الرئيسية/الكيانات/ماتاريشڤان

ماتاريشڤان

ملخص

ماتاريشڤان، mātariśvan «ماتَرِشْڤَن»، هو الذي جاء بالنار إلى الناس في أناشيد «الرِّگ ڤيدا». كانت النار، أي أجني، قد غابت عن الأرض واختبأت، فجاء بها ماتاريشڤان من السماء ومن بعيد، «من عند الآلهة»، وأعطاها البيوت. ويقول النشيد 3.9 إنّ أجني كان يمضي على هواه «مخبوءاً عن أعيننا»، فجاء به ماتاريشڤان «من بعيد، مستخرَجاً بالفرك، من عند الآلهة». ويقول النشيد 1.93، وهو نشيد لأجني والسوما معاً: «أحدكما جاء به ماتاريشڤان من السماء، والآخر انتزعه الصقر من الصخر».

ويسمّيه النشيد 6.8 «رسول ڤيڤَسْڤَت»، أبي ياما: جاء بأجني ڤايشڤانَرا، النار التي لكلّ الناس، من مكان بعيد. ويقول النشيد 3.5 إنّه أوقد حامل القرابين «وهو في الخفاء»، بعيداً عن البْهْرِگو، وهم أسرة الكهنة الأولى التي تُنسب إليها النار، ويقول النشيد 1.71 إنّه حين فرك النار «صارت في كلّ بيت مضيئة كريمة». والفعل في هذه المواضع كلّها math «مَث»، أي فرك ودوّر، وهو الفعل الذي تُوقد به النار بعودين يُدار أحدهما في الآخر.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ النار شيء يغيب ويُستعاد، وأنّ استعادتها صنعة: لا يسرقها ماتاريشڤان كما يسرقها بروميثيوس، وإنّما يأتي بها رسولاً، ويُخرجها بالفرك. ولهذا يصير الاسم في نشيد آخر اسماً لأجني نفسه. يبدأ النشيد 3.29 بأدوات الإيقاد: «هذا عود الفرك، وهذا ما يتلقّى الشرر»، ثم يقول إنّ أجني راقد في العودين «كالجنين المحفوظ في الحوامل»، ثم يقول: «حين يتكوّن في أمّه يكون ماتاريشڤان، ويصير في جريه اندفاع الريح». فالنار التي تخرج من العود هي القادم من بعيد، وهي الجنين الذي ينمو في أمّه حتى يشتعل.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا. يأتي في الأناشيد مرفوعاً mātariśvā «ماتَرِشْڤا»، والنون تسقط في الرفع، فالجذع mātariśvan «ماتَرِشْڤَن». وهو كلمتان: mātari «ماتَرِ»، وهي «الأمّ» مجرورة بحرف الظرف، والياء في آخرها علامة الظرفية تُنزع، وśvan «شْڤَن»، والنون فيه لاحقة. والنشيد نفسه يفسّر الجزء الأوّل: «في أمّه». ويبقى من الجزء الثاني śv «شْڤ»، فنقرؤه «شَبَّ»: الشين بالشين، والڤاء بالباء، والباء المشدّدة في العربية تأتي في اللسان الآخر حرفاً واحداً. وفي معجم لين «شبّ الغلام» صار فتى، و«شبّ النار» أوقدها، و«شبّت النار» اشتعلت والتهبت. فماتاريشڤان على هذه القراءة «الذي يشبّ في أمّه»: ينمو فيها كما ينمو الجنين، ويشتعل منها كما تشتعل النار من عودها. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالات الهندية في هذا المشروع لا تقرأ هذا الاسم.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق اللسان المعنى
mātariśvan، mātariśvā ماتَرِشْڤَن، ماتَرِشْڤا السنسكريتية الجذع، والمرفوع
mātṛ، mātari ماتْرِ، ماتَرِ السنسكريتية الأمّ؛ «في الأمّ»؛ والمثنّى: العودان اللذان تُوقد بهما النار
śvi شْڤِ السنسكريتية انتفخ، نما، زاد
math، mathita مَث، مَثِتَ السنسكريتية فرك ودوّر؛ المستخرَج بالفرك
شَبَّ العربية صار فتى؛ أوقد النار؛ اشتعلت النار
שָׁבִיב شاڤيڤ العبرية اللهب
שְׁבִיב شِڤيڤ الآرامية اللهب
زَنْد، زَنْدة العربية العود الأعلى والعود الأسفل اللذان تُقدح بهما النار

صيغة الاسم

يقول مونير وليامز إنّ mātariśvan «ماتَرِشْڤَن» ربّما معناه «النامي في الأمّ»، أي في عود الإيقاد، من الجذر śvi «شْڤِ»، وإنّه كائن قريب من أجني، رسول ڤيڤسڤت الذي جاء بالنار المخبوءة إلى البهرگو، وإنّ الشارح سايَنا يجعله في النشيد 1.93 «الريح»، وإنّ معنى الريح يأتي في «الأتهرڤ ڤيدا» وما بعدها. ويقول في mātṛ «ماتْرِ» إنّها الأمّ، وإنّ مثنّاها وجمعها في «الرگ ڤيدا» العودان اللذان تُوقد بهما النار. ويقول في śvi «شْڤِ» إنّه انتفخ ونما وزاد. وكان أدالبرت كون قد نقل سنة 1859 عن رودولف روث هذا التفسير نفسه: «الذي ينتفخ في الأمّ ويخرج منها»، والأمّ عنده السحابة أو عودا الإيقاد، وسمّى روث ماتاريشڤان «پروميثيوس آخر».

الاختبارات الأربعة

الصيغة المشهودة: الاسم في الأناشيد mātariśvā «ماتَرِشْڤا» مرفوعاً، وجذعه بالنون، والجزء الأوّل ظرف من «الأمّ» يقوله النشيد 3.29 صراحة: «حين يتكوّن في أمّه». فلا نقرأ الجزء الأوّل قراءة جديدة. وتقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع māter «ماتِر» كلمةً للأمّ في السامية والهندية الأوروبية معاً، غير أنّ «أمّ» العربية فيها الميم وحدها، ولا مقابل فيها للتاء والراء.

المقابلة المنتظمة: الشين السنسكريتية صوت صفيري من مخرج الشين، والباء العربية تقابل الڤاء والواو في مجموعة الشفويات في جدول قوانين جذور، والتشديد يأتي حرفاً واحداً في اللسان الآخر. والنون في آخر śvan «شْڤَن» لاحقة الجذع، كما في جذوع أخرى من هذا الوزن يذكرها مونير وليامز. ويبقى الفرق أنّ الڤاء السنسكريتية حرف لين، والباء العربية حرف شديد.

معنى لين: «شبّ الغلام» صار فتى، و«شبّ الفرس» نشط ورفع يديه معاً، و«شبّ النار» أوقدها، و«شبّت النار» اشتعلت والتهبت. وفي العبرية šābîb «شاڤيڤ» اللهب، في سفر أيّوب 18: 5 بجانب «النور»، وفي آرامية سفر دانيال šəbîbā dî nūrā «شِڤيڤا دي نورا»، «لهيب النار»، فالمادّة نفسها تسمّي اللهب في ثلاثة ألسن.

موافقة القصّة: يقول النشيد 3.29 إنّ أجني راقد في العودين كالجنين في الحوامل، وإنّه حين يتكوّن في أمّه يكون ماتاريشڤان، ثم يصير اندفاع الريح. ففي «شبّ» المعنيان اللذان يجمعهما النشيد: الصغير الذي ينمو، والنار التي تشتعل. وفي العربية أيضاً أداة الإيقاد نفسها: «الزَّنْد» العود الأعلى، و«الزَّنْدة» العود الأسفل الذي فيه الحفرة، كما يقول لين، وهما في النشيد العود الذي يُدار والعود الذي يتلقّى.

والقراءة مفتوحة: يرجع نحاة الهند śvi «شْڤِ» إلى śū «شو»، الانتفاخ، ولا يذكرون فيه النار. ويحسمها شاهد هندي إيراني من هذا الجذر يُقال في النار والإيقاد، أو كلمة سامية من الشين والباء تُقال في نموّ الجنين.

السرديات الأسطورية الرئيسة

النار المخبوءة والبهرگو

تجعل الأناشيد النار شيئاً يُوجد ثم يختفي. يقول النشيد 3.5 إنّ ماتاريشڤان أوقدها «وهي في الخفاء»، ويقول النشيد 1.71 إنّه حين فركها صارت في كلّ بيت، وذهبت كالبهرگو رسولاً إلى ملك أعظم. ويقول كون إنّ البهرگو في أناشيد أخرى هم الذين تتبّعوا أثر النار ووجدوها في المخبأ وأنزلوها بين الناس، فهم يقومون بعمل ماتاريشڤان نفسه، وإنّ أسماء جالبي النار في الهند تصير أسماء للنار ذاتها.

النار والسوما: نزولان

يجمع النشيد 1.93 قصّتين في بيت واحد: النار جاء بها ماتاريشڤان من السماء، والسوما انتزعها الصقر من الصخر. فالقربان الفيدي يقوم على شيئين نزلا من فوق، اللهب الذي يحمل القربان، والشراب الذي يُصبّ فيه، وقصّة الصقر الذي يحمل السوما تعود في الكتب المتأخّرة مع غارودا الذي يحمل شراب الخلود. وكتاب كون كلّه مبنيّ على هذا البيت: «نزول النار وشراب الآلهة».

الريح

يختم النشيد 3.29 بيته بأنّ ماتاريشڤان يصير «اندفاع الريح»، ويجعله سايَنا الريح نفسها في النشيد 1.93، وفي الكتب المتأخّرة صار اسماً من أسماء ڤايو. ويقول كون إنّ لهذا المعنى وجهاً، لأنّ السحابة تحمل في جوفها البرق والمطر والعاصفة التي تسوقها، فالريح أيضاً يصحّ أن تُسمّى «النامي في الأمّ».

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الهندية أجني تفاعلاً كيميائياً هو الاحتراق، وتقرأ المقالة الإغريقية الأخرى سرقة النار عند بروميثيوس اكتشافاً لإشعال النار بالاحتكاك، وتسمّيه أعظم ثورة تقنية في تاريخ البشر. وقصّة ماتاريشڤان أقرب إلى هذه القراءة من قصّة بروميثيوس نفسها، لأنّ الأناشيد تذكر الأداة: عود يُدار في عود، وشرر يقع على ما يتلقّاه، ونار تُسمّى «المستخرجة بالفرك». فالنار التي «جاءت من بعيد» هي النار التي يُخرجها الإنسان كلّ يوم من الخشب، والرسول الذي جاء بها هو اسمها حين تولد من عودها.

التوازيات عبر الحضارات

يسرق بروميثيوس النار من زيوس ويحملها إلى البشر في ساق نبات مجوّفة، ويأتي ماتاريشڤان بالنار من عند الآلهة رسولاً ولا يُعاقب، ويقدح لوغالبندا النار وحده من حجرين، وتقتل النار أمّها عند ولادتها في قصّة كاغوتسوتشي. وتجمع هذه الروايات صفحة سرقة النار. «الثيوغونيا» 565–567.

وفي إيران تُسمّى النار آتر، ويُقال إنّها ابن أهورا مزدا، وتشتعل في فكّي التنّين إن أخذ المجد، وفي الهند تُسمّى أجني، ويقرأ المقال الهندي في هذا المشروع اسمه «أجّ»، وتقرأ صفحة كاغوتسوتشي اسم النار اليابانية بالجذر نفسه. فالنار في الألسن الثلاثة تُسمّى بصوت اشتعالها أو بفعل إيقادها، كما يُسمّى جالبها في الهند «الذي يشبّ في أمّه».

ويحمل الصقر السوما من الصخر في البيت الذي يحمل فيه ماتاريشڤان النار، كما يحمل غارودا شراب الخلود في طعام الخلود، وكما يأخذ أودين في صورة نسر شراب الشعر من الجبل. فالسماء في هذه القصص تحفظ النار والشراب معاً، والذي ينزل بهما رسول أو طائر.

وجالبو النار من الأبطال الحضاريين، غير أنّ ماتاريشڤان لا يحتال، فلا يدخل في المحتالين كما يدخل بروميثيوس بحيلته في ميكوني.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «الرگ ڤيدا»، ترجمة گريفيث: 1.71، 1.93، 3.5، 3.9، 3.29، 6.8.

  2. مونير وليامز: ماتريشڤن، ماتْرِ، شْڤِ.

  3. أدالبرت كون، «نزول النار وشراب الآلهة»، برلين 1859.

  4. هسيود، «الثيوغونيا» 561–569.

  5. معجم لين: شبب، زند؛ معجم براون ودرايفر وبرِغز: شاڤيڤ، شِڤيڤ.

  6. «الثيوغونيا» 535–569