كِرْتا

ملخص

كِرْتا ملك في قصيدة أوغاريتية طويلة كتبها الكاتب إيليملكو على ثلاثة ألواح، 1.14 و1.15 و1.16. تكتب الألواح اسمه krt «ك-ر-ت» بلا حركات، فقرأه الأوّلون كِرِت، ويقرؤه آخرون كِرْتا أو كِرْتو. ويجعله النصّ ملكاً على بيت خابور، ويسمّيه «ابن إيل» و«خادم إيل»، وهو مع ذلك إنسان يمرض ويوشك أن يموت.

تبدأ القصيدة بخراب بيته. كان له زوجة شرعية دفع مهرها، فمضت عنه، وكان له منها سبعة أبناء، فمات الثالث عند الولادة، والرابع بالمرض، وجمع الوباء الخامس، وابتلع البحر السادس، وسقط السابع بالسلاح، فهلك نسله كلّه. ويرى بعض الباحثين في الوباء والبحر والسلاح أسماء آلهة: رشف ويمّ وشَلَح، نهر العالم السفلي، ويقول وايت إنّ المعنى العامّ ممكن، وإنّ كرتا ملعون على كلّ قراءة. ويقرأ مترجمون آخرون سبع زوجات بدل سبعة أبناء. فدخل كرتا حجرته يبكي، وانسكبت دموعه على الأرض كالشواقل، حتى غلبه النوم، فنزل إليه إيل في منامه وسأله: ما لكرتا يبكي؟ أيريد ملك أبيه الثور؟ وعرض عليه الفضّة والذهب والعبيد والعربات والخيل، فقال كرتا: ماذا أصنع بالفضّة والذهب؟ «أريد أن أُنجب أبناء، أن أكثّر الذرّية».

فأمره إيل أن يغتسل ويقرّب حَمَلاً وخبزاً وخمراً على رأس البرج لإيل ولـبعل، ثم يجمع جيشاً لا يُحصى، يخرج فيه الأعزب ويُكتب فيه حتى الأرملة، ويحمل المريض سريره، ويترك العريس امرأته، ثم يسير سبعة أيّام إلى أُدُم الكثيرة المطر، فيحاصرها. وسيعرض عليه ملكها بَبِيل الفضّة والذهب ليرجع، فليقل له: «أعطني ما ليس في بيتي، أعطني الفتاة حُرِّيا، أكرم بنات أهلك، بكرك، التي جمالها كجمال عنات وحسنها كحسن عشتروت». ففعل كرتا ما أُمر به. وفي اليوم الثالث من مسيره بلغ مقام أثيرة في صور وإلاهة صيدا، فنذر: «إن أدخلتُ حُرِّيا بيتي، أعطيتُ ضعف وزنها فضّة، وثلاثة أضعافه ذهباً». ثم حاصر أدم، فلم يرمِ سهماً، حتى ضجّت ثيران بَبِيل وحميره وكلابه فلم ينم، فبعث بالمال، فردّه كرتا وطلب الفتاة، فأُعطيها، وبكاها أهل أدم كما تخور البقرة على عجلها.

ثم أقام كرتا وليمة حضرتها الآلهة، فأخذ إيل كأساً وبارك عبده: تلد لك المرأة سبعة أبناء وتضاعفهم ثمانية، وتلد يَصِّب الوارث، فيرضع لبن أثيرة، ثم قال: «لتكن عالياً يا كرتا بين رفائيم الأرض، في مجمع جماعة دِتان»، ووعده ببنات. ففي سبع سنين صار أبناء كرتا كما وُعد، وبنات حرّيا مثلهم. «وتذكّرت أثيرة نذره»، فقالت: أنقض كرتا نذره؟ ثم ينكسر اللوح، ويظهر كرتا بعد الكسر مريضاً. وبكاه ابنه إلحو: «كيف تموت يا أبي؟ أيُقال إنّ كرتا ابن إيل؟ أتموت الآلهة؟». وجفّت الأرض في مرضه، فرفع الحرّاثون رؤوسهم يطلبون مطر بعل، ونفد الخبز من مخازنهم والخمر من قِرَبهم والزيت من جرارهم. فسأل إيل الآلهة سبع مرّات: «من منكم يزيل المرض، ويطرد الداء؟» فلم يجبه أحد. فقال: اجلسوا يا أبنائي، أنا أصنع. فملأ يده طيناً، وصنع منه مزيلة المرض، وهي شَعْتِقَت. فدخلت بيت كرتا، وطردت موت من المدينة، وضربته بعصا، فخرج المرض من صدغيه، وغسلت عرق كرتا، وفتحت شهوته للطعام، فأكل وجلس على عرشه.

