نينورتا

ملخص

نِنُورْتا ابن إنليل البكر، معبود الحرب والزرع في سومر وبابل وآشور. مدينته نِيبُور ومعبده فيها إِيشُومِيشا، واسمه في مدينة لَكَش نِنْغِرْسُو، وتسمّيه قصيدة «تعليمات الزارع» في آخرها «فلّاح إنليل الأمين».

وأشهر قصصه القصيدة السومرية «لُوغال-إِي»، أي «أيّها الملك». كان نينورتا جالساً في وليمة أُقيمت له، فتكلّم سلاحه شَرُور، وهو صولجان يعقل ويتكلّم، وأخبره أنّ السماء اضطجعت مع الأرض فولدت الأرضُ محارباً لا يخاف اسمه أَسَاغ، وأنّ النبات سمّاه ملكاً عليه، وأنّ جنوده الحجارة تغير على المدن، وأنّه صار يقضي بين الناس كما يقضي نينورتا، ويريد أن يأخذ منه سلطانه. فخرج نينورتا إليه عاصفة، وقاتله حتى سحقه وكوّمه كما يُكوّم الآجرّ المكسور، ثم قال: لا تسمّوه أساغ بعد اليوم، اسمه الحجر، وأحشاؤه العالم السفلي. ولم يكن الماء الطيّب قبل ذلك يبلغ الحقول، ولا كان دجلة يأتي بفيضانه كاملاً، وكانت المعبودات تحمل المعول والسلّة سخرة. فجمع نينورتا الحجارة في الجبال كومة، وبنى منها سوراً حجز به المياه، وجمع البحيرات المتفرّقة وساقها إلى دجلة، فسقى الحقول، فنبت الشعير وأثمرت البساتين. فجاءته أمّه نِنْماخ، فسمّى الكومة جبلاً، «خُرْسَاغ»، وجعلها سيّدته، فصار اسمها نينخورساغ. ثم وقف أمام الحجارة التي قاتلته والتي لم تقاتله، فقضى في كلّ منها بعمل في حياة الناس: حجرٌ يُثقب به العقيق، وحجر يُرمى بلا قيمة، وحجر الديوريت تُنحت منه تماثيل الملوك في معبده.

وفي ملحمة أكدية أخرى يسرق الطائر أنزو لوح الأقدار من إنليل، فيتراجع المعبودات واحداً بعد واحد عن قتاله، حتى يدعو إيا الأمَّ العظيمة فتبعث ابنها، فيقتل الطائرَ ويردّ اللوح إلى أبيه في إيكور. وفي القصيدة السومرية «أَنْغِيم» يعود نينورتا إلى نيبور وقد علّق غنائمه على عربته، ومنها طائر أنزود، فيخرج إليه نُوسْكَا وزير إنليل ويرجوه ألّا يُفزع أباه في بيته، فيضع سلاحه ويدخل المعبد.

والفكرة التي تدور عليها القصص أنّ القوّة تُستعمل لترتيب الأرض لا لامتلاكها. ينتصر نينورتا على الجبل، ثم يجعل حجارته سدّاً يسوق الماء إلى الحقول، ويقضي في أعدائه بأعمال ينتفع بها الناس، ويستردّ لوح الأقدار فيردّه إلى صاحبه. فهو المحارب الذي يرجع فلّاحاً. ولذلك أحبّه ملوك آشور: بنى آشورناصربال الثاني معبده قبل أيّ معبد آخر في عاصمته الجديدة كَلْحُو، ونُقش على جدرانه نينورتا يهزم أنزو.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ninurta «نِنُورْتا» جزآن: nin «نِنْ»، وهو في السومرية لقب السيادة، وurta «أُورْتا». وتقرأ المقالة البابلية الجزء الثاني «حَرْث»، فيكون الاسم «سيّد الحرث». والحاء تسقط في الأكدية، والثاء تصير تاءً في الآرامية، فيبقى من «حرث» الراء والتاء، وهما حرفا urta «أُورْتا». والحرث في لسان العرب شقّ الأرض للزرع، والحرث الزرع نفسه، والحارث الزارع. وهذا ما تجعله القصص: الفلّاح الذي يسوق الماء إلى الشعير، والذي تُختم تعليمات الزارع باسمه.

