باستت

ملخص

بَاسْتِت معبودة بُوبَسْطَة في شرق الدلتا، على فرع النيل الذاهب إلى تانيس، واسم البلد نفسه في المصرية «بيت باستت»، وهو اليوم تلّ بسطة. كانت في أوّل أمرها لبؤة: في الدولة القديمة تُرسم دائماً تقريباً برأس لبؤة، وتُقرن بلبؤتين أخريين، سخمت منف وتفنوت أون، فدخلت في أخبار عين الشمس، وسُمّيت ابنة رع وعينه، وعين القمر، وجُعلت هي الحيّة واجيت. ثم غلبت عليها في العصور المتأخّرة صورة القطّة: تماثيل برونزية كثيرة برأس قطّة، تحمل الصلصلة أحياناً كما تحملها حتحور، وتماثيل قطط مهداة إليها، وآلاف القطط المحنّطة في مقابر قرب معابدها في بوبسطة وسقّارة.

وقصّتها قصّة الغضب الذي يهدأ. فعين رع في «كتاب البقرة السماوية» تنزل لبؤةً تقتل الناس، ثم تُسقى الجعة الحمراء فترجع «اللطيفة»، كما يُروى في صفحتي سخمت وحتحور. وباستت هي هذا الوجه الثاني: يقول نصّ عن حتحور دندرة إنّها «غاضبة كسخمت، لطيفة كباستت»، فيضع وجهي المعبودة في لبؤة غاضبة وقطّة أليفة. وفي نصوص الأهرام هي أمّ الملك التي ترضعه: «أمّه باستت أرضعته». وهي أمّ ماحِس، المعبود الأسد، وفي روايات متفرّقة أمّ نِفِرْتُم أو أنوبيس. ومع أنّها صارت قطّة بقيت فيها اللبؤة: في نصّ للملك رمسيس الرابع بأبيدوس أنّ صيد الأسود في عيد باستت كان محرّماً.

ورأى هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد عيدها، ويقول إنّه أعظم أعياد مصر وأشدّها حماسة. يخرج الرجال والنساء معاً في القوارب، في كلّ قارب جمع كبير، بعض النساء يقرعن الصنوج، وبعضهنّ يزمّرن، والباقون يغنّون ويصفّقون. فإذا مرّوا ببلدة على النهر قرّبوا القارب من الشاطئ، فبعض النساء يسخرن من نساء البلدة، وبعضهنّ يرقصن، وبعضهنّ يقمن فيرفعن ثيابهنّ. فإذا بلغوا بوبسطة ذبحوا ذبائح كثيرة، و«يُشرب من الخمر في هذا العيد أكثر ممّا يُشرب في السنة كلّها»، ويقول أهل البلد إنّ من يجتمع فيه سبعمئة ألف رجل وامرأة سوى الأطفال. ويصف معبدها في وسط المدينة: ارتفعت المدينة حوله وبقي المعبد على مستواه الأوّل، فيراه الناس من فوق، وتحيط به قناتان من النيل حتى يصير جزيرة، وحول المقصورة التي فيها تمثال المعبودة غيضة من شجر عال. ويقول إنّ المصريين يحملون القطط الميتة إلى بيوت مقدّسة في بوبسطة فتُحنّط وتُدفن، وإنّ أهل البيت الذي تموت فيه قطّة يحلقون حواجبهم. وتقول الحفريات الحديثة إنّ كثيراً ممّا وصفه هيرودوت من المعبد صحيح.

والفكرة التي تدور عليها أخبار باستت أنّ القوّة التي تحرس هي التي كانت تفترس، بعد أن هدأت. فاللبؤة تقتل في الصحراء، والقطّة تحرس البيت والمخزن، وكلتاهما من جنس واحد. ولذلك يقول المثل المصري في تعاليم عنخ شاشنقي: «إذا كانت رائحة الرجل رائحة المرّ كانت امرأته قطّة أمامه، وإذا كان في ضيق كانت امرأته لبؤة أمامه». فالمعبودة الواحدة تكون قطّة أو لبؤة بحسب حال من أمامها، وعيدها بالخمر والغناء والرقص هو ما يُسترضى به الغضب كما استُرضيت عين رع بالجعة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Bꜣs.tjt «بَاسْتِيت»: باء، ثم ألف ضعيفة، ثم سين، ثم لاحقة مؤنّثة. ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع من «بَسّ» و«بَسْبَس»، وهو صوت نداء القطط، ويقول إنّ «بسّت» هي القطّة حرفياً، ويعطي القراءة درجة «راجح جداً». وفي «تاج العروس» أنّ «البَسّ» الهرّة الأهلية، نقله ابن عبّاد، وأنّ العامّة تكسر الباء فتقول «بِسّة»، والواحدة بالهاء، والجمع «بِساس». وفي «لسان العرب» وغيره من المعاجم أنّ «بَسْ بَسْ» و«بِسْ بِسْ» صوت تُدعى به الغنم وتُساق به الدابّة، وأنّ «أَبَسَّ بالناقة» دعاها للحلب بصوت خفيف يسكّنها، و«البَسوس» الناقة التي لا تدرّ إلّا إذا سُكّنت بهذا الصوت. فباستت على هذه القراءة «البَسّة»: القطّة الأليفة، والمعبودة التي سُكّن غضبها فصارت تدرّ الخير، وهذا ما تجعلها القصّة: اللبؤة التي هدأت.

