ملخص
واجيت ونخبت «السيّدتان» عند المصريين، معبودتان تحرسان مصر وملكها. واجيت حيّة الكوبرا، ربّة الشمال، الدلتا، ومدينتها بوتو في شمال غرب الدلتا، وكانت مدينتين متجاورتين اسمهما «بي» و«دب»، واسمها اليوناني بوتو مأخوذ من المصرية «بيت واجيت». ونخبت أنثى النسر، ربّة الجنوب، ومدينتها «نخب» على الضفّة الشرقية للنيل جنوب الأقصر، واسمها اليوم الكاب، وتقابلها على الضفّة الغربية «نخن» التي سمّاها اليونان هيراكونبوليس، مدينة الصقر. وكانت كلّ مدينتين متقابلتين عاصمة نصف من مصر. وكانت المعبودتان معاً على جبين الملك، الحيّة والنسر، علامة على أنّه يملك الأرضين، وكان أحد أسمائه الخمسة «اسم السيّدتين»، يُكتب بعد صورتيهما. واجيت هي التاج الأحمر، تاج الشمال، ونخبت تُرسم نسراً ناشراً جناحيه، تمسك في مخالبها حلقة الأبد، وتُرسم أحياناً حيّة بتاج الجنوب الأبيض.
وأقدم ذكر لهما في نصوص الأهرام. ففي «ترنيمة آكل الآلهة» يقوم الملك في السماء ويأكل قلوب المعبودات، «وقد أكل الحمراء وابتلع الخضراء»، والحمراء التاج الأحمر، والخضراء واجيت. وفي الرقيتين 220 و221 يأتي الملك إلى التاج الأحمر وإلى الحيّة، ويناديهما: «يا عظيمة، يا عظيمة السحر»، ويقول لها: «اجعلي الخوف منه كالخوف منك، واجعلي الرهبة منه كالرهبة منك، واجعلي حبّه كحبّك، واجعلي نصله ثابتاً على أعدائه».
والحيّة على الجبين لها قصّة تحكيها بردية بريمنر-رايند. يقول «ربّ الكلّ» إنّه كان وحده في الماء الأوّل، فأخرج شو وتفنوت، فابتعدا، فتبعتهما عينه حتى ردّاها إليه. فلمّا رجعت العين وجدته قد جعل عيناً أخرى مكانها، فغضبت عليه. فرفعها إلى جبينه، فلمّا صارت تحكم الأرض كلّها سكن غضبها، لأنّه ردّ إليها ما أُخذ منها. ويقول الشارح إنّ هذا أصل الحيّة على الجبين. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ الحيّة على جبين الملوك والمعبودات هي واجيت، وإنّها في الأسطورة عين رع، وعين حورس، وتاج الشمال، وإنّ معبودات كثيرة قُرنت بها، منها حتحور وباستت وسخمت وتفنوت.
وفي بوتو سمع هيرودوت قصّة أخرى. كان في بوتو معبد لمعبودة يسمّيها هو «ليتو»، ولها وحي يثق به الناس، وقرب المعبد بحيرة فيها جزيرة اسمها «خِمّيس» يقول المصريون إنّها تطفو. ويقولون إنّ ليتو كانت تسكن بوتو، فأخذت ابن إيزيس، الذي يسمّيه هيرودوت أبولو، وهو عند المصريين حورس، وخبّأته في هذه الجزيرة حين جاء ست يطوف الأرض يطلب ابن أوزيريس. فواجيت ربّة بوتو هي المرضعة التي تخفي الطفل الملك عن عدوّه. وفي متحف المتروبوليتان تمثال من النحاس للمعبودة واجيت تحمل الطفل حورس.
