ملخص
الأنوناكي والإيجيجي جماعتان من المعبودات في أساطير الرافدين. الأنوناكي، وأصل اسمهم السومري «أنونّا»، هم المعبودات الكبار الذين يقضون الأقدار، ثم صار الاسم في العصر البابلي يُطلق على معبودات العالم السفلي. والإيجيجي اسم سامي لجماعة أخرى، صاروا في النصوص المتأخّرة معبودات السماء في مقابل الأنوناكي. ولا تتّفق النصوص في عددهم ولا في من يدخل في كلّ جماعة.
وقصّتهم الكبرى في أوّل ملحمة «أتراحاسيس». تبدأ هكذا: «حين كانت المعبودات بشراً، تحمل العمل وتقاسي الكدّ». كان الأنوناكي الكبار السبعة يحمّلون الإيجيجي العمل، وكان آنو أباهم وملكهم، وإنليل مستشارهم المحارب، ونينورتا قائدهم. اقترعوا فأخذ آنو السماء، وأخذ إنليل الأرض، وأُعطي إنكي مزلاج البحر. فحفر الإيجيجي الأنهار، دجلة أوّلاً ثم الفرات، وفتحوا الينابيع، وكوّموا الجبال، أربعين سنة يعملون ليلاً ونهاراً. فجلسوا يشتكون في الخندق وقالوا: هلمّوا نواجه قائدنا ليرفع عنّا الحمل الثقيل، هلمّوا نخرج إنليل من بيته. فأحرقوا أدواتهم، وأشعلوا النار في مساحيهم، وذهبوا جميعاً إلى باب إنليل، فأحاطوا ببيته في منتصف الليل وهو لا يعلم. فأيقظه وزيره نُوسْكُو، فخاف إنليل، ودعا آنو وإنكي. فأرسلوا نوسكو يسأل: من المعبود الذي بدأ القتال؟ فأجاب الإيجيجي: «كلّ واحد منّا أعلن الحرب. الكدّ الزائد قتلنا، وعملنا ثقيل وشقاؤنا كثير». فبكى إنليل. فقال إيا: لماذا نلومهم؟ عملهم كان ثقيلاً. لتخلق المعبودة الأمّ إنساناً يحمل النير، نير إنليل، وليحمل الإنسان كدّ المعبودات. فقالت مامّي: هذا عمل إنكي، فليعطني الطين. فقال إنكي: في أوّل الشهر وسابعه وخامس عشره أقيم طهارة وحمّاماً، فليُذبح معبود واحد وتتطهّر المعبودات فيه، وليخلط نِنْتُو الطين بلحمه ودمه، فيبقى من لحم المعبود روح. فذبحوا في مجلسهم معبوداً اسمه وي-إيلا «الذي كان له العقل»، وخلطت نِنْتُو الطين بلحمه ودمه، ثم دعا الأنونّا، فبصق الإيجيجي على الطين. فقالت مامّي للمعبودات الكبار: رفعتُ عنكم العمل الثقيل، وجعلتُ كدّكم على الإنسان. فركضوا إليها وقبّلوا قدميها.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العالم فيه من يحكم ومن يعمل، وأنّ الإنسان خُلق ليأخذ مكان العامل. كان الإيجيجي عمّال المعبودات الكبار، ولم تغيّر ثورتهم من يحكم، وإنّما نقلت الحمل عن ظهورهم إلى الإنسان. والمعبود الذي ذُبح ليُصنع الإنسان من لحمه ودمه هو «الذي كان له العقل»، فبقي في الإنسان شيء من عقله ومن روحه. ثم أعادت «إينوما إيليش» القصّة لمردوخ: صنع الإنسان من دم كينغو «ليحمل كدّ المعبودات فيستريحوا»، وقسم الأنوناكي ثلاثمئة في السماء وثلاثمئة في العالم السفلي، فبنى الأنوناكي له بابل شكراً.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا. الإيجيجي يُكتب i-gi-gu «إِي-جِي-جُو» وi-gi-gi «إِي-جِي-جِي»، وهو اسم سامي بلا خلاف، ويذكر أوراك أنّ فون زودن اقترح أن يكون أموريّاً، ثم اقترح أن يكون عربي الأصل. فحروفه الجيمان المكرّرتان بعد حرف حلقي، وهذه حروف «أَجَّ»، قراءة المقالة البابلية، وحروف «عَجَّ»، قراءة المقالة السومرية. وفي معجم لين: أجّت النار اشتعلت وصوّتت في اشتعالها، و«عجّ» صاح ورفع صوته، و«العجيج» صياح القوم وضجيجهم. والقراءتان في القصّة معاً: أحرق الإيجيجي أدواتهم بالنار، وصاحت جماعة العمّال بالثورة. وأمّا الأنوناكي فتقرؤه المقالتان «آنو» و«كي»، أي أبناء السماء في الأرض، أو «آنو» و«نقيّ»، أي المصطفون من آنو. والكتابة السومرية a-nun-na «أَ-نُونْ-نا» تعني عند الدارسين «ذرّية الأمير». فآنو في القراءتين يوافق النصّ في المعنى، لأنّه «أبوهم» في أوّل أتراحاسيس، لكنّ الكتابة تقسم الحروف a-nun «أَ-نُون» لا an-un «أَن-أُن»، على غير ما تقسمها المقالتان.
