عَثْتَر

ملخص

عَثْتَر معبود في ألواح أُوغارِيت، تكتب الألواح اسمه ʿṯtr «عَثْتَر»، وإذا زيدت على اسمه تاء التأنيث صار عشتروت. وكان عند عرب الجنوب القدماء من كبار معبوداتهم، يُدعى في نقوش السدود والقنوات التي تسقي النخيل، ويرى أكثر الباحثين أنّ اسمه في الأصل اسم كوكب الزهرة، نجم الصباح.

وأتمّ خبره في اللوح السادس من «دورة بعل». مات بعل، فدفنته عنات على جبل صفون بعون شبش، ثم ذهبت إلى إيل عند منبع النهرين، فسجدت عند قدميه وقالت: لتفرح الآن أثيرة وأبناؤها، فقد مات بعل القويّ. فنادى إيل أثيرة: أعطيني أحد أبنائك أجعله ملكاً. فقالت: ألا نملّك من له علم وفطنة؟ ثم قالت: لنملّك عثتر الساطع، فليملك عثتر. فصعد عثتر إلى أقاصي صفون، وجلس على عرش بعل، فلم تبلغ قدماه موطئ القدمين، ولم يبلغ رأسه أعلى العرش. فقال عثتر: لا أملك في أقاصي صفون. ونزل عن عرش بعل، فملك في الأرض، معبوداً عليها كلّها، ثم يذكر النصّ ماءً يُستقى من الجرار.

وقبل ذلك، في اللوح الثاني، حين أمر إيل أن يُبنى قصر لـيمّ البحر، رفع عثتر صوته معترضاً. فقالت له شبش: إنّ أباك الثور إيل قد آثر الأمير يمّاً، فكيف يسمع لك؟ سينزع قوائم مجلسك، ويقلب عرش ملكك، ويكسر صولجان حكمك. فقال عثتر: ليس لي بيت كبيوت الآلهة، ولا مسكن كمساكن أبناء القدّوس. أأملك أم لا أملك؟ فقيل له: لأنّه ليست لك زوجة كما للآلهة.

والفكرة التي تدور عليها أخبار عثتر أنّه الذي يطلب العرش فيجده أكبر منه. لا يقاتل أحداً، ولا يغلبه أحد، وإنّما يُقاس بالعرش: مرّة يذهب العرش إلى يمّ لأنّ له قصراً وليس لعثتر بيت ولا زوجة، ومرّة يجلس على عرش بعل فلا تبلغ قدماه الموطئ. ثم ينزل فيملك الأرض. ويقرأ وايت هذا النزول صورة للملك البشري: يأخذ سلطانه من الآلهة فوق، ثم يرجع إلى الأرض ليحكمها. وقرأه آخرون، منهم غاستر ودي مور، معبوداً للماء الذي يُسقى به الزرع حين يغيب مطر بعل في الصيف، ويردّ وايت هذه القراءة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة الكنعانية عثتر من ع-ث-ر، وتعطيه معنى الضياء، وتذكر «عثر» بمعنى وجد، و«العِثْيَر» الغبار. وتحفظ العربية الاسم نفسه كاملاً في «العَثَّرِيّ» بثاء مشدّدة، كما رواه ثعلب، وهو في المعاجم النخل والزرع الذي يشرب من المطر وحده، سُمّي كذلك «كأنّه عثر على الماء» من غير تعب صاحبه. والثاء المشدّدة هي الثاء والتاء من ʿṯtr «عَثْتَر» وقد أُدغمت التاء فيها. وقرأ روبرتسون سميث العثّري «المنسوب إلى عثتر»، ورأى في روايات الصدقة التي ينقلها عن البخاري والموطّأ أنّه يقوم مقام «البَعْل»: ففيما سقت السماء والعيون «أو كان عَثَرِيّاً» العُشر، وفي رواية أخرى «أو كان بعلاً». فاسم عثتر واسم بعل في العربية اسمان لأرض واحدة، الأرض التي تشرب بلا سقي، وعثتر في القصّة يجلس على عرش بعل فلا يملؤه.