وكان ابنه البكر يَصِّب جالساً في القصر، فحدّثته نفسه أنّ أباه يموت، فجاءه وقال: «لم تقضِ في دعوى الأرملة، ولم تحكم للضعيف، ولم تطرد من يسلب ابن الفقير، ولم تُطعم اليتيم.. انزل عن ملكك فأملك». فقال كرتا: «ليكسر حورون رأسك يا بنيّ، ولتكسر عشتروت اسم بعل جمجمتك، ولتسقط في ريعان عمرك». وهنا ينتهي اللوح، وتحته اسم الكاتب.

والفكرة التي تدور عليها قصّة كرتا أنّ بيت الملك ودوام الأرض معلّقان بإنسان يموت. ينقطع نسله فيعطيه إيل نسلاً تامّاً، وينسى نذراً فيمرض، فتجفّ الأرض معه، ولا يقدر على شفائه إلّا إيل بيده. ثم يأتي الوارث الذي طُلب له كلّ هذا فيطلب العرش قبل أوانه، فيلعنه أبوه. ويقول وايت إنّ القصّة كلّها معلّقة بسطورها الأخيرة: الرجل الذي بدأ بفقد أبنائه ينتهي بلعن ابنه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالة الكنعانية لا تقرأ اسم كرتا: krt «ك-ر-ت» هو «كَرِيت»، أي التامّ. ففي معجم لين «سنة كريت» سنة تامّة، وكذلك اليوم والشهر، وفي «لسان العرب» «حول كريت» أي تامّ العدد. وفي العبرية من الحروف نفسها «كارَت»، قطع، ومنها قول التوراة في وعد داود: «لا ينقطع لك رجل عن كرسيّ إسرائيل». والقطع والتمام يجتمعان في العربية نفسها: «جَرَمَه» قطعه، و«تجرّم الحول» تمّ، «كأنّه قُطع من الحول الذي قبله»، و«السنة المُجَرَّمة» التامّة. وقصّة كرتا قصّة بيت انقطع ثم تمّ عدده.

الجذر اللغوي

كرتا و«الكَرِيت»

الصيغة النطق الشاهد
krt «ك-ر-ت» الحركات غير مكتوبة: كِرِت، كِرْتا، كِرْتو الأوغاريتية، الألواح 1.14–1.16
Kirta «كِرْتا» كِرْتا اسم ملك من ملوك ميتاني ذكره وايت
كَرِيت كَرِيت العربية: التامّ، في «سنة كريت» و«حول كريت»
כָּרַת «كارَت» كارَت العبرية: قطع؛ والأكدية karātu «كَرَاتُو»

يقول وايت إنّه يكتب الاسم «كِرِت» اتّباعاً للعادة، وإنّ كِرْتا وكِرْتو تخمين مثله، وإنّ أسلم شيء أن تُكتب حروفه الثلاثة وحدها، وينقل أنّ ملكاً من ملوك ميتاني الحوريين كان اسمه كِرْتا، فقد يكون الاسم حوريّاً. وحروف الاسم في الأوغاريتية ثلاثة لا لبس فيها: الكاف كاف لأنّ الأوغاريتية تكتب القاف بحرف آخر، والتاء تاء لأنّها تكتب الثاء بحرف آخر.

وفي العربية من هذه الحروف «كَرِيت» وحده. يقول لين: «سنة كريت» سنة تامّة، وكذلك اليوم والشهر. وينقل معجم هوراماني عن «لسان العرب»: «سنة كريت وحول كريت، أي تامّ العدد، وكذلك اليوم والشهر»، وعن «المحيط»: «سنة كريت: تامّة مجرّمة»، وعن ابن فارس: «ليس فيه إلّا قولهم عام كريت». و«المجرّمة» في معجم لين السنة التامّة، من «جَرَمَه» إذا قطعه، ويقال «تجرّم الحول» إذا تمّ، «كأنّه قُطع من الحول الذي قبله». فالمعجم العربي يفسّر التمام بالقطع. وفي العبرية «كارَت» قطع، والأكدية karātu «كَرَاتُو» مثلها، ومنها في التوراة «لا ينقطع لك رجل عن كرسيّ إسرائيل»، أي لا يخلو عرشك من ولد يجلس عليه.

والقراءة تمرّ بالقصّة، فهي تحتاج إلى جسر: المعجم يعطي التمام للسنة واليوم والشهر، والقصيدة تعطي التمام لعدد البيت، فالبيت الذي «هلك كلّه» يعود في سبع سنين تامّاً بأبنائه وبناته. ولذلك تبقى القراءة مفتوحة إلى أن يظهر شاهد مقطعي لاسم البطل، أو اسم سامي من الحروف نفسها بمعنى التمام.

وضُبطت جانباً بعد فحص المعجم وفحص الرسم: «قرية» و«قرت»، وقد كتبت المقالة الكنعانية العبرية qrt «قِرِت»، المدينة، بالحروف اللاتينية Keret «كِيرِت» في كلامها على ملقرت، لكنّ ذلك اللفظ بالقاف، واسم البطل بالكاف؛ و«كَرَثَ» بمعنى اشتدّ وغمّ، لأنّ الثاء العربية تقابل حرفاً آخر في الأوغاريتية.