والفكرة التي تدور عليها أخبار السيّدتين أنّ الملك لا يملك الأرض حتى تجتمع حارستاها على جبينه. فالشمال له حيّته والجنوب له نسره، وكلّ منهما تحرس وتخيف معاً: العين التي غضبت حين أُبدلت صارت حين وُضعت على الجبين تحكم الأرض وتحرس صاحبها، والتاج الذي يُخاف منه هو الذي يطلب الملك أن يُخاف منه كما يُخاف منها.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا: تكتب المصرية الأوّل Wꜣḏ.t «واجِت»، ومعناه «الخضراء»، من wꜣḏ «واج»: البردي، والأخضر، والنضر. وتقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «ودج» أو «وجد»، وتفسّره بالحيّة الخضراء، فتصيب المعنى. والحروف عند علماء المصرية تقابل جذراً سامياً معروفاً للخضرة: يقول بويست إنّ wꜣḏ «واج» تقابل «و-ر-ق» السامية، الأخضر والأصفر في الأكدية والعبرية، و«الوَرَق» في العربية، وتقابل «أَوْرَيْ» الأخضر في الأمازيغية. وفي معجم لين: «شجرة وَرِقة»، أي كثيرة الورق. فواجيت هي «الوَرِقة»، الخضراء المورقة، وصورتها في الدلتا البردي الأخضر. وتكتب المصرية الثاني Nḫb.t «نِخْبِت»، أي «التي من نخب»، باسم مدينتها. وفي المصرية فعل nḫb «نِخِب»: عيّن وحدّد، ومنه nḫb.t «نِخْبِت»: ألقاب الملك. وفي العربية «نخب» و«انتخب»: اختار، و«النُّخبة» المختار، و«نخب الصقرُ الصيدَ» انتزع قلبه. فنخبت، على قراءة مقترحة على المنهج، «النُّخبة»: التي تختار الملك وتعيّن اسمه، وهي النسر الذي ينتزع.
الجذر اللغوي
واجيت: «الوَرِقة»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Wꜣḏ.t «واجِت» | واجيت، حيّة الشمال | معجم المصرية |
| wꜣḏ «واج» | البردي، وهو رمز الشمال | معجم المصرية |
| wꜣḏ «واج» | اخضرّ، نضر، أنضر | معجم المصرية |
| wꜣḏ «واج» | الحجر الأخضر، الملاخيت | معجم المصرية |
| Pr-Wꜣḏ.t «پِر-واجِت» | «بيت واجيت»، بوتو | معجم المصرية |
| warqu «وَرْقُو» | الأكدية: أخضر، أصفر | معجم براون ودرايفر وبريغز، ورق |
| יֶרֶק «يِرِق» | العبرية: الخضرة، النبات الأخضر | معجم براون ودرايفر وبريغز، ورق |
| وَرَق، شجرة وَرِقة | ورق الشجر؛ الشجرة الكثيرة الورق | معجم لين، ورق |
تجعل المقالة المصرية في جدولها الموسّع «وادجت» من «وَدَجَ» أو «وَجَدَ»، ومعناها عندها «الحيّة الخضراء»، وتعطي القراءة درجة «متوسّط».
والمعنى الذي تعطيه المقالة صحيح، فالمتحف المصري العالمي يقول إنّ معنى الاسم «الخضراء». أمّا «ودج» و«وجد» فتجعلان الحرف المصري الأخير، ḏ «ج»، حرفين، الدال والجيم، وتُسقطان الألف المصرية. و«الوَدَج» في معجم لين عرق في العنق يُفصد منه الدمّ، و«وجد» أصاب، ولا شيء منهما في الخضرة.
والجذر الذي يقابل الحروف كلّها ذكره بويست في كلامه عن حروف مصرية خرجت من الكاف والقاف القديمتين: يقول إنّ wꜣḏ «واج» «أخضر، أصفر» تقابل «و-ر-ق» السامية، «أخضر، أصفر»، في الأكدية warqu «وَرْقُو»، والعربية «وَرَق» أي ورق الشجر، والعبرية yāraq «يَارَق» اخضرّ واصفرّ، وتقابل في الأمازيغية awray «أَوْرَاي» الأخضر في سيوة، وta-rwaq «تَارْوَق» اللون الأصفر عند الطوارق، ويقول إنّ فرانك كامرتسل هو الذي فرّق هذا التحوّل عن غيره. والحروف تلتقي واحداً واحداً: الواو واو؛ والألف المصرية صوت من أصوات الراء واللام، تُكتب بها الراء السامية في أسماء الدولة الوسطى؛ والجيم المصرية ḏ «ج» حرف خرج من القاف إلى جانب الواو.