الجذر اللغوي
الإيجيجي: «أجّ» و«عجّ»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| i-gi-gu «إِي-جِي-جُو» | إيجيجو | الكتابة المقطعية، والواو علامة الإعراب |
| i-gi-gi «إِي-جِي-جِي» | إيجيجي | كتابة الجمع، وبها اشتهر الاسم |
| ᵈnun-gal-e-ne «نُونْ-گَلْ-إِ-نِه» | الكتابة السومرية، «الأمراء العظام» |
ننزع الواو والياء الأخيرتين، فهما علامتا إعراب أكدية للمفرد والجمع، فيبقى igig «إِيجِيج»: حرف حلقي في أوّله ثم جيم مكرّرة. والجيم الأكدية جيم عربية بانتظام. وأمّا الحرف الأوّل فالأكدية لا تفرّق في الكتابة بين الهمزة والعين، لأنّ العين سقطت منها، فيجوز أن يكون همزة فيكون الجذر «أجج»، ويجوز أن يكون عيناً فيكون «عجج». والجذران في معجم لين متقاربان: «أجّت النار» اشتعلت أو صوّتت في اشتعالها، و«أجّ الظليم» عدا وله حفيف كصوت النار، و«عجّ» صاح ورفع صوته، و«عجّت الريح» أثارت الغبار، و«العجيج» صياح القوم وضجّتهم. وفي القصّة يحرق الإيجيجي مساحيهم وأدواتهم ثم يصيحون بالحرب حول بيت إنليل، ثم تقول مامّي في آخر الخبر إنّ المعبودات أعطت الإنسان الضجيج. فالنار والصياح هما فعل الإيجيجي في النصّ، والقراءتان معاً تفسّران الاسم. والباقي غير المحسوم هو الحرف الأوّل وحده.
الأنوناكي: «ذرّية الأمير»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| ᵈa-nun «أَ-نُونْ» | أنون | السومرية، وعلامة المعبود لا تُنطق |
| ᵈa-nun-na «أَ-نُونْ-نا» | أنونّا | السومرية، والألف الأخيرة علامة الإضافة |
| ᵈa-nun-na-ke₄-ne «أَ-نُونْ-نا-كِه-نِه» | أنونّاكينه | السومرية، -ke₄ علامة الفاعل و-ne علامة الجمع |
| a-nun-na-ki «أَ-نُونْ-نا-كِي» | أنوناكي | الأكدية، بعلامة KI «كِي»، الأرض |
| e-nu-uk-ki «إِ-نُوكْ-كِي» | إنوكّي | الأكدية |
ينقسم الاسم السومري هكذا: a «أَ» البذرة والذرّية، وnun «نُونْ» الأمير، وna «نا» علامة الإضافة، ثم ke₄ «كِه» علامة الفاعل وne «نِه» علامة الجمع، وهما لاحقتان نحويتان دخلتا الاسم الأكدي فصار «أنوناكو». فالأصل «ذرّية الأمير»، كما يرجّح فالكنشتاين وإدزارد. وتقسم المقالتان الاسم على غير هذا: السومرية «أنو» و«نا» و«كي»، أي أبناء السماء في الأرض، والبابلية «آنو» و«ناكي» من «نُقّي»، أي المصطفون من آنو، وتجعلها «راجحة سومرياً». فقراءة «آنو» تأخذ الألف والنون من مقطعين مختلفين، وقراءة «كي» تأخذ علامة الفاعل أرضاً. لكنّ القراءتين تلقيان النصوص في موضعين: آنو «أبوهم» في أوّل أتراحاسيس، ويذكر أوراك أنّ آنو يُسمّى أحياناً أبا الأنونّا، والكتبة الأكديون أنفسهم كتبوا الاسم بعلامة KI «كِي»، وصار الأنوناكي في عصرهم معبودات العالم السفلي، أي معبودات ما تحت الأرض. فالقراءتان تصدقان على الاسم كما فهمه البابليون، وتبقى قسمة الكلمة السومرية الأولى مفتوحة. وفي معجم لين: نقّاه نظّفه وانتقى خياره ونزع رديئه، و«النُّقاية» خيار الشيء، وهذا يقارب «ذرّية الأمير» في المعنى. وتذكر المقالة البابلية «أنعم»، أي المنعَم عليهم، وتجعلها تأويلية، و«عنق»، أي العلوّ، وتجعلها ضعيفة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
القضاة السبعة تحت الأرض