الجذر اللغوي

نينورتا و«الحرث»

الصيغة النطق الموقع
ᵈnin-urta «علامة المعبود ثم نِنْ-أُورْتا» نِنُورْتا في أسماء الأشخاص، مثل نينورتا-نادين-أخّي؛ ᵈ علامة المعبود لا تُنطق
ᵈMAŠ «علامة المعبود ثم ماش» نِنُورْتا كتابة الاسم بعلامة واحدة في النقوش الآشورية، كما في نقش سنحاريب عن بيت العيد
ᵈnin-gír-su «علامة المعبود ثم نِنْ-غِرْ-سُو» نِنْغِرْسُو اسمه في لكش، وبه يُسمّى البطل في «أنزو» البابلية القديمة
Uta-ulu «أُوتا-أُولُو» أُوتا-أُولُو لقب من ألقابه في «لوغال-إي» 64

يحفظ اسم نينورتا لقب nin «نِنْ» السومري، وهو للسيّد وللسيّدة، كما في نينخورساغ ونِنْلِيل. أمّا urta «أُورْتا» فلا يتّفق الدارسون على معناها في السومرية. والمقابلة بـ«حرث» تجري هكذا: تسقط الحاء في الأكدية، كما تقول قوانين التحوّل الصوتي، وتبقى الراء، وتصير الثاء تاءً كما تصير في الآرامية. وفي لسان العرب: حرث الأرض شقّها للزرع وبذرها، والحَرْث الزرع وما يُستنبت، والمحرث الأرض المهيّأة للزرع، والحارث الزارع.

وحدّ هذه المقابلة أنّ التاء تقابل الثاء في الآرامية، أمّا الأكدية فتجعل الثاء شيناً، وفعل الحراثة فيها نفسه erēšu «إِرِيشُو» بالشين. فالمقابلة تقرأ جزءاً سومرياً بقاعدة آرامية، وهذا ما يحتاج إلى شاهد.

قراءات أخرى في المقالتين

تشرح المقالة البابلية الاسم أيضاً «سيّد الأرض المحروثة»، وتقرأ المقالة السومرية urta «أُورْتا» «أرضاً»، فيكون «سيّد الحقل». والمعنيان يلتقيان مع «الحرث» في الصورة، لكنّ ضاد «أرض» لا تقابل التاء. وتذكر المقالتان «أُرْطى»، وهي في لسان العرب شجر من شجر الرمل، فيكون نينورتا معبود الشجر البرّي، وهذا يلقى قصّة «لوغال-إي» من جهة واحدة، فالنبات فيها سمّى أساغ ملكاً عليه. وتذكر المقالة البابلية «نور»، فيكون الاسم «النور المحارب»، وتصفها بالتأويل، و«نصر»، وتصفها بالضعف لأنّ الصاد لا تقابل التاء.

السياق التاريخي

عُبد نينورتا في بابل منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد على الأقلّ، وكان في نيبور معبوداً للزراعة وابناً لإنليل. ونُسخت قصائده الثلاث، «لوغال-إي» و«أنغيم» و«أنزو»، في آشور أيضاً، وأُضيفت إلى السومريتين منهما ترجمة أكدية سطراً سطراً في الألف الأوّل. وأحبّ ملوك آشور فيه المحارب: تسمّى بعضهم في أواخر الألف الثاني توكولتي-نينورتا، أي «الواثق بنينورتا»، وبنى آشورناصربال الثاني معبده أوّلاً في كلحو، ونقش على جدرانه صورته يهزم أنزو، ووصفه بالمحارب الكامل، «سيّد الينابيع والبحار»، «نور السماء والعالم السفلي الذي يضيء جوف الأبسو». وأتمّ ابنه شلمنصر الثالث زقّورته. وتقول روبسون إنّ اسم الموقع الحديث نمرود قد يرجع إلى نينورتا.

الأسرة والصلات

الاسم الصلة بنينورتا أين تظهر؟
إنليل أبوه، يأمره ويردّ إليه لوح الأقدار «لوغال-إي» و«أنغيم» و«أنزو»
نينليل أمّه، «البكر الذي زيّنته نينليل»، وتمدحه عند عودته «لوغال-إي» 135–150؛ «أنغيم» 108–112
نِنْماخ، نِنْتُود، مامّي أمّه في نصوص أخرى، تحمل منه اسم نينخورساغ، وترسله إلى أنزو «لوغال-إي» 368–410؛ «أنغيم» 1–6؛ «أنزو» 36–72
باو تتشفّع للملك في وليمته، وهي زوجة نينغرسو في لكش «لوغال-إي» 17–23؛ أوراك، باو
شَرُور صولجانه الذي يتكلّم ويحمل الأخبار «لوغال-إي» 17–264
إنكي، إيا يقترح بطلاً على مجلس المعبودات في «أنزو»، ويصنع له سلحفاة تحبسه في قصيدة أخرى «أنزو» 31–40؛ «نينورتا والسلحفاة»
آشور أبوه في اللاهوت الآشوري، حين صار آشور على صورة إنليل روبسون