ويجمع معجم براون ودرايفر وبريغز العبري هذه الأسرة تحت «ירק»: الخضرة في العبرية، و«اخضرّ» في الآرامية، و«الأصفر والأخضر» في الأكدية، و«الوَرَق» و«أورق الشجر» في العربية، ومعها «الوُرْقة» لون الرماد، و«الوَرِق» الفضّة، والذهب في السبئية والحبشية، كلّها من اللون. وفي معجم لين: «شجر وارق» و«شجرة وارقة» و«وَرِقة» و«وَريقة»: الشجرة الكثيرة الورق.
فالقراءة التي نثبتها: واجيت «الوَرِقة»، الخضراء المورقة، بحروفها الثلاثة، وقراءة المقالة صحيحة في معناها. وفي العبرية والأكدية بقي من الجذر معنى الخضرة، وفي العربية الورق الأخضر نفسه، وفي المصرية البردي الأخضر الذي هو صورة الدلتا. ومن هذا الجذر في المصرية اسم «السنين النضرة» الذي اتّخذته الملكة حتشبسوت اسماً من أسماء السيّدتين.
نخبت: «النُّخبة»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Nḫb.t «نِخْبِت» | نخبت، «التي من نخب» | معجم المصرية |
| Nḫb «نِخِب» | نخب، الكاب | معجم المصرية |
| nḫb «نِخِب» | عيّن، حدّد، قضى | معجم المصرية |
| nḫb.t «نِخْبِت» | ألقاب الملك، التعيين | معجم المصرية |
| Nb.tj «نِبْتِي» | «السيّدتان»، نخبت وواجيت؛ واسم السيّدتين في ألقاب الملك | معجم المصرية، اسم الملك |
| نَخَبَ، انتخب، النُّخبة | انتزع؛ اختار؛ المختار؛ نخب الصقر الصيد | معجم لين، نخب |
ولا تقرأ المقالة المصرية اسم نخبت. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ معنى الاسم «التي من نخب»، فهو نسبة إلى المدينة. والقراءة المقترحة على المنهج تأخذ حروف المدينة، النون والخاء والباء، وهي بأعيانها حروف «نخب» العربية.
وفي المصرية من هذه الحروف فعل nḫb «نِخِب»: عيّن وحدّد، ومنه nḫb.t «نِخْبِت» بمعنى ألقاب الملك والتعيين، وهو في رسمه اسم المعبودة نفسه. وفي معجم لين: «نَخَبَ» و«انتخب» انتزع الشيء وأخرجه، و«نخب الصقر الصيد» انتزع قلبه، و«النُّخَبة» و«النُّخْبة» المختار المصطفى، والفرقة المختارة تُخرج من الناس، ومنه «خرجنا في النُّخَبة». فالجذر في اللسانين اختيار وتعيين، وفي العربية مع ذلك فعل الجارح الذي ينتزع. ونخبت نسر يقف على جبين الملك، وهي إحدى السيّدتين اللتين يُكتب بعد صورتيهما اسم من أسماء الملك.
ويذكر بويست أنّ اسم المدينة بقي في العربية: فـ«نخب» صارت «الكاب»، بعد أن صارت الخاء كافاً.
وحدّ هذه القراءة أنّ معنى اسم المدينة نفسه غير معروف، فلا يُعرف أكانت «نخب» من فعل التعيين أم من غيره، ولذلك تبقى قراءة مقترحة.
