ملخص
لوح الأقدار لوح في أساطير بابل وسومر تُكتب فيه أقدار المعبودات والناس، ومن حمله على صدره صار أمره نافذاً لا يُردّ. تنتقل حيازته في القصص من يد إلى يد، فكلّ من أراد السلطان على المعبودات طلبه، وكلّ من غلب أخذه. واسمه في الأكدية ṭuppi šīmāti «طُپِّي شِيمَاتي»، أي «لوح الأقدار».
وأوّل ما يظهر في «إينوما إيليش». حين أعلنت تيامات الحرب على المعبودات رفعت كينغو فوق جيشها وقالت له: أنت الأعظم يا زوجي، فليكن أمرك أعظم من أمر الأنونّا كلّهم. ثم أعطته لوح الأقدار وجعلته يمسكه على صدره، وقالت: أمرك لا يُغيَّر، وكلمة فمك ثابتة. فلمّا صار كينغو الأعلى قضى الأقدار للمعبودات أبنائها. ثم خرج مردوخ فقتل تيامات وقيّد أتباعها، وقيّد كينغو وعدّه مع المعبودات المحكوم عليهم، «وأخذ منه لوح الأقدار الذي لم يكن له حقّ فيه، وختمه بختم، وعلّقه على صدره». وبعد أن خلق السماء والأرض حمل اللوح الذي أخذه من كينغو، وقدّمه إلى آنو أوّل الغنائم.
وفي ملحمة «أنزو» يُسرق اللوح. جعل إنليل الطائر أنزو حارساً على مدخل مقامه، فكان أنزو يراه كلّ يوم يغتسل في الماء الطاهر، فتقع عيناه على تاجه وثيابه وعلى لوح الأقدار في يديه. فعزم في قلبه أن يأخذ السلطان، وقال: آخذ لوح أقدار المعبودات، فأملك أعمالهم كلّها، وأجلس على العرش، وآمر كلّ واحد من الإيجيجي. فلمّا خلع إنليل ثيابه ووضع تاجه على العرش ودخل الماء، أخذ أنزو اللوح وطار إلى جبله، فسكت كلّ شيء وسكن سكون الموت، وذهب بهاء المعبد. ولمّا خرج إليه نينورتا كان أنزو يأمر السهام بقوّة اللوح أن ترجع: الوتر إلى أوتار الغنم، والريش إلى الطير. فأمره إيا أن يتعبه في العاصفة حتى تسقط أجنحته، ثم يقطعها. فلمّا رأى أنزو ريشه يتطاير صاح: يا ريش ارجع إلى الجناح! فجاءه السهم فشقّ قلبه ورئتيه، فأخذ نينورتا لوح الأقدار، وحملت الريح ريش أنزو بشارة.
والفكرة التي يدور عليها اللوح أنّ السلطان في بابل شيء مكتوب يُحمل ويُؤخذ. فالقوّة وحدها لا تكفي: يحمل المعبود اللوح فيصير أمره قدراً. ولذلك يقول أنزو إنّ اللوح يعطيه العرش وأعمال المعبودات كلّها، ولذلك يسكت العالم حين يُسرق، ولذلك يختمه مردوخ بختمه كما تُختم العقود. وكان نابو، كاتب مردوخ، هو الذي يكتب الأقدار على اللوح كلّ سنة في اليوم الحادي عشر من الشهر الأوّل، في آخر عيد رأس السنة، بعد أن يقضي مع مردوخ قدر البلاد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ṭuppi šīmāti «طُپِّي شِيمَاتي» كلمتان. الثانية جمع šīmtu «شِيمْتُو»، وهي من الفعل šâmu «شامو»، أي ثبّت وقضى، والتاء علامة التأنيث والواو علامة الإعراب. وتقرؤها المقالة البابلية «شيمة»، وفي معجم لين الشيمة الطبيعة والخلق الذي جُبل عليه الإنسان. والقدر في بابل كذلك: شيء يُوضع في الكائن فيصير طبيعته. ويضع معجم براون ودرايفر وبريغز الفعل الأكدي بجانب العبرية «سِيم»، أي وضع وجعل، والعربية «شام» السيف أي أغمده، فالأصل في الثلاثة أن يُجعل الشيء في موضعه. وأمّا الأولى، ṭuppu «طُپُّو»، فاللوح، وهي مأخوذة من السومرية dub «دُبْ»، وتقرؤها المقالة «طبّ» و«ضبّ»، ونضع بجانبهما على المنهج «الدَّفّة»، اللوح، وتبقى هذه الكلمة مفتوحة.