حُرِّيا وشَعْتِقَت

تكتب الألواح اسم العروس ḥry «ح-ر-ي»، ويكتبه وايت «حُرِّي». ونقرؤه على المنهج «الحُرّة»: وهي في معجم لين الحرّة النسب، خلاف الأمة، وتُقال للمرأة الكريمة الأصل. والنصّ يصفها بأنّها «أكرم بنات أهلها» وبكر أبيها الملك.

ويقول وايت إنّ اسم المرأة التي صنعها إيل من الطين، šʿtqt «ش-ع-ت-ق-ت»، فعل من الجذر ع-ت-ق بالشين التي تجعل الفعل متعدّياً، ومعناه «هي التي تُبعد» أو «هي التي تُزيل». وفي معجم لين «عَتَقَ العبد» خرج من الرقّ، و«عتق الفرس» سبق فنجا. فشعتقت على المنهج «التي تُعتق»، تُخرج المريض من مرضه كما يخرج العبد من رقّه.

التحوّلات المستعملة: الحروف الأوغاريتية ك ر ت تقابل العربية حرفاً بحرف؛ الشين في šʿtqt «ش-ع-ت-ق-ت» زيادة صرفية.

السرديات الأسطورية الرئيسة

كرتا وأيّوب

يذكر وايت أنّ باركر رأى في القصيدة ثلاثة موضوعات من حكايات الشعوب، وقارنها بسفر أيّوب. فأيّوب أيضاً رجل كان له سبعة أبناء وثلاث بنات، فجاءته الأخبار أنّ ريحاً عظيمة هدمت البيت عليهم فماتوا، ثم بارك الله آخرته أكثر من أوّلها، وصار له سبعة أبناء وثلاث بنات. ويقول وايت إنّ سلسلة المصائب التي تصيب كرتا أكثر من أن تكون مصادفة، وإنّ القصّة تطرح المسألة الأخلاقية نفسها التي يطرحها سفر أيّوب.

كرتا والرفائيم

يرى وايت أنّ ذكر الرفائيم وجماعة دتان في بركة إيل يشير إلى أنّ كرتا سيصير بعد موته واحداً منهم، وأنّ في الكلام سخرية خفيّة، لأنّ كرتا يكاد يموت في القصّة نفسها. ويلاحظ أنّ اسم كرتا لا يرد بين الملوك الذين يُدعون في نصّ الجنازة الملكية 1.161، مع أنّ دتان يرد فيه.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير كنعان دانئيل «قاضي إيل»، الإنسان المثالي الحكيم العادل الذي يُطعم الأرملة واليتيم، وتجعله «أوّل قاضٍ» في المجتمع الكنعاني. وبهذا الميزان نفسه يحاكم يصّب أباه: لم يقضِ للأرملة، ولم يحكم للضعيف، ولم يُطعم اليتيم. فالملك في القصيدتين يُقاس بما يفعل لمن لا بيت له.

وتقرأ المقالة نفسها غياب بعل جفافاً، وفي قصّة كرتا يجيء الجفاف حين يمرض الملك: يطلب الحرّاثون مطر بعل، وتفرغ المخازن والقِرَب والجرار. ويرى وايت أنّ الأسرة الحاكمة، أي «بيت» كرتا، موضوع رئيس في القصيدة، وأنّ القصيدة تحمل فكرة الملك عند أهل أوغاريت، وإن كانت تنتقدها.

التوازيات عبر الحضارات

في الرافدين ملك آخر بلا وارث، إتانا ملك كيش، كان يقرّب لشمش كلّ يوم ويطلب نبتة الولادة ليرزق وارثاً، كما يقرّب كرتا لإيل وبعل على رأس البرج ويطلب الأبناء. والقصّتان تجعلان دوام المُلك معلّقاً بالولد.

وفي أوغاريت نفسها دانئيل أب محروم من الولد يقرّب للآلهة فيباركه إيل، وقاضٍ للأرملة واليتيم، ثم يفقد ابنه أقهت. وسؤال إيل للآلهة سبع مرّات «من يزيل المرض؟» دون أن يجيب أحد من أخبار المجمع الإلهي، ويشبهه نداء الفرس للآلهة واحداً بعد واحد في رقية حورون. وصنع إيل شعتقت من الطين قريب من صنع الإنسان من الطين في قصص خلق الإنسان.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. وايت، «نصوص دينية من أوغاريت»، الطبعة الثانية، 2002، «قصّة الملك كرت»، الألواح 1.14–1.16، ص 176–243، وص 440.

  2. معجم لين، كرت وجرم وحرّ وعتق؛ وهوراماني، كرت.

  3. براون ودرايفر وبريغز، «كارَت».

  4. الملوك الأوّل 2:4، وأيّوب 1:2 و1:18–19 و42:12–13.