ملخص
خُونْسُو معبود القمر في طيبة. هو في «ثالوث طيبة» ابن آمون ومُوت، وأهمّ مواضع عبادته معبده داخل مجمع آمون في الكرنك. يُرسم رجلاً على رأسه الهلال والبدر معاً، ويُرسم أحياناً برأس صقر، وأحياناً طفلاً بخصلة الصبا واقفاً على التماسيح كما يقف حورس الطفل على اللوحات السحرية. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ اسمه من فعل مصري معناه «جال وتنقّل»، فهو الجوّاب الذي يقطع السماء كما يقطعها القمر، ولأنّ القمر عند المصريين أهمّ ما يُحسب به الوقت صار خونسو ربّ الوقت، يقدّر كم يعيش الإنسان وكم سنةً يحكم الملك.
وأقدم خبر عنه في نصوص الأهرام، في الترنيمة التي تُسمّى «ترنيمة آكل الآلهة»، المنقوشة في هرم الملك أُونَاس من الأسرة الخامسة ثم في هرم تِيتِي. تبدأ الترنيمة بالسماء تمطر والنجوم تظلم والأرض ترتجف حين يقوم الملك قوّةً «يعيش على آبائه ويتغذّى على أمّهاته»، ثم تعدّ أعوانه الذين يصطادون له الآلهة: واحد يلقي عليهم الحبل، وواحد يحرسهم ويمسكهم، وواحد يقيّدهم، ثم «خونسو قاتل الأسياد، هو الذي يذبحهم لأوناس، ويُخرج له ما في بطونهم، وهو الرسول الذي يُبعث ليعاقب»، ثم يقطّعهم شِسْمُو ويطبخهم في قدوره، فيأكل الملك سحرهم ويبتلع أرواحهم. ويكتب النصّ المصري اسمه هنا بالزاي، ويترجمه المعجم المصري «الجوّاب».
ثم صار في طيبة معبوداً شافياً يطرد الشرّ، ويقول المتحف المصري العالمي إنّ ذلك ربّما جاءه لأنّ الأمراض كانت تُنسب إلى أثر القمر. وأتمّ قصّة تُروى عنه قصّة «لوحة بِنْتْرِش». كان رمسيس الثاني في بلاد نهرين يجمع هدايا الأمراء، فقدّم له أمير «بَخْتَن» ابنته الكبرى مع هداياه، فأعجبته فجعلها زوجته الملكية الكبرى. وبعد سنين جاء رسول من الأمير يقول إنّ أختها الصغرى بنترش أصابها داء، ويطلب من الملك رجلاً عالماً. فأرسل الملك الكاتب تحوتي-م-حب، فوجدها مسكونة بروح، عدوّ يمكن أن يُقاتَل، لكنّه لم يقدر على إخراجه. فطلب الأمير معبوداً يقاتل الروح. فعرض الملك الأمر على «خونسو في طيبة، الكامل الرحمة»، فتوجّه هذا إلى «خونسو المدبّر، المعبود العظيم الذي يطرد شياطين المرض»، وأعطاه حمايته السحرية أربع مرّات، فسافر خونسو المدبّر في مركبه الكبير ومعه خمسة قوارب وعربة وخيل، فبلغ بختن بعد سنة وخمسة أشهر. فجعل حمايته على بنترش فشُفيت في الحال. وقال الروح للمعبود: مرحباً بك أيّها المعبود العظيم الذي يطرد شياطين المرض، بختن بيتك وأهلها عبيدك وأنا عبدك، سأرجع إلى حيث جئت، وطلب أن يُقام يوم عيد له ولأمير بختن. فقدّم الأمير قرباناً كبيراً للمعبود وللروح، فذهب الروح بسلام. ثم أراد الأمير أن يُبقي المعبود عنده، فبقي ثلاث سنين وتسعة أشهر، حتى رأى الأمير في منامه المعبود يخرج من مقصورته صقراً من ذهب ويطير نحو مصر، فأفاق مذعوراً وردّه بهدايا كثيرة وجنود وخيل. فلمّا بلغ طيبة وضع خونسو المدبّر الهدايا كلّها أمام خونسو الكامل الرحمة، ولم يأخذ لبيته منها شيئاً. واللوحة تبدو من عهد رمسيس الثاني، لكنّ ليشتهايم تقول إنّها كُتبت في العصر الفارسي أو البطلمي.