السرديات الأسطورية الرئيسة

السهام التي ترجع إلى قصبها

في النسخة الآشورية المتأخّرة من «أنزو»، وهي ثلاثة ألواح في نحو خمسمئة وخمسين سطراً، يسرق أنزو لوح الأقدار وإنليل يغتسل، ويهرب به إلى جبله. فإذا رمى نينورتا سهامه أمرها أنزو بمعرفته باللوح أن ترجع إلى أصولها، فيعود القصب إلى أجمته والريش إلى طيره. فيستشير نينورتا إيا، فيأمره أن يقطع جناحي أنزو، فإذا نادى الطائر جناحيه ليعودا إليه وجدهما مثبّتين بالسهام في الأرض. فيقتله نينورتا ويأخذ اللوح، ويبدو أنّه تردّد في ردّه إلى إنليل، ثم يرجع به، فيمدحه المعبودات بأسماء كثيرة كما يُمدح مردوخ في آخر «إينوما إيليش». وفي النسخة البابلية القديمة من سوسة تقول الأمّ لابنها: «ليُخفِ الضبابُ وجهك فلا يعرفك»، وفيها يصيح أنزو بالقصبة: «ارجعي إلى أجمتك».

نينورتا والسلحفاة

وفي قصيدة سومرية مكسورة يرجع لوح الأقدار والمِه من فرخ أنزو إلى الأبسو، فيكرم إنكي نينورتا ويعده بالمجد، فلا يرضى نينورتا، ويطمع في العالم كلّه. فيصنع إنكي من طين الأبسو سلحفاة ويقيمها عند باب الأبسو، فتمسك عقب نينورتا وتحفر حفرة يسقط فيها معها، ويقول له إنكي: أين قوّتك الآن؟ فالبطل الذي ردّ اللوح في القصائد الأخرى يُحبس هنا لأنّه أراده لنفسه.

الوحوش التي قتلها

يعدّ صولجانه في «لوغال-إي» من قتلهم نينورتا في الجبال: التنين، والجبس، والنحاس القويّ، والكبش ذا الرؤوس الستّة، وقارب ماغيلوم، والبيسون، وملك النخل، وطائر أنزود، والحيّة ذات الرؤوس السبعة. وفي «أنغيم» يعلّق هذه الغنائم نفسها على عربته.

القراءة الرمزية

تجعل المقالة البابلية في إعادة القراءة نينورتا كوكب زحل، أبطأ الكواكب، وتقرؤه معنى الصبر والزمن. وتشرحه المقالة الأخرى «الفلّاح المحارب» الذي يقاتل ليحمي الزرع. وفي «لوغال-إي» يظهر هذا الجمع في ترتيب القصّة نفسها: الحرب في الجبل أوّلاً، ثم السدّ وسوق الماء إلى دجلة، ثم الحكم في الحجارة بأعمال البنّاء والنحّات والصائغ.

التوازيات عبر الحضارات

ولدت الأرض لزيوس خصمه الأخير تايفون، كما ولدت الأرض في «لوغال-إي» أساغ، وفي القصّتين يغلب ابن المعبود الأكبر وحشاً خرج من الأرض. ويقارن المقال الروماني نينورتا بـهيراكليس بطلاً كثير الأعمال، وفي غنائم نينورتا حيّة ذات سبعة رؤوس كما قتل هيراكليس هيدرا ليرنا. وتقارنه المقالة البابلية بـمارس الذي جمع الحرب والزرع. وأقرب المقارنات نصّاً مردوخ: يقول فراهم إنّ «إينوما إيليش» تأخذ كثيراً من «لوغال-إي» و«أنزو»، وإنّ مردوخ أخذ فيها دور إنليل الملك ودور ابنه نينورتا المحارب، فينتزع لوح الأقدار من كينغو كما انتزعه نينورتا من أنزو.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. لوغال-إي، أعمال نينورتا، وأنغيم، عودة نينورتا إلى نيبور، ونينورتا والسلحفاة، وتعليمات الزارع، مجموعة أكسفورد للأدب السومري.

  2. أنزو البابلية القديمة، اللوح الثاني والثالث، مشروع مصادر الأدب الأكدي المبكر.

  3. روبسون، «نينورتا، معبود النصر»، وبيسنييه، «أسطورة أنزو»، ونقش سنحاريب 160، في أوراك.

  4. فراهم، «نصوص مضادّة وشروح وتكييفات».

  5. المعجم السومري، نينورتا-نادين-أخّي؛ معجم لين، حرث وأرط ونور ونصر.

  6. أوراك، باو