ثريم

ملخص

ثريم عملاق في أساطير الشمال، «سيّد العمالقة» في بلادهم يوتنهايم، سرق مطرقة ثور ميولنير، وأبى أن يردّها إلّا أن يُزوَّج فريا. لا يُعرف خبره إلّا من قصيدة واحدة في «الإدّا الشعرية»، «أنشودة ثريم» «ثْرِيمْسْكْفِيذا»، المحفوظة في مخطوطة من نحو سنة 1270م.

استيقظ ثور غاضباً فلم يجد مطرقته، فهزّ لحيته ونفض شعره، وقال لـلوكي: اسمع ما لا يعلمه أحد في الأرض ولا في السماء، سُرقت مطرقة الإله. فذهبا إلى فريا فأعارت لوكي ريش الطيران، وقالت: لو كان من ذهب أو فضّة لأعطيتك إيّاه. فطار لوكي حتى خرج من حمى الآسير ودخل ديار العمالقة. وكان ثريم جالساً على تلّ يفتل لكلابه أطواقاً من ذهب، ويسوّي لأفراسه أعرافها، فقال: كيف حال الآسير؟ كيف حال الألفار؟ ولماذا جئت وحدك إلى بلاد العمالقة؟ فقال لوكي: الآسير في سوء، والألفار في سوء، أأنت خبّأت المطرقة؟ فقال ثريم: خبّأتها ثماني فراسخ تحت الأرض، ولن يستردّها أحد إلّا أن يأتيني بفريا زوجة.

فرجع لوكي بالخبر، فقالا لفريا: البسي ثوب العروس، نمضي إلى بلاد العمالقة. فغضبت فريا ونفخت، فاهتزّت قاعة الآسير كلّها تحتها، وانقطعت قلادتها العظيمة، قلادة البريسينغ، وقالت: تعرفونني إذن أشدّ النساء شهوة إن ذهبت معكم. فاجتمع الآلهة والربّات يتشاورون، فقال هايمدال: نلبس ثور ثوب العروس، ويلبس القلادة العظيمة، وتتدلّى المفاتيح من حزامه، وتنزل ثياب النساء على ركبتيه، وعلى صدره الحليّ العريضة، ونزيّن رأسه. فقال ثور: يسمّيني الآسير مخنّثاً إن لبست ثوب العروس. فقال لوكي: اسكت يا ثور، سيسكن العمالقة أسغارد عمّا قريب إن لم تستردّ مطرقتك. فألبسوه، وذهب لوكي معه في صورة خادمة. فجرت العنزان، وتكسّرت الجبال، واشتعلت الأرض ناراً، ومضى ابن أودين إلى بلاد العمالقة.

فقال ثريم: قوموا أيّها العمالقة، وافرشوا المقاعد، فقد جاؤوني بفريا ابنة نيورد. في حظيرتي بقرات ذهبية القرون، وثيران سود كلّها يتمتّع بها العملاق، وعندي كثير من الكنوز وكثير من الحليّ، ولم يكن ينقصني إلّا فريا. وفي المساء قُدّمت الجعة، فأكلت العروس وحدها ثوراً كاملاً وثماني سمكات من السلمون وكلّ الطعام الذي صُنع للنساء، وشرب «زوج سيف» ثلاثة براميل من الشراب. فقال ثريم: أين رأيتم عروساً تأكل أكثر من هذا؟ فقالت الخادمة الذكيّة: لم تأكل فريا شيئاً ثماني ليال من شوقها إلى بلاد العمالقة. فرفع ثريم الخمار ليقبّلها، فوثب إلى آخر القاعة وقال: لماذا عينا فريا مخيفتان؟ كأنّ ناراً تشتعل منهما. فقالت الخادمة: لم تنم فريا ثماني ليال من شوقها. ثم دخلت أخت العملاق تطلب هديّة العروس، الخواتم الحمراء.

فقال ثريم: هاتوا المطرقة لتباركوا بها العروس، ضعوا ميولنير في حجر الفتاة، وزوّجونا بيد الربّة ڤار. فضحك قلب ثور في صدره حين عرف مطرقته، فقتل ثريم أوّلاً، سيّد العمالقة، وضرب أهله كلّهم، وقتل الأخت العجوز التي طلبت الهديّة، فنالت ضربة بدل الدراهم، وضربة المطرقة بدل الخواتم. «وهكذا استردّ ابن أودين مطرقته».

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ السلاح الذي يحمي الآلهة صار رهناً بربّة الخصب، وأنّ الآلهة استردّوه بالحيلة لا بالقوّة، وأنّ طقس العرس نفسه هو الذي ردّ المطرقة إلى صاحبها: المطرقة التي توضع في حجر العروس لتباركها وُضعت في حجر ثور. وثريم غنيّ بكلّ شيء، بالبقر والثيران والذهب، ولا ينقصه إلّا فريا، كما طلبها البنّاء ثمناً لسور أسغارد، وكما قال العملاق هرونغنير إنّه سيأخذها معه. فالعمالقة يطلبون من الآلهة الشيء الوحيد الذي لا يُشترى، والآلهة لا يعطونه. ويدير الحيلة لوكي، كما في قصص المحتال، والعرس عرس مزيّف يقلب الزواج المقدّس: العروس هي إله العاصفة نفسه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالان لا يقرآنه: الراء الأخيرة في Þrymr «ثْرِيمْر» علامة الرفع النوردية، تسقط في النصب، فتقول القصيدة: Þrym drap hann fyrstan «ثْرِيم دْرَاب هَانّ فِيرْسْتَان»، أي «قتل ثريمَ أوّلاً». فيبقى Þrym- «ثْرِيم». والحرف þ هو الثاء العربية، كما يُقرأ اسم ثور على هذه الموسوعة «ثَوْر»، والراء راء. فهو «ثَرا»، ومنه «الثَّرْوة»، والميم تقابل الواو، وهما من مجموعة الحروف الشفوية التي يجمعها مشروع جذور في مجموعة واحدة. وفي معجم لين «ثَرا القومُ» كثر عددهم، و«ثَرا المالُ» كثرت الماشية وغيرها، و«الثَّرِيّ» الكثير المال، و«الثَّرْوة» كثرة العدد والمال. فثريم على هذه القراءة «الثَّرِيّ»، كثير الماشية والرجال، وهذا ما تجعله القصيدة: يجلس على تلّه يفتل أطواق الذهب لكلابه، ويعدّ بقراته ذهبية القرون وثيرانه السود وكنوزه وحليّه، ولا ينقصه إلّا فريا. وفي الإنجليزية القديمة كلمة أخت لاسمه، þrymm «ثْرِيمّ»، معناها الجمع الكثير والجيش.

الجذر اللغوي

ثريم و«الثَّرْوة»

الصيغة النطق ما هي
Þrymr ثْرِيمْر الرفع
Þrym ثْرِيم النصب، «قتل ثريمَ أوّلاً»
Þrymskviða ثْرِيمْسْكْفِيذا «أنشودة ثريم»، وفيها Þryms «ثْرِيمْس» الإضافة
þrymr ثْرِيمْر اسم معناه الضجّة والصيحة في القتال
Þrymheimr ثْرِيمْهَايْمْر دار العملاق ثياتسي في الجبال
ثَرا، ثَرْوة ثاء وراء ثم واو اللفظ العربي الذي نقرأ به الاسم

يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ þrymr «ثْرِيمْر» اسم معناه الصيحة والضجّة، ويأتي كثيراً في الشعر للقتال، ومنه مركّبات يُكنّى بها المحارب، ويذكر صفة أخرى بالرسم نفسه معناها «المجيد»، أختها في الإنجليزية القديمة þrym «ثْرِيم». ويجعل أوريل الاسم من أصل جرماني *þrumiz «ثْرُومِيز»، وفيه النوردية þrymr «ثْرِيمْر»، الضجّة والصيحة، والإنجليزية القديمة þrymm «ثْرِيمّ»، الجيش والحشد والجمع الكثير، ويرى صلته «محتملة» باللاتينية turma «تُورْما»، الكتيبة من الفرسان.

وفي معجم لين: «ثَرا القومُ» كثروا وزادوا، و«ثَرا المالُ» كثرت الماشية وغيرها، و«ثَرِيَ» كثر ماله، و«الثَّرِيّ» الكثير، يوصف به الجمع من الناس، و«الثَّرْوة» كثرة المال، و«ثَرَوْناهم» كنّا أكثر منهم عدداً أو مالاً، و«ثَرِيتُ به» فرحت به. معجم لين، ثرو. فالمعنيان اللذان في الكلمة الجرمانية، الجمع الكثير والصوت الذي يصدر عنه، يلتقي الأوّل منهما بالثروة العربية التي هي كثرة العدد والمال معاً. والثاء تقابل þ «ث» بلا إبدال، والراء راء، والميم تقابل الواو في مجموعة الحروف الشفوية، وهذا موضع الضعف في القراءة: المجموعة تجمع الحرفين، لكنّ الميم في الكلمة الجرمانية من الجذر، والواو في «ثرو» من الجذر أيضاً.

قراءتان أخريان

وفي العربية «ضَرِمَ»: في معجم لين «ضَرِمَت النار» اشتعلت والتهبت، و«ضَرِمَت الحرب» اشتعلت واشتدّت، و«ضَرِمَ الرجل» اشتدّ جوعه، و«ضَرِمَ في الطعام» أقبل على الأكل بقوّة لا يترك منه شيئاً، و«ضَرِمَ عليه» اشتدّ غضبه. وهذا يلقى معنى الضجّة في القتال في الكلمة النوردية، ويلقى في القصيدة العروس التي تشتعل النار من عينيها وتأكل الثور كلّه. لكنّ الضاد ليست مقابلاً منتظماً لـþ «ث»، والمعاني تصف ثور المتنكّر لا ثريم. معجم لين، ضرم. وفيها «ثَرَمَ»، وحروفه حروف الاسم كلّها على ترتيبها، لكنّ معناه في معجم لين أن تنكسر الثنيّة من الأسنان، وهو معنى لا تعرفه القصّة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

العرس والمطرقة

يقول شرح موقع «حكايات الشمال» على البيت الثلاثين إنّ وضع المطرقة في حجر العروس كان على الأرجح طقساً حقيقياً من طقوس العرس عند أهل الشمال، تشهد له عادات شعبية متأخّرة. وفي القصيدة تفاصيل أخرى من لباس العروس والعرس: ثوب الكتّان والخمار، والمفاتيح على الحزام علامة ربّة البيت، والحليّ العريضة على الصدر، وهديّة العروس التي تطلبها أخت العريس، والزواج «بيد ڤار»، الربّة التي تسمع ما يتعاهد عليه النساء والرجال وتنتقم ممّن ينقضه.

زمن القصيدة

لا تحفظ القصيدة إلّا مخطوطة الإدّا الملكية، ويختلف الدارسون في زمنها: جعلها بعضهم من القرن الثالث عشر متأثّرة بالأغاني الشعبية، وجعلها آخرون من القرن العاشر. ولا يذكر سنوري ثريم في «خداع غيلفي»، وإن ذكر أنّ العمالقة طلبوا فريا ثمناً لسور أسغارد.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» مطرقة ثور على أنّها الصاعقة والمطرقة الحقيقية معاً: الصاعقة هي القوّة التي تكسر الجليد، والمطرقة أداة البناء، ورمي المطرقة وعودتها البرق الذي يضرب ثم يختفي. وتقرأ قتال ثور للعمالقة قتال الإنسان للطبيعة القاسية. ولا تقرأ المقالة هذه القصيدة، فإن مُدّت قراءتها إليها كانت المطرقة المخبّأة ثماني فراسخ تحت الأرض البرق الغائب، ثم يعود في عرس، والعرس في القصّة رهن بالخصب الذي تمثّله فريا.

والقصيدة نفسها أوضح في قراءة اجتماعية: الزواج فيها مبادلة بين جماعتين، يطلب فيها الغنيّ زوجة من جماعة أخرى ويدفع لها، وتطلب أخته هديّة العروس. والآلهة يأبون أن تخرج فريا إلى العمالقة كما يأبون في كلّ قصّة، ويقلبون المبادلة بالحيلة، فيدخل العروسَ رجلٌ، ويخرج المهرُ مطرقةً.

التوازيات عبر الحضارات

في «المكتبة» المنسوبة إلى أبولّودوروس يغلب تايفون زيوس في الالتحام، فينتزع أوتار يديه ورجليه ويخبّئها في مغارة، فيسرقها هرمس وأيغيبان ويردّانها إليه، فيعود زيوس إلى صاعقته. وفي الملحمة الأكدية يسرق الطائر أنزو لوح الأقدار من إنليل وهو يغتسل، فيستردّه نينورتا بالقتال. ففي القصص الثلاث يُسرق من إله العاصفة أو من سيّد الآلهة ما به قوّته، ويُخبّأ عند خصم من خارج عالم الآلهة، ثم يُستردّ. ويختلف الاسترداد: بالسرقة الخفيّة عند الإغريق، وبالحرب في بلاد الرافدين، وبالتنكّر في ثياب العروس في الشمال، وهو ما يجعل لوكي في هذه القصّة شبيهاً بهرمس، المحتال الذي يدبّر الاسترداد.

وتقع القصيدة بين إله العاصفة الذي يُسرق سلاحه، والمحتال الذي يردّه، والزواج المقدّس الذي يُقلب فيه العرس على صاحبه.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «أنشودة ثريم»، النصّ والترجمة والشرح، النصّ النوردي وترجمة مقابلة، «خداع غيلفي»، 35 و42.

  2. كليسبي وفيغفوسون، الضجّة ودار ثياتسي، أوريل، ص 427، معجم لين، ثرو وضرم وثرم.