والفكرة التي تدور عليها أخبار خونسو أنّه الذي يذهب ويرجع. في أقدم نصّ يجول ليذبح الأسياد للملك، وفي طيبة هو القمر الذي يقطع السماء ثم يغيب ويعود، فيُحسب بمسيره الشهر ويُقدَّر به عمر الإنسان، وفي لوحة بنترش يسافر إلى بلد بعيد فيطرد الداء ثم يرجع إلى بيته صقراً. وفي التقويم المصري شهر يُسمّى باسمه، «شهر خونسو»، وهو الشهر الأوّل من فصل الحصاد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرؤه المقالة المصرية في هذا المشروع من «خنس»، ومعناه عندها السير والذهاب، وتعطي القراءة درجة «عالية». والحروف كلّها في مكانها: الخاء خاء، والنون نون، والسين سين، والواو الأخيرة لاحقة مصرية. أمّا المعنى فالمعجم العربي يعطي «خَنَسَ» معنى الرجوع والتأخّر والاستتار: خنس الكوكب أي رجع أو غاب، و«الخُنَّس» في سورة التكوير النجوم التي ترجع في مسيرها وتختفي في ضوء الشمس، و«اللّيالي الخُنَّس» الليالي الثلاث من الشهر التي يغيب فيها القمر. فالفعل المصري يعطي الاسم الذهاب، والعربي يعطيه الرجوع والغياب، والقمر يفعل الأمرين: يقطع السماء، ثم يرجع ويختفي ثلاث ليال، ثم يعود.
الجذر اللغوي
«خَنَسَ»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Ḫnz.w «خِنْزُو» | «الجوّاب»، اسم المعبود في «ترنيمة آكل الآلهة» | معجم المصرية |
| Ḫns.w «خِنْسُو» | خونسو، اسم المعبود بعد ذلك | معجم المصرية |
| ḫnz «خِنِز» | اجتاز البلاد، مرّ بها | معجم المصرية |
| Ḫns «خِنِس» | قناة في السماء في نصوص الأهرام، يترجمها ألن «قناة الذهاب والإياب» | معجم المصرية |
| Ḫns.w «خِنْسُو» | «شهر خونسو» | معجم المصرية |
| خَنَسَ، الخُنَّس | رجع وتأخّر واستتر؛ النجوم التي ترجع وتختفي | معجم لين، خنس |
تقول المقالة المصرية إنّ خونسو معبود القمر والوقت والرحلات، وإنّ الجذر «خنس» بمعنى سار وذهب يناسب حركة القمر في السماء ليلاً، وتجعل إلى جانبه «خنش» بمعنى ركض، لسرعة القمر.
وحروف الاسم ثلاثة: الخاء والنون والسين، والواو بعدها لاحقة يفصلها المعجم المصري بنقطة. والخاء المصرية صوت الخاء العربية نفسه، والنون نون. وفي السين أمر واحد يحتاج إلى بيان: نصوص الأهرام تكتب الاسم بعلامة الزاي، وكانت المصرية القديمة تفرّق بين علامتين للسين والزاي، ثم صارتا منذ الدولة الوسطى علامتين لصوت واحد، وتكتبهما القبطية سيناً. ويذكر بويست أنّ هومِل قابل علامة الزاي بالسامِخ العبرية، وهي السين العربية. فالاسم بحروفه «خنس».
والمعنى في معجم لين: «خَنَسَ» تأخّر ورجع وانقبض، واستتر وغاب، و«خنس الكوكب» رجع في مسيره، أو غاب كما يغيب الظبي في كناسه. و«الخُنَّس» في قوله تعالى «فلا أقسم بالخنّس، الجوار الكنّس» النجوم كلّها لأنّها تغيب عند الغروب أو تستتر بالنهار، أو الكواكب الخمسة لأنّها ترجع في مسيرها، وقيل لأنّها ترجع حتى تختفي في ضوء الشمس. و«اللّيالي الخُنَّس» الليالي الثلاث من الشهر القمري التي يغيب فيها القمر. وفي الحديث أنّ النبيّ قال: «الشهر هكذا وهكذا»، وفي الثالثة خنس إصبعه، أي ثناها، ليعلمهم أنّ الشهر تسعة وعشرون. فالكلمة العربية نفسها تعدّ الشهر بغياب القمر.
وفي المصرية الفعل ḫnz «خِنِز»: اجتاز البلاد ومرّ بها، ومنه لقب «الذي يجتاز السماء كلّ يوم»، ويجعله المعجم المصري من جذر «الجوّاب» نفسه. وفي نصوص الأهرام قناة في السماء اسمها Ḫns «خِنِس»، يحذَّر منها الميت لأنّها تؤدّي إلى الموتى، ويترجمها ألن «قناة الذهاب والإياب». فالمصرية تحفظ الذهاب، والذهاب والإياب معاً، والعربية تحفظ الرجوع والغياب.
فالقراءة التي نثبتها: خونسو هو «خَنَس» العربية بحروفها، وقراءة المقالة صحيحة في جذرها. أمّا معنى السير والذهاب الذي تعطيه فهو معنى الفعل المصري، ومعنى «خنس» في المعاجم الرجوع والاستتار، والقمر يجمع المعنيين.
وأمّا «خنش» فلا تعرف المعاجم منها الركض، وإنّما «الخُنْشُوش» بقيّة المال، وفيها شين لا يقابلها شيء في الاسم المصري.