الجذر اللغوي

«البَسّة»

الصيغة معناها الشاهد
Bꜣs.tjt «بَاسْتِيت» باستت، اسم المعبودة معجم المصرية
Pr-Bꜣs.tjt «پِر بَاسْتِيت» «بيت باستت»، بوبسطة معجم المصرية
bꜣs «بَاس» جرّة للطيب معجم المصرية
mjw «مِيُو» الهرّ الذكر معجم المصرية
Βούβαστις «بُوبَاسْتِس» اسم البلد والمعبودة عند هيرودوت، «وهي باليونانية أرتميس» هيرودوت 2.137

في الاسم المصري ثلاثة حروف قبل اللاحقة: الباء، وعلامة ꜣ «أ» الضعيفة، والسين. وفي آخره -tjt «تِيت»، لاحقة النسبة المؤنّثة. ويضع المعجم المصري الاسم تحت الجذر bꜣs «بَاس»، وفيه أيضاً جرّة للطيب وbꜣs.t «بَاسِت» بمعنى الكأس أو الدلو. فالاسم في المصرية نفسها «التي لـbꜣs «بَاس»». أمّا كلمة القطّ في المصرية فشيء آخر: mjw «مِيُو» للهرّ، وmjw.t «مِيُوت» للهرّة، وهي تحكي صوت القطّ.

ويقرأ المقال المصري الاسم مرّتين. في أوّله يقدّم «بست» ويقول إنّ معناه اللطافة والرقّة، و«بصت» ويقول إنّ معناه رأت ونظرت، لنظر القطّة الثاقب، ويعطي القراءة درجة «متوسّطة». ثم يرجع في موضع لاحق فيجعل الاسم من «بسّ» و«بسبس»، نداء القطّة، ويقول: «بَسَّت = القطّة حرفياً»، ويعطيها درجة «راجح جداً»، ويجعلها «كلمة محاكاة صوتية مشتركة». وهذه القراءة هي التي تقود هنا.

والصوت: الباء باء، والسين سين، والألف المصرية الضعيفة تسقط كما تسقط الهمزة في الكلام. والتاء تاء التأنيث في اللغتين، وهي في العربية الهاء التي تقول المعاجم إنّ واحدة «البسّ» تُكتب بها. أمّا المعنى ففي «تاج العروس» أنّ «البَسّ» الهرّة الأهلية، وفي «لسان العرب» وغيره أنّ «بَسْ بَسْ» دعاء للغنم وزجر للدابّة، وأنّ الإبساس صوت خفيف يُسكّن به الراعي الناقة عند الحلب. ولا يذكر معجم لين القطّة في هذا الجذر، ويجعل «البَسّ» الكسر والفتّ، ومنه قوله تعالى «وبُسّت الجبال بسّاً».

فالقراءة تامّة في الحروف والمعنى والقصّة، وموضع البحث فيها اثنان ذُكرا مرّة واحدة هنا: أنّ المعجم المصري يربط الاسم بـbꜣs «بَاس» لا بالقطّة، وأنّ «البسّ» بمعنى الهرّة لا يرد إلّا عند متأخّري اللغويين، فلا يُعرف أكانت الكلمة العربية أقدم من اسم المعبودة أم مأخوذة منه.

السرديات الأسطورية الرئيسة

أرتميس بوبسطة

يسمّي هيرودوت باستت «أرتميس»، ويقول إنّ المصريين يجعلون أبولو وأرتميس ولدين لديونيسوس وإيزيس، وديونيسوس عنده أوزيريس، وإنّ ليتو كانت مرضعتهما وحافظتهما، وخبّأت أبولو في جزيرة خِمِّيس العائمة قرب بوتو حين جاء تيفون يطلب ابن أوزيريس. ويقول: «حورس بالمصرية أبولو، وإيزيس ديميتر، وبوبسطة أرتميس». فباستت عند المصريين الذين حدّثوه أخت حورس. هيرودوت 2.156، 2.144.