الجذر اللغوي

عثتر و«العَثَّرِيّ»

الصيغة النطق الشاهد
ʿṯtr «ع-ث-ت-ر» عَثْتَر ألواح أوغاريت، اسم المعبود
ʿṯtr ʿrẓ «ع-ث-ت-ر ع-ر-ظ» عَثْتَر، واللقب لا يُعرف ضبطه لقبه في اللوح 1.6: «الساطع» عند وايت، و«المرهوب» عند أكثر المترجمين
ʿṯtrt «ع-ث-ت-ر-ت» عَثْتَرْت الاسم نفسه بتاء التأنيث، عشتروت
ʿṯtr «ع-ث-ت-ر» عَثْتَر نقوش جنوب الجزيرة بالخطّ المسند، ومنها نقش القناتين في المتحف البريطاني
Ištar «إِشْتَر» إِشْتَر الأكدية، سقطت العين وصارت الثاء شيناً، عشتار
عَثَرِيّ، عَثَّرِيّ عَثَرِيّ، عَثَّرِيّ العربية: ما يشرب من المطر وحده من النخل والزرع

تجعل المقالة الكنعانية جذر الاسم ع-ث-ر، ومعناه عندها «الضياء، الإشراق، النجم المشع»، وتذكر في العربية «عثر» بمعنى وجد، و«العِثْيَر» وتسمّيه الغبار المشع. والعين والثاء والراء في مكانها: العين تبقى في الأوغاريتية والفينيقية والعبرية وتسقط في الأكدية واليونانية، والثاء الأوغاريتية تقابل الثاء العربية بانتظام، وتصير شيناً في الأكدية والعبرية. ويبقى حرف رابع، التاء، لا يدخل في ع-ث-ر. وبهذه التاء اعترض وايت على روبرتسون سميث حين ردّ الاسم إلى «العثري»، فقال إنّ التاء تبقى بلا تفسير ولا يصحّ أن تكون حرفاً مزيداً في وسط الاسم.

وجواب الاعتراض في المعجم نفسه. ففي معجم لين: «العَثَرِيّ» هو «العِذْي»، أي ما يسقيه المطر وحده من النخل أو الزرع، وقيل ما يسقيه الماء الجاري على وجه الأرض، وسُمّي بذلك «كأنّه عثر على الماء» بلا عمل من صاحبه، وينقل لين عن ثعلب أنّه في هذا المعنى «عَثَّرِيّ» بتشديد الثاء. والعربية تدغم التاء في الثاء إذا التقتا، كما يقول لين إنّ «اِثَّأَرَ» أصلها «اِثْتَأَرَ». فالتشديد هو التاء الرابعة، وعثتر في العربية «عَثَّر»، والعثّري منسوب إليه، فلا يحتاج الاسم إلى تاء مزيدة. وفي معجم لين أيضاً أنّ «البَعْل» النخل الذي يشرب بعروقه فلا يحتاج إلى سقي، وأنّ أبا عمرو جعله مرادفاً لـ«العِذْي»، وهي الكلمة التي فُسّر بها العثري.

ويقول روبرتسون سميث إنّ المقارنة بين روايات الصدقة تدلّ على أنّ العثري مرادف للبعل أو نوع منه: ففي رواية «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً»، وفي أخرى «أو كان بعلاً»، ثم يقول إنّ العثري، وبعضهم يرويه بالتشديد، يبدو أنّه «المنسوب إلى عثتر»، المعبود الذي يقابل في الاسم عشتار البابلية وعشتروت الفينيقية، وهو من آلهة عرب الجنوب الذين يتولّون السقي. وفي نقش سبئي من القرن الثاني قبل الميلاد في المتحف البريطاني يبني رجل قناتين لثلاث مصاطب تسقي بستاني نخل، ويختم: «بعثتر وبالمقه». ويقول شرح المتحف إنّ المعبودين كانا يُدعيان معاً في القرابين المتّصلة بخصب الأرض المسقيّة، ولا سيّما في مأرب.

