر سنين بلا طعام ولا يموتون. وحين يأتي يقيم الموتى. فقد سأل زرادشت أورمزد: كيف يعود جسد حملته الريح وجرفه الماء؟ فأجابه: أنا رفعت السماء بلا عمد، وأقمت الأرض، وأجريت الشمس والقمر، وجعلت الحبّ يُبذر في الأرض فيعود مضاعفاً، وصوّرت الولد في بطن أمّه، وكلّ ذلك كان أصعب من البعث. فإذا جاء الوقت طلبتُ العظم من الأرض، والدم من الماء، والشعر من النبات، والحياة من النار، لأنّها سُلّمت إليها في الخلق الأوّل. فتقوم عظام كَيُومَرْث، الإنسان الأوّل، ثم عظام الزوجين الأوّلين، ثم سائر الناس، في سبع وخمسين سنة.
ثم يجتمع الناس كلّهم، فيرى كلّ منهم حسناته وسيّئاته، ويظهر الشرير بينهم كما تظهر الشاة البيضاء بين السود. ثم يذوب المعدن في الجبال فيجري على الأرض نهراً، ويعبر فيه الناس جميعاً: يحسّه الصالح لبناً دافئاً، ويحسّه الشرير معدناً ذائباً، فيطهر الجميع. ويقرّب سوشيانت آخر قربان، فيذبح الثور هَذَيوش، ويصنع من شحمه ومن الهوم الأبيض شراباً يسقيه الناس فيصيرون خالدين. ثم يمسك أورمزد أهريمن، فيفرّ من الثقب الذي دخل منه، وتُحرق الحيّة في المعدن، ويطهر الجحيم، وتصير الأرض سهلاً مستوياً لا جليد فيه ولا منحدر.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ آخر الزمان ردّ لما خُلق أوّل الزمان. فالعظم والدم والشعر والحياة أمانات عند الأرض والماء والنبات والنار، يردّها كلّ واحد إلى صاحبها، والإنسان الأوّل أوّل من يقوم، والعالم يعود كما كان قبل هجوم أهريمن. والمنقذ نفسه من نسل النبيّ الذي بدأ الدعوة، فالكلمة التي قالها زرادشت تعود في ابنه لتُتمّ العمل. ويقول «زامْياد يَشْت» إنّ المجد الملكي الذي حمله ثرايتاونا، فريدون اللاحق، حين قُتل أژي دهاكا، يلازم سوشيانت حين يجعل العالم لا يهرم ولا يموت ولا يفسد، فيُهزم الكذب، وينحني أنجرا ماينيو ويفرّ عاجزاً.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالة الفارسية تقابله بالمهدي والمسيح ولا تقرأ لفظه: Saošiiant «سَوْشْيَنْت» اسم فاعل للمستقبل، والنون والتاء في آخره لاحقة اسم الفاعل، والشين والياء قبلهما علامة المستقبل، فإذا حذفناهما بقي الأصل «سَوْ»، أي السين والواو. وهو في العربية «سوّى» و«استوى». ففي معجم لين: سوّى الشيءَ جعله مستوياً سهلاً، وأتمّ خلقه، و«استوى الرجل» بلغ أشدّه وتمّت قوّته، وفي القرآن: «بلى قادرين على أن نسوّي بنانه»، أي نجمع عظام أصابعه كما كانت. فسوشيانت على هذه القراءة «المُسَوّي»، الذي يجمع العظام ويتمّ الخلق ويجعل الأرض سهلاً مستوياً، وهو ما يجعله النصّ: من يقيم الموتى من عظامهم، ويُسوّي الأرض في آخر الزمان.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الصيغة | الموضع |
|---|---|
| سَوْشْيَنْت | الأفستية، مفرداً وجمعاً |
| أَسْتْوَت إِرِتا | الأفستية، اسم المنقذ الأخير |
| سُوشانْس | الفارسية الوسطى |
| فْرَشو كِرِتي، فْرَشِگِرْد | اسم التجديد في الأفستية والفارسية الوسطى |
يرجع Saošiiant «سَوْشْيَنْت» عند علماء الإيرانيات إلى فعل sū- / sau- «سُو، سَوْ»، ومعناه في الهندية القديمة انتفخ وقوي وزاد ونما، ثم صار في الإيرانية «نفع وأفاد». ويفسّر «فروردين يشت» الاسم بنفسه: سُمّي سوشيانت لأنّه سينفع العالم الجسدي كلّه، وسُمّي أستوت إرتا لأنّه، وهو مخلوق جسدي حيّ، سيقف في وجه هلاك المخلوقات الجسدية. وتشرحه الترجمة الفهلوية بـ«سودمند»، أي النافع. وكان زرادشت في الغاثات يسمّي نفسه وأصحابه «سوشيانت»، أي النافعين، ثم صار الاسم لمنقذ آخر الزمان وحده.