حين نزلت إنانا إلى العالم السفلي ونُزعت ثيابها عند الأبواب، أقامت أختها إريشكيغال عن عرشها وجلست مكانها، فقضى عليها الأنونّا، القضاة السبعة: نظروا إليها نظرة الموت، وكلّموها كلام الغضب، وصاحوا بها صيحة الذنب الثقيل، فصارت جثّة وعُلّقت على وتد. فالأنونّا في هذا النصّ السومري قضاة ما تحت الأرض، قبل أن يصير هذا معنى اسمهم في العصر البابلي. ويُسمّى جلجامش في ملحمته «قاضي الأنوناكي». محاكمة الموتى
المشاعل في الطوفان
وفي اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش، حين يأتي الطوفان، يرفع الأنوناكي المشاعل فيضيئون الأرض بلهبها، ثم يخاف المعبودات من الطوفان فيصعدون إلى سماء آنو ويتكوّرون كالكلاب، وتصرخ بِليت-إيلي كالمرأة في الطلق، ويبكي الأنوناكي معها. الطوفان
التقسيم في «إينوما إيليش»
بعد أن صنع مردوخ الإنسان من دم كينغو قسم المعبودات أعلى وأسفل: ثلاثمئة في السماء، ومثلها لطرق العالم السفلي، فهم ستمئة. فقال الأنوناكي: الآن وقد حرّرتنا من الكدّ، بماذا نجزيك؟ نبني لك مقاماً نستريح فيه. فأخذوا المعاول وصنعوا الآجرّ سنة كاملة، وفي السنة الثانية رفعوا رأس إيساجيلا. ثم اجتمع الإيجيجي الثلاثمئة في السماء والستمئة في الأبسو. وفي «إرّا وإيشوم» يفرّق النصّ بين الإيجيجي والأنوناكي جماعتين.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة البابلية الثانية تمرّد الإيجيجي «أوّل إضراب عمّالي في التاريخ»: كان العمل الشاقّ في سومر، حفر القنوات وبناء الزقّورات، على طبقة من الناس، فالتمرّد ثورتها. وتقرأ خلق الإنسان ليعمل نظام السخرة، أي تجنيد الفلّاحين للعمل في خدمة النخبة، وتقرأ ضجيج الناس الذي أزعج إنليل الانفجار السكّاني وما جرّه من ضغط على الماء والزرع. والنصّ يعطي هذه القراءة مادّتها: العمل فيه أسماء العمل الحقيقي في الرافدين، حفر الأنهار والقنوات وتكويم التراب، وجماعة العمّال تصيح في الخندق.
التوازيات عبر الحضارات
تقابل المقالة البابلية الأنوناكي بالأولمبيين عند الإغريق، وبالآسا عند أهل الشمال، وبالديفا في الهند، وتقابل المقالة السومرية ثورة الإيجيجي بحرب التيتان على الأولمبيين. والفرق واضح في النصوص: في الثيوغونيا يحارب زيوس وإخوته كرونوس والتيتان على الملك، ويغلبونهم ويحبسونهم في تارتاروس، وفي أتراحاسيس لا يطلب الإيجيجي الملك، بل يطلبون الراحة، فلا يُحبسون، بل يُخلق الإنسان ليريحهم. وتضع المقالة البنيوية الإغريقية الأنوناكي الأوائل بجانب أورانوس وغايا في الجيل الأوّل. الثيوغونيا وإينوما إيليش.
وعند أهل الشمال جماعتان أيضاً، الآسا والفانير، تحاربتا في «أوّل حرب في العالم» ثم اصطلحتا بتبادل الرهائن، فصارتا جماعة واحدة. وفي الهند وإيران جماعتان تتبادلان المنزلة: الديفا آلهة في الهند والأسورا أعداؤهم، والأهورا في إيران الإله الأسمى والدايفا شياطين. ففي كلّ هذه القصص يُقسم عالم المعبودات قسمين، ويختلف ما يجري بينهما: حرب وحبس عند الإغريق، وصلح عند أهل الشمال، وتبادل في الاسم بين الهند وإيران، ونقل للعمل إلى الإنسان في الرافدين.
ونقل العمل إلى الإنسان في أتراحاسيس أقدم صورة تامّة لـخلق الإنسان من طين ودم معبود مذبوح، ويقف المجلس الذي يقضي فيه الأنوناكي في صفّ مجلس المعبودات.