باستت في المحاكمة

وفي فصل المحاكمة من «كتاب الخروج إلى النهار» يقف الميت أمام اثنين وأربعين معبوداً ويبرّئ نفسه أمام كلّ واحد، فيقول: «يا باستت الخارجة من المقصورة: لم أغمز»، ويقول: «يا جوّالاً خارجاً من بوبسطة: لم أتجسّس».

بيت في بوبسطة

وفي قصّة سِتْنا خَعَمْوَاس الديموطيقية يرى ابن الملك امرأة جميلة اسمها تابوبو في معبد بتاح، فيقال له إنّها ابنة كاهن باستت، سيّدة عنخ تاوي، فيطلبها، فتقول له: «تعالَ إلى بوبسطة، إلى بيتي»، فيركب السفينة إليها، فيجد بيتاً عالياً في بستان. وفي هذا البيت يكتب لها ستنا كلّ ما يملك، ويرضى بقتل أولاده، ثم يمدّ يده إليها فتصرخ، فيستيقظ عرياناً، ويعلم أنّ نَنِفِرْكَابْتَاح صنع به ذلك بسحره، وأنّ أولاده أحياء.

القطّة والصندوق

وفي متحف المتروبوليتان صندوق من البرونز كان فيه قطّ محنّط، وعلى غطائه قطّة مستلقية متيقّظة كأنّها تحرس ما تحتها، في عنقها قلادة فيها عين حورس، وعلى رأسها جعران، وعلى الصندوق اسم من أهداه. ويقول المتحف إنّ هذه الصناديق كانت توضع في سراديب القطط في بوبسطة وسقّارة مع قطط ملفوفة بالكتان.

القراءة الرمزية

يقول مقال إعادة القراءة المصري إنّ المصريين استعملوا صور الحيوان أدواتٍ يشرحون بها الكون، ويجعل القطّة فيها «الحراسة الليلية». والقطّة في بيت الفلّاح هي التي تحرس المخزن من الفئران والحيّات في الليل.

وفي عيد باستت كما يصفه هيرودوت تخرج النساء في القوارب، فيعزفن ويرقصن ويسخرن من نساء البلاد التي يمررن بها ويكشفن أجسادهنّ، ويُشرب في أيّام قليلة أكثر ممّا يُشرب في السنة. فالعيد يبيح للنساء ما لا يُباح في سائر السنة، كما يُباح في عيد السُّكر لحتحور، وكما كشفت حتحور جسدها لأبيها رع حين حزن فضحك وقام. والمعبودة التي يُحتفل بها على هذا النحو معبودة البيت والأمومة والخصب، يقول متحف المتروبوليتان إنّها كانت حامية قويّة ومعروفة بالخصب، وإنّ تماثيلها كانت من أكثر ما يُهدى في العصر المتأخّر.

التوازيات عبر الحضارات

باستت الوجه الهادئ لعين رع التي كادت تفني البشر ثم سُقيت فرجعت، وهي القصّة التي تضع سخمت وحتحور بين قصص الطوفان والإهلاك، فالمعبودة الغاضبة تُسترضى ولا تُحارب.

ويسمّيها هيرودوت أرتميس، ويجعلها ابنة إيزيس وأوزيريس وأخت حورس، وأرتميس عند اليونان ابنة ليتو وأخت أبولو، تحمي الولادة والصغار وتصيد الوحش. ويروي أوفيد أنّ المعبودات حين هربت من تيفويوس إلى مصر تنكّرت في صور الحيوان، فصار أبولو غراباً، وصارت أخته ديانا قطّة، وصارت جونو بقرة بيضاء؛ فأرتميس عند الرومان تختبئ في مصر في صورة حيوان باستت.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. المتحف المصري العالمي: باستت، بوبسطة.

  2. هيرودوت 2.59–60، 2.66–67، 2.137–138، 2.144، 2.156.

  3. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، كتاب الخروج إلى النهار 125 ص 126–127، كتاب البقرة السماوية ص 197–199.

  4. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 3، قصّة ستنا ص 133–136، تعاليم عنخ شاشنقي ص 171.

  5. متحف المتروبوليتان: باستت، صندوق قطّ محنّط.

  6. معجم المصرية: باستت، بوبسطة، جرّة الطيب، الكأس، الهرّ، الهرّة.

  7. المعاجم العربية، بسس؛ معجم لين، بسّ.

  8. أوفيد، «التحوّلات»، الكتاب الخامس.

  9. هيرودوت 2.137