التحوّلات المستعملة: الخاء خاء؛ النون نون؛ الزاي القديمة سين بعد اندماجها فيها؛ الواو الأخيرة لاحقة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
صور خونسو في طيبة
كان لخونسو في طيبة صور كثيرة، يذكر منها نقش مونتمحات في معبد موت في الكرنك سبعاً. ويذكر تمثال مونتمحات منها «خونسو الطفل» و«خونسو حاسب العمر»، ويذكر «الخونسوات الثلاثة»، وترى ليشتهايم أنّهم «خونسو في طيبة، الكامل الرحمة»، و«خونسو المدبّر»، وثالث معهما، يظهر الثلاثة معاً على آثار كثيرة. ويقرنه المصريون بمعبودات أخرى: فهو «خونسو-شو» لأنّ أباه آمون اقترن برع، وابن رع شو، وفي نصوص الدفن يعين «خونسو-شو» روح الميت في رحلتها إلى السماء، وهو «خونسو-رع» لأنّ القمر عندهم شمس الليل، وهو «خونسو-تحوت»، ومعه تحوت أقرب معبودات القمر إليه.
ورم خونسو
وفي «كتاب الأورام» من بردية إيبرس الطبية ورم يُسمّى «ورم خونسو»، يصفه الطبيب بأنّه كبير غير مستوٍ، كأنّ فيه هواء، تثقل به الأعضاء التي يكون فيها. فالمعبود الذي يطرد شياطين المرض في لوحة بنترش له في كتب الأطبّاء داء يُعرف باسمه.
القمر الذي يُغلب في لعبة
ويروي بلوتارخ أنّ هرمس، وهو عند اليونان تحوت، لعب مع القمر لعبة على رقعة فربح منه جزءاً من سبعين من كلّ مدّة من مدد نوره، فجمع منها خمسة أيام زادها على السنة، وهي الأيام التي وُلد فيها أوزيريس وإخوته. ولا يسمّي بلوتارخ القمر خونسو، لكنّ خبره يجعل القمر هو الذي يُنقص من نوره فيُصنع منه الوقت.
القراءة الرمزية
تجعل مقالة إعادة القراءة المصرية خونسو القمر، «المسافر الليلي»، وتجعل تحوت «عقل القمر»، أي الحساب والتقويم. فالقمر عندها صورتان: صورة الحركة في خونسو، وصورة العدّ في تحوت.
ويجمع اسم خونسو في العربية الصورتين. فالذي يسير ويرجع ويغيب ثلاث ليال هو الذي يُعدّ به الشهر، كما خنس الإصبع في الحديث ليُعدّ به. ويقول المتحف المصري العالمي في شرح الثالوث إنّ آمون وخونسو عند المصريين معبود واحد في وجهين: يولد آمون من جديد خونسو، وخونسو آمون الشابّ، وآمون خونسو الشيخ، في دورة من الموت والولادة لا تنقطع. فالقمر الذي يصغر ثم يكبر في كلّ شهر هو صورة هذه الدورة.
التوازيات عبر الحضارات
في أوغاريت اسم القمر يرخ هو اسم الشهر، ونقرؤه من «ورّخ» و«أرّخ»، أي حدّد الوقت. وخونسو في طيبة يُسمّى به شهر، ويُسمّى «حاسب العمر». فالقمر في البلدين هو الذي يُعدّ به الوقت، وفي الاسمين جميعاً ذلك العدّ.
وفي سومر يبني نانّا، قمر أور، مركباً ويسافر فيه إلى نِبْرُ، فيعطيه أبوه إنليل خيرات النهر والحقل والبستان، و«في القصر أعطاه طول العمر»، فيرجع إلى أور. وخونسو في لوحة بنترش يسافر في مركبه إلى بختن، ثم يرجع إلى طيبة بهدايا كثيرة. فالقمر في القصّتين مسافر يرجع إلى بيته محمّلاً، وفي القصّتين العمر الطويل بيد القمر.
وفي الشمال ماني القمر رجل يسوق القمر ويحكم نموّه ونقصانه، و«ليعدّ الناس به السنين»، ويسمّيه الألفار «عادّ السنين». وخونسو «حاسب العمر». فالقمر في الحضارتين ذكر، وعمله العدّ.
ويقول المتحف المصري العالمي إنّ اليونان قرنوا خونسو بـهيراكليس ابن زيوس، وزيوس عندهم آمون، لأنّ خونسو اقترن بشو الذي يرفع السماء.
وخونسو في «ترنيمة آكل الآلهة» يذبح الأسياد للملك ليأكل سحرهم، والسحر الذي يأكله الملك في الترنيمة نفسها هو حِكا.
والشهر الذي يحمل اسمه أوّل شهور الحصاد، وعند هلاله يُقام عيد مين، فيحصد الملك الحزمة الأولى، وهذا من التقويم الزراعي. ميرونوفا، «عيد مين».
وعند الإغريق القمر سيليني، يمتلئ مدارها في منتصف الشهر فتكون «علامة وآية للناس» يعرفون بها الوقت، كما يُعدّ الشهر بمسير خونسو، في سيليني.