الجذر اللغوي
«شيمة»: ما يُجعل في الكائن
| الصيغة | النطق | المعنى |
|---|---|---|
| šâmu «شامو» | شامو | ثبّت، قضى، قدّر |
| šīmtu «شِيمْتُو»، والجمع šīmātu «شِيمَاتُو» | شيمتو | ما ثُبّت، الوصيّة، القدر، والموت |
| ṭuppu «طُپُّو» | طوپّو | اللوح من الطين، وقد يكون من الخشب أو المعدن أو الحجر أو الشمع |
| dub «دُبْ» | دُب | اللوح في السومرية، ومنه أُخذت الكلمة الأكدية |
نفصل في šīmtu «شِيمْتُو» التاء والواو، فالتاء للتأنيث والواو للإعراب، فيبقى šīm- «شِيم»، وهو من الفعل الأجوف šâmu «شامو». والشين الأكدية تقابل الشين العربية هنا كما تقابلها في العبرية «سِيم» التي تُكتب بالسين المعجمة، والياء ياء، والميم ميم. وفي معجم لين: الشيمة الطبيعة والخلق والسجيّة، والجمع شِيَم، و«شام السيف» أغمده، أي جعله في موضعه. ويقول المعجم الأكدي إنّ الشيمتو «ما ثُبّت»، ثم الوصيّة، ثم القدر، ثم يوم الموت، فـ«يوم الشيمتو» اليوم المقدّر، و«يوم ليس شيمتو» الموت قبل أوانه. فالكلمة في الأكدية ما وُضع للكائن وثُبّت له، وفي العربية ما جُعل فيه فصار طبعه. وهذا ما يقوله اللوح في القصص: من حمله «قضى القدر»، أي جعل لكلّ شيء ما يكون عليه. وتذكر المقالة «سيمة»، أي العلامة، وفي معجم لين «سوّم الفرس» جعل عليه علامة، وهي قريبة في المعنى، فالقدر علامة توضع على الشيء، لكنّ الشين الأكدية في هذه الكلمة تلقى الشين العربية لا السين.
اللوح: «طبّ» و«ضبّة» و«دفّة»
ṭuppu «طُپُّو» مأخوذة من السومرية dub «دُبْ»، والپاء المشدّدة فيها من الباء السومرية. وتقرؤها المقالة البابلية «طبّ» أو «ضبّ»، بمعنى الكتابة واللوح. والحروف تلقى الكلمة: الطاء طاء، والباء باء كما في السومرية، والكلمة العربية مضعّفة كما أنّ الأكدية مشدّدة. لكنّ معجم لين لا يعطي «طبّ» معنى الكتابة، بل يعطيه الطبّ والحذق والعادة والشأن، ويعطي «الضبّة» قطعة عريضة من الحديد أو الخشب يُشدّ بها الباب أو يُصلح بها الإناء، فهي لوح عريض، لكنّها ليست لوحاً يُكتب فيه. ونضع بجانبها قراءة مقترحة على المنهج: «الدفّة». وفي معجم لين الدفّة اللوح عامّة، و«دفّتا المصحف» اللوحان اللذان يضمّان الكتاب بينهما، ويقال «حفظ ما بين الدفّتين» أي الكتاب كلّه. والدال دال السومرية dub «دُبْ»، والفاء تقابل الپاء الأكدية بانتظام. فالدفّة تلقى اللوح في المعنى تماماً، لكنّها تحتاج الدال في موضع الطاء الأكدية، وتأخذ الفاء من الپاء التي كانت في السومرية باء. فالقراءة مفتوحة بين «طبّ» التي تلقى الحروف و«دفّة» التي تلقى المعنى.
السرديات الأسطورية الرئيسة
اللوح يرجع إلى الأبسو
في قصيدة سومرية مكسورة يتكلّم فرخ أنزو بعد أن ضربه سلاح نينورتا: «لمّا خرجت المِه من يدي رجعت إلى الأبسو، ولمّا خرج التدبير الإلهي من يدي رجع إلى الأبسو، ورجع لوح الأقدار هذا إلى الأبسو، وجُرّدتُ من المِه». فاللوح في هذه الرواية يرجع إلى بيت إنكي في الماء العذب، كما ترجع المِه، ولا يأخذه نينورتا.
نينورتا لا يريد أن يردّه
وفي اللوح الثالث من «أنزو» المتأخّرة يأتي رسول إنليل إلى نينورتا بعد النصر يقول: ليقف مع المعبودات إخوته ويسمع السرّ المكتوم. فيجيب نينورتا، والسطور مكسورة: لماذا أسلّم شارات الملك؟ صار أمري كأمر ملك المعبودات، «لن أردّ لوح الأقدار». ثم يمدحه المعبودات بأسماء كثيرة. فالبطل الذي استردّ اللوح كاد أن يصنع ما صنعه أنزو.
القراءة الرمزية
تقول المقالة البنيوية البابلية إنّ من يملك ألواح القدر يحكم الكون، وإنّ الكون في الفكر البابلي ليس فوضى بل «نصّ مكتوب» مسبقاً، الإله فيه «الكاتب»، وهو نابو، والكون «المكتوب». وتضع المقالتان البنيويتان ألواح القدر بجانب «اللوح المحفوظ» و«أمّ الكتاب». والفرق بين الصورتين أنّ لوح بابل أداة حكم تنتقل في معركة، تعطيه تيامات وينتزعه مردوخ ويسرقه أنزو، وأنّ اللوح في القرآن موضع محفوظ للكتاب، لا يُروى أنّه سُرق أو انتقل بين خصوم.
التوازيات عبر الحضارات
في بلاد الإغريق القدر خيط تغزله المويرات الثلاث وتقيسه وتقطعه، وفي الشمال تقضي النورنات الأعمار عند بئر أورذ وتنقش على ألواح الخشب. فاللوح البابلي والخشب المنقوش في الشمال يجعلان القدر شيئاً مكتوباً، والخيط الإغريقي يجعله شيئاً مغزولاً. والفرق الآخر أنّ القدر عند الإغريق والشمال بيد نساء لا يملكهنّ أحد، وفي بابل بيد من يحمل اللوح، فيُسرق ويُنتزع.
وفي العربية «اللوح» كلمة سامية مشتركة: يضع معجم براون ودرايفر وبريغز العبرية «لُوحَ»، أي اللوح الذي يُكتب عليه، بجانب الآرامية والعربية والحبشية، ويذكر في الأكدية «لِئُو»، لوح الكتابة. وفي معجم لين «اللوح» كلّ عريض رقيق من خشب أو عظم، وما يُكتب عليه، ومنه في القرآن «وكتبنا له في الألواح»، و«اللوح المحفوظ» مستودع ما قضاه الله. وهذا توازٍ في الكلمة والصورة، أي أنّ القدر يُكتب على لوح، وليس قولاً بأنّ أحد اللوحين أُخذ من الآخر.
ويُسرق اللوح وإنليل يغتسل، كما يُستردّ شراب الخلود في الهند والحيّات تغتسل، بعد أن أخذه غارودا من السماء. وانتزاع مردوخ اللوح من كينغو جزء من صراع النظام والفوضى، والمجلس الذي يقضي فيه حامل اللوح هو مجلس المعبودات.