مِين

ملخص

مِين معبود الخصب والإنجاب عند المصريين، وحامي الصحراء والبلاد الأجنبية، ولا سيّما الصحراء الشرقية التي يبدأ طريقها من قِفْط إلى وادي الحمّامات، حيث المحاجر ومناجم الذهب. يُرسم مومياء واقفة منتصبة العضو، ترفع ذراعاً تحمل سوطاً، وعلى رأسه تاج من ريشتين في عصابة يتدلّى طرفها على ظهره، وخلفه نبات الخسّ الطويل. وكان مدينتاه الكبريان قفط وأخميم، فهو «مين قفط» و«مين ربّ أخميم»، وكان رمزه، الذي يظهر على فخّار ما قبل الأسرات، رمزاً لإقليم أخميم. وحيث يكون التجدّد والخصب وقوّة الذكر يحضر مين، فكانت شعائره جزءاً من تتويج الملك ومن عيد اليوبيل الذي تتجدّد فيه قوّته.

وأقدم صوره ثلاثة تماثيل كبيرة من الحجر الرملي وجدها بِتْرِي سنة 1894 في أساس المعبد البطلمي في قفط، تُعرف بـ«عمالقة قفط»، ويرى الباحثون أنّها قد تكون أقدم ما يُعرف من صور مين. كلّ تمثال رجل عارٍ واقف، يده اليمنى إلى جنبه مقبوضة، ويده اليسرى تمسك عضوه، وقد ضاع العضو وبقي موضعه. وعلى الطرف المتدلّي من حزامه نُقش رمز مين مرّتين، ومعه صدفتان وأسد رابض، وعلى الثالث فيل وثور وأسد. اثنان منها اليوم في متحف الأشموليان في أكسفورد، والثالث في القاهرة.

وليس لمين قصّة طويلة في البرديات، وقصّته عيده. يذكر حجر بالرمو من أواسط الأسرة الخامسة عيداً اسمه «ولادة مين»، أو «صنع تمثال مين»، وربّما كان هو العيد الذي سُمّي بعد ذلك «خروج مين»، وكان يُقام عند هلال شهر بَشَنْس، الشهر الأوّل من فصل الحصاد. وأتمّ ما يُعرف عنه نقوش معبد رمسيس الثاني (الرامسيوم) ومعبد رمسيس الثالث في مدينة هابو. في فجر يوم الهلال يخرج موكب من القصر إلى المعبد، فيخرج الكهنة تمثال مين ويحملونه إلى موضع يُسمّى «الدرج»، وهو منصّة ذات درجات ترمز إلى التلّ الأوّل أو البستان. وفي المساء يُوضع التمثال على المنصّة، ويدخل الملك فيقدّم القربان ويحصد حزمة من الزرع، ثم يطوف حول الموضع. وفي فجر اليوم الثاني يُقام عمود يسند المقصورة، ثم تُقام شعائر تتويج الملك، فيرمي أربعة سهام إلى جهات الدنيا الأربع، ويطلق أربعة طيور. وفي موكب مدينة هابو يسير ثور أبيض أمام الملك، وفي ألقاب الدولة القديمة لقب «حارس الثور الأبيض».

ومن ألقاب مين «كا-موت-إف»، أي «ثور أمّه»، فهو في اللقب ابن أمّه وذكرها معاً، يُخصبها فيولد منها. وفي الدولة الحديثة عُدّ مين صورة من صور آمون، وفي لوحة بنترش يوصف رمسيس بأنّه ابن آمون، و«الذي أنجبه كا-موت-إف». وفي الدولة الوسطى اقترن بـحورس لصلته بالملك، فصار يُعدّ ابن إيزيس، وفي ثالوث آخر هو زوجها وحورس ابنهما.

والفكرة التي يدور عليها أمر مين أنّ الحياة تنتقل بالبذر. فالثور الذي هو ابن أمّه وذكرها، والعيد الذي يُحصد فيه الزرع أوّل الحصاد ويُجدَّد فيه الملك، والخسّ الذي يرى المصريون في عصارته البيضاء ماء الرجل، كلّها صور لشيء واحد: أن يخرج من الواحد ما يقوم مقامه، من الأب ابن، ومن الزرع زرع، ومن الملك ملك.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Mnw «مِنُو»: ميم ونون وواو. وتقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «مين» أو «مند»، وتقول إنّ الجذر قد يكون من كلمة تعني الذكورة والقوّة. والجذر العربي الذي تحفظ حروفه الميم والنون والواو معنى الذكورة هو «منى» و«منو»: ففي المعاجم أنّ «المَنِيّ» الماء الذي يكون منه الولد، والفعل منه «أمنى» و«منى»، وفي القرآن: «ألم يك نطفة من منيّ يُمنى». فمين على هذه القراءة المقترحة على المنهج هو «المنيّ»، وهو ما تجعله صوره: المعبود الذي يمسك عضوه في أقدم تماثيله، وثور أمّه، وصاحب الخسّ الذي شُبّهت عصارته بماء الرجل.