فالقراءة التي نثبتها: الاسم ʿṯtr «عَثْتَر» بحروفه الأربعة هو «عَثَّر» العربية، وقد بقي في «العَثَّرِيّ» اسماً للأرض التي تشرب بلا تعب. وقراءة المقالة صحيحة في حروفها الثلاثة، ومعنى «عثر على» الذي تذكره داخل في تفسير الكلمة نفسها، لأنّ العثري ما عثر على الماء. أمّا الضياء فليس من معاني الجذر في المعاجم، وهو معنى النجم الذي سمّاه الاسم.

الاسم والنجم

يقول وايت إنّ أصل الاسم غامض، وإنّه في صيغته المذكّرة على الأرجح اسم كوكب الزهرة، ثم انتقل إلى المؤنّث. وينقل بومهارد رأيين: يرى دياكونوف أنّ المعنى الأوّل للكلمة السامية «الإله» أو «الإلهة»، وأنّ تسمية الزهرة بها جاءت بعد ذلك في بعض اللغات، ويرى بلاجيك أنّها كانت في أصلها اسم الزهرة، نجم الصباح، وأنّها كلمة مركّبة من جزأين، وهذا يفسّر التاء من طريق آخر. فالنجم والأرض المسقيّة يجتمعان في عثتر من جهتين: النجم من جهة المسمّى، والعثّري من جهة اللفظ العربي.

وتذكر المقالة في مقارناتها «أثر»، وهو بالهمزة، والعين ثابتة في كلّ رسم سامي غربي للاسم، فلا يقوم «أثر» مقام الاسم. وعلى هذا المنهج نفسه تقرأ المقالة البابلية اسم عشتار من «عثتر».

وضُبطت جانباً بعد فحص المعجم: «الضياء» معنى للجذر ع-ث-ر، لأنّ المعاجم لا تذكره، و«العِثْيَر» يعني الغبار المرتفع وليس الغبار المشع.

التحوّلات المستعملة: الثاء الأوغاريتية ثاء عربية وشين أكدية؛ التاء مدغمة في الثاء في «عَثَّرِيّ»؛ العين ساقطة في الأكدية واليونانية.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الصاعد إلى جبل الاجتماع في سفر إشعياء

في إشعياء 14 يسخر النبيّ من ملك بابل حين يموت: «كيف سقطت من السماء يا هيلل بن شحر»، أي اللامع ابن الفجر، وقد قلتَ في قلبك: أصعد إلى السماء، وأرفع كرسيّي فوق كواكب إيل، وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي صفون، وأصعد فوق السحاب وأصير مثل العليّ، «لكنّك أُنزلتَ إلى الهاوية، إلى أسفل الجبّ». ويقول واطسون إنّ أقوى قرابة لهذا الكلام، على مستوى الأسطورة، هي قصّة عثتر في دورة بعل، وتقوّيها الألفاظ المشتركة: «جبل الاجتماع» يقابل مجلس الآلهة في اللوح 1.2، و«أقاصي صفون» تقابل «أعالي صفون» في 1.3. وقرأ كريغي لقب عثتر ʿrẓ «ع-ر-ظ» بمعنى المضيء، فيقرب من «هيلل» اللامع، وهذا ليس قول أكثر الباحثين. وفي الآية نفسها ابن الفجر، فخبره متّصل بـشحر وشالم. إشعياء 14:12–15، واطسون، «هيلل»، معجم المعبودات والشياطين، ص 392–394.

عثتر في الرقى

في اللوح 1.107، رقية لرجل لدغته حيّة، تُدعى الآلهة أزواجاً أن تجمع السمّ: «ليجمع إيل وحورون السمّ، ليجمع بعل وداجان السمّ»، ثم «ليجمع عثتر وعثتبر السمّ». فهو هنا واحد من الآلهة الذين يُرجى عونهم على السمّ، أمّا الذي يدفع السمّ في القصّة فهو حورون. وايت، اللوح 1.107، ص 393–394.