التحوّلات المستعملة: الواو واو؛ الألف المصرية راء؛ الجيم المصرية قاف قبل أن تصير لثوية؛ النون والخاء والباء كما هي؛ تاء التأنيث في الاسمين.
السرديات الأسطورية الرئيسة
اسم السيّدتين في ألقاب الملك
كان للملك المصري خمسة أسماء، أحدها «اسم السيّدتين». وفي لوحة بنترش مثال له: «السيّدتان: الثابت في الملك مثل أتوم»، وتقول ليشتهايم إنّ هذا الاسم وما معه من أسماء صيغت خطأً من ألقاب تحوتمس الرابع. واتّخذت الملكة حتشبسوت اسم السيّدتين «النضرة في السنين». وفي متحف المتروبوليتان لوح من الحجر الجيري من العصر المتأخّر أو البطلمي، عليه واجيت ونخبت، «السيّدتان»، وعلى وجهه الآخر صقر.
الصاعدة
والحيّة على الجبين اسمها في المصرية jꜥr.t «يَعْرِت»، ومعناها «الصاعدة»، من فعل jꜥr «يَعِر» صعد وارتفع، لأنّ الكوبرا ترفع رأسها وتنشر عنقها حين تهمّ. ويسمّيها اليونان uraeus «أورايوس».
نخبت في نخب، والنسر في طيبة
ويقول المتحف المصري العالمي إنّ في الكاب، إلى جانب معبد لتحوت، حرماً لنخبت ترجع أقدم أجزائه إلى ما قبل التاريخ، وإنّ المدينة المسوّرة من العصر العتيق من أقدم مدن مصر. ويقول إنّ النسر كان صورة لمعبودتين: نخبت، وموت زوجة آمون، التي بقي من أصلها النسريّ غطاء رأسها على هيئة النسر والعلامة التي يُكتب بها اسمها. وسمّى اليونان نخب «مدينة إيليثيا»، معبودة الولادة عندهم.
القراءة الرمزية
تجعل مقالة إعادة القراءة المصرية أساطير مصر صوراً لأرضها ونيلها، وترى في صور الحيوان أدوات يشرح بها المصريون عالمهم. والسيّدتان على هذا المنهج صورتا الأرضين: الشمال الأخضر، أرض البردي والمستنقعات، وصورته حيّة تسكن البردي وتحمل اسم الخضرة، والجنوب الصخري الضيّق بين جبلين، وصورته نسر يحوم فوق الوادي.
وفي قصّة العين التي غضبت ثم سكنت على الجبين صورة للقوّة التي تُخاف: لا تُطرد، وإنّما تُعطى موضعاً فوق الرأس، فتصير حارسة. وكذلك تصير المعبودتان، الحيّة التي تلدغ والنسر الذي ينتزع، حارستين للملك الذي يلبسهما.
التوازيات عبر الحضارات
سمع هيرودوت في بوتو أنّ ليتو، ربّة المدينة، أخفت ابن إيزيس، أبولو عند اليونان وحورس عند المصريين، في جزيرة طافية حين جاء ست يطلبه. وفي قصّة اليونان أنفسهم تلد ليتو أبولو في جزيرة ديلوس بعد أن طاردتها هيرا في الأرض كلّها. فالأمّ والمرضعة في الروايتين تحمي الطفل في جزيرة من مطارد يريده.
والحيّة على الجبين هي عين رع التي غضبت، وغضب العين في قصّة أخرى هو سخمت التي كادت تفني الناس، وفي غيرها تفنوت التي رحلت غاضبة إلى النوبة ثم رجعت. ويناديها الملك «عظيمة السحر»، وهو لقب من ألقاب حكا.
وعند الإغريق تجلس هيكاتي إلى جانب الملوك حين يقضون وتعطي النصر في الحرب، وتأتي في الليل ربّةً للسحر والحيّات ملتفّة حولها والمشاعل معها، كما تجلس الربّتان على جبين الملك وتُدعيان «العظيمة السحر»، في هيكاتي.