الجذر اللغوي

«المَنِيّ»

الصيغة معناها الشاهد
Mnw «مِنُو» مين، اسم المعبود معجم المصرية
Mnw «مِنُو» الإقليم التاسع من الصعيد، إقليم أخميم معجم المصرية
kꜣ-mw.t=f «كا-موت-إف» «ثور أمّه»، لقبه معجم المصرية
ꜥb.w «عَبُو» الخسّ معجم المصرية
مَنِيّ، أمنى، مَنَى، مُنْيَة ماء الرجل الذي يكون منه الولد؛ أيّام الناقة بعد الضراب حتى يُعرف لقاحها المعاجم العربية، منى

تقرأ المقالة المصرية الاسم من «مين»، وتفسّرها بـ«من، أي»، أو من «مند»، وتفسّرها بالرفع والنهوض، وتقول إنّ مين معبود الخصوبة والإنجاب والقوّة الذكرية، وإنّ «مين» قد يكون من كلمة تعني الذكورة والقوّة، وإنّ «مند» يعكس رفع الرغبة، وتعطي القراءة درجة «متوسّطة».

ولا تقوم القراءتان على معنى في المعجم: فـ«مَن» و«أيّ» أداتان، و«مند» لا تذكرها المقالة بشاهد. أمّا المعنى الذي تطلبه المقالة، الذكورة، فيحمله جذر آخر حروفه حروف الاسم المصري: الميم والنون والواو. ففي «المحيط في اللغة» للصاحب بن عبّاد: «منى ومنو»، و«المَنِيّ: الماء الذي يكون منه الولد، والفعل أمنيت ومنيت»، و«المُنْيَة: المنيّ، وماء الولد في المشيمة»، و«مُنْيَة الناقة: أيّامها بعد ضراب الفحل إيّاها إلى عشرة أيّام، وهي الأيّام التي يُستبرأ فيها لقاحها». وفي القرآن: «ألم يك نطفة من منيّ يُمنى»، و«من نطفة إذا تُمنى». ويجعل الراغب الأصفهاني «المَنَى» التقدير، ويقول إنّ المنيّ سُمّي به «للذي قدّر به الحيوانات».

والحروف في مكانها: الميم ميم، والنون نون، والواو المصرية واو «منو»، والجذر العربي يُكتب بالواو وبالياء. وهذا الجذر نفسه هو الذي يُقرأ منه اسم القمر في الشمال، ماني، بمعنى «قدّر»، والراغب يجمع المعنيين: فالمنيّ هو ما يُقدَّر منه الخلق، والقمر هو ما يُقدَّر به الوقت.

وفي المصرية نفسها فعل mnsꜣ «مِنْسا»، معناه أنزل المنيّ، في «نصوص التوابيت»، ومنه اسم بالمعنى نفسه في بردية إدوين سميث الطبية، يصف فيها الطبيب رجلاً انخلعت فقرة عنقه فانتصب عضوه وسال منه. وحرفاه الأوّلان الميم والنون. ولا يُعرف أكانت السين والألف بعدهما من أصل الكلمة أم زيادة عليه، فهو شاهد يقرّب القراءة ولا يقطع بها.

وحدّ هذه القراءة أنّ الكلمة المصرية المعتادة لماء الرجل غيرها، وهي ꜥꜣꜥ «عاع»، وأنّ معنى اسم مين غير معروف عند علماء المصريات، وأنّ mnw «مِنُو» في المعجم المصري يأتي لمعانٍ أخرى. فالقراءة مقترحة على المنهج، تلتقي فيها الحروف والصورة، ويقرّبها الفعل المصري ولا يقطع بها.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الخسّ

يقول المتحف المصري العالمي إنّ مين يُرسم كثيراً مع نبات الخسّ الطويل، واقفاً في حقل مقسوم أحواضاً، رآه المصريون فيما بعد مائدة قرابين، وإنّه اقترن بالخسّ منذ أواخر الدولة القديمة، ويرى بعض الباحثين صلة بين عصارة الخسّ البيضاء وماء الرجل. وفي «النزاع بين حورس وست» تأخذ إيزيس ماء ابنها حورس في إناء، وتذهب إلى بستان ست فتسأل البستاني: ما الذي يأكله ست عندك من النبات؟ فيقول: لا يأكل عندي إلّا الخسّ. فتضع ماء حورس على الخسّ، فيأكله ست على عادته، فيحمل من ماء حورس. فالخسّ في القصّة طريق البذر إلى البطن، كما هو في صور مين.