سوّى واستوى
وفي معجم لين من مادّة «سوي»: «سوّاه» جعله مستوياً سهلاً، وجعله متناسباً تامّ الخلق، و«سوّينا على رقيّة» أي دفنّاها وسوّينا التراب فوق قبرها. و«استوى الرجل» بلغ أشدّه، وصار تامّ الخلق قويّاً. فيجتمع في المادّة المعنيان اللذان يحملهما الأصل الإيراني: القوّة والتمام في «استوى»، وإصلاح الخلق وتسويته في «سوّى». والسين سين، والواو واو، والياء في آخر الجذر العربي حرف علّة يقابل الحركة الطويلة في sū- «سُو».
فرشو كرتي
واسم التجديد في الأفستا frašō.kərəti «فْرَشو كِرِتي»، أي «جعل العالم بديعاً» أو «فاخراً»، وفي الفارسية الوسطى frašegird «فْرَشِگِرْد». ويقول بلوتارخ عن الفرس إنّ الأرض تصير في الوقت المقدَّر «سهلاً مستوياً»، ويعيش الناس عيشة واحدة ويتكلّمون لساناً واحداً، وهو ما يقوله «البندهشن» عن الأرض المستوية.
السرديات الأسطورية الرئيسة
المنقذون الثلاثة
يجعل «البندهشن» من بذرة زرادشت ثلاثة أبناء: أُوشِيدَر على رأس الألف العاشرة، وأوشيدرماه «أُوشِيدَرْماه» على رأس الحادية عشرة، وسوشيانت في آخرها. وفي ألف كلّ منهما يزيد الخير زمناً ثم يتراجع، ولا يتمّ التجديد إلّا بالثالث. وفي ألف أوشيدر يأتي شتاء الساحر ملكوس الذي يُهلك الناس والبهائم، فيُعاد إعمار العالم من حظيرة جمشيد. الموسوعة الإيرانية، «سوشيانت»، «جمشيد».
الأعوان الخالدون
ويقول «البندهشن» إنّ رجالاً خالدين ينتظرون في أماكن خفيّة ليعينوا سوشيانت: پشوتن بن ويشتاسپ في كَنْگدِز، وأُروَتَدْنَر بن زرادشت في حظيرة جمشيد، ومعهم خمسة عشر رجلاً وخمس عشرة فتاة. والبطل سام نائم في سهل في كابلستان، يحرسه المجد، حتى يتحرّر ضحاك من قيده في جبل دماوند، فيقوم سام ويقتله.
القراءة الرمزية
تضع المقالة الفارسية سوشيانت في جدول المفاهيم التي تراها انتقلت من الزرادشتية إلى الأديان اللاحقة، فتقابله بالمسيح في العبرية وبالمهدي والمسيح في الإسلام، وتقابل التجديد بيوم القيامة، وتسمّي ذلك «تطابقاً بنيوياً». وتقرأ المقالة الثانية التجديد رؤية مبكرة لما يسمّى اليوم التقدّم: نهر المعدن الذائب صناعة، والخلود طبّ، وتسوية الجبال تعدين.
والنصّ القديم يجعل التجديد عودة إلى العالم الأوّل: ترى الموسوعة الإيرانية أنّ الفردوس الذي حكمه ييما يُستعاد في آخر الزمان، حين لا هرم ولا موت. والطعام في البندهشن يقلّ قبل البعث حتى يعيش الناس على الماء، ثم يعطيهم سوشيانت شراب الخلود، فيبدأ آخر الزمان بالكفّ عن الأكل وينتهي بشراب لا يحتاج شاربه بعده إلى شيء.
التوازيات عبر الحضارات
يصنع آلهة الشمال العالم من جسد يمير: لحمه الأرض، ودمه البحر، وعظامه الجبال، وشعره الشجر. «نشيد غريمنير»، 40. وفي الهند يقسم الآلهة جسد بوروشا فتصير عينه الشمس ونفَسه الريح. أمّا البعث في «البندهشن» فيسير على الطريق نفسه معكوساً: يطلب أورمزد العظم من الأرض، والدم من الماء، والشعر من النبات، فيعود العالم جسداً. وهذا من نمط الجسد الكوني، مقروءاً من آخره.
وبعد راغناروك تطلع الأرض من البحر ثانية خضراء، ويرجع بالدر من دار الموتى، كما تصير الأرض بعد التجديد سهلاً جديداً لا يهرم. غير أنّ العالم النوردي يحترق ثم يُبعث من غير منقذ، والعالم الزرادشتي يطهر بالمعدن الذائب على يد ابن النبيّ.