عثتر عند عرب الجنوب

يقول باركر إنّ «شحر» في نقوش جنوب الجزيرة القديمة يُذكر كثيراً مع عثتر، ويقترن برمز رأس تنّين. ويقول أبوش إنّ معبوداً مذكّراً بهذا الاسم معروف في جنوب الجزيرة وفي أوغاريت، وإنّ المؤنّث معروف في الأدب الكنعاني وفي التوراة.

القراءة الرمزية

تجعل المقالة الكنعانية عثتر إله الضياء والنجم الصباحي، الذي حاول أن يتولّى عرش بعل بعد موته، فلم يرقَ إلى مستوى بعل، وتقول إنّه «يمثّل الضياء الثانوي»، ويرتبط أحياناً بكوكب الزهرة. ونجم الصباح يظهر قبل الشمس ثم يغيب في ضوئها، فهو ضوء لا يملأ النهار، وهذا ما تريده المقالة بالضياء الثانوي.

ويضع اللفظ العربي القصّة في الأرض. فالعرش الذي لا يملؤه عثتر عرش بعل، صاحب المطر، والعثّري والبعل في العربية اسمان لما يشرب بلا عمل الإنسان. وعثتر حين ينزل يملك الأرض، ويذكر النصّ بعد نزوله ماءً يُستقى من الجرار. ويرى وايت في هذا الماء شعيرة من شعائر تنصيب الملك، لأنّ توزيع الماء من أوّل أعمال الملك.

التوازيات عبر الحضارات

الاسم نفسه في الرافدين اسم معبودة، عشتار، وفي أوغاريت وصيدا يصير بتاء التأنيث عشتروت. فالزهرة في جنوب الجزيرة وأوغاريت ذكر، وفي الرافدين والساحل الفينيقي أنثى.

ويذكر واطسون رأياً بأنّ أسطورة فايثون اليونانية، ابن الشمس الذي طلب أن يقود عربة أبيه فسقط، اختلطت حين بلغت الشام بقصّة عثتر الذي لم يملأ العرش، ومنهما جاء كلام إشعياء عن ابن الفجر. وخبر فايثون في صفحة هيليوس. واطسون، ص 393.

وفي إيران تقرأ صفحة تشتريا الجزء «شتر» من اسم النجم بالاسم السامي «عثتر»، على رأي من رأى أنّ لفظ النجم في الهندية الأوروبية مأخوذ منه.

وقصّة عثتر من أخبار المجمع الإلهي: إيل وأثيرة يختاران الملك، وفي إشعياء يطلب الصاعد «جبل الاجتماع». والعرش الذي يصعد إليه على الجبل المقدّس صفون. وهو يجلس عليه في المدّة التي يكون فيها بعل ميتاً، فقصّته فصل من الإله الذي يموت ويعود.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. وايت، «نصوص دينية من أوغاريت»، الطبعة الثانية، 2002، اللوح 1.2 III، ص 53–55، واللوح 1.6 I، ص 131–133، واللوح 1.107، ص 391–394.

  2. وايت، «عشتروت»، ص 109–110، وأبوش، «عشتار»، ص 452، وواطسون، «هيلل»، ص 392–394، وباركر، «شحر»، ص 754، في معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، 1999.

  3. المتحف البريطاني، نقش سبئي في بناء قناتين لبستاني نخل، 103021.

  4. روبرتسون سميث، «محاضرات في دين الساميين»، الطبعة الثانية 1894، ص 99–100.

  5. بومهارد، «ألفاظ النجم في الهندية الأوروبية والسامية»، 2018.

  6. معجم لين، عثر وثأر وبعل.

  7. إشعياء 14:12–15.

  8. واطسون، ص 393