مين وپان

قرن اليونان مين بمعبودهم پان «پَان»، فسمّوا أخميم «پانوبوليس»، أي مدينة پان. ويقول ديودوروس الصقلّي إنّ المصريين يكرمون پان إكراماً خاصّاً، فأقاموا تماثيله في كلّ معبد، وسمّوا باسمه مدينة في الصعيد يسمّيها أهلها «خِمّو»، ومعناها مدينة پان. ويصف سترابون پانوبوليس بأنّها مستوطنة قديمة للنسّاجين والنحّاتين.

معبد مين في أخميم

ويقول المتحف المصري العالمي إنّ أخميم كانت مدينة كبيرة، أُخذت حجارة معابدها في القرن الرابع عشر الميلادي لبناء بيوت القرى المجاورة، وبقي على الجانب الشمالي الشرقي منها معبد منحوت في الصخر لمين، نُحت على الأرجح في عهد تحوتمس الثالث، وزُيّن في عهد آي، ورُمّم في عهد بطليموس الثاني.

القراءة الرمزية

تجعل مقالة إعادة القراءة المصرية أساطير مصر كلّها دائرة حول النيل: الفيضان خلق، والانحسار ظهور الأرض، والجفاف موت أوزيريس، والفيضان الجديد بعثه. وعيد مين يقع في أوّل فصل الحصاد، حين ينحسر الماء وقد نضج الزرع، والملك يحصد فيه أوّل حزمة.

وتقول ميرونوفا إنّ معنى العيد تجديد سلطان الملك وقوّته، فهو قريب من عيد اليوبيل، وإنّ رموزه تتّصل أيضاً برحلة الشمس اليومية، تغرب في الغرب وتُبعث في الشرق، وبالموت والبعث في الآخرة، فيتّصل بأعياد أوزيريس في شهر كيهك. فالقمر الجديد الذي يبدأ عنده العيد، والحزمة الأولى، والملك الذي يُتوَّج من جديد، كلّها بدايات تخرج من نهايات.

التوازيات عبر الحضارات

على لوحة من الحجر الجيري في المتحف البريطاني، من دير المدينة في الأسرة التاسعة عشرة، تقف المعبودة قادش بين مين ورشف الكنعاني، وفي الأسفل صاحب اللوحة قِح، رئيس العمّال في الجبّانة، وزوجته وابنه يعبدون عنات. فمين المصري، معبود الخصب، يقف على لوحة واحدة مع معبودَين من كنعان.

وعيد مين في أوّل الحصاد من أعياد التقويم الزراعي: الملك يحصد الحزمة الأولى عند هلال شهر الحصاد. ويبدأ العيد مع القمر الجديد في الشهر الذي يحمل اسم خونسو القمر.

وفي الدولة الحديثة عُدّ مين صورة من صور آمون، ويعرف المعجم المصري اسم «مين-آمون».

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. المتحف المصري العالمي: مين، أخميم.

  2. باكي مانزانو، «حجج أخرى في عمالقة قفط»، نشرة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية 102، 2002، ص 17–61.

  3. ميرونوفا، «عيد مين»، مشروع تقاويم الشرق الأدنى القديم وأعياده، جامعة سان بطرسبرغ.

  4. معهد غريفيث، جامعة أكسفورد: مخطوطات هوسكنز 3.49، موكب عيد مين في مدينة هابو.

  5. المتحف البريطاني: لوحة قِح.

  6. معجم المصرية: مين، مين قفط، ربّ أخميم، إقليم أخميم، ثور أمّه، حارس الثور الأبيض، الخسّ، مين-آمون، أنزل، الإنزال، ماء الرجل.

  7. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، «النزاع بين حورس وست»، ص 220؛ 3، لوحة بنترش، ص 90.

  8. ديودوروس الصقلّي 1.18؛ سترابون 17.1.41.

  9. المعاجم